
لبنان في مواجهة الخطر الأكبر. خطر من الخارج والداخل. الحرب قائمة ومستمرة، لا نية لوقفها قبل تحقيق أهدافها. والأهداف تهدد الكيان، إذ من ضمنها تدمير حزب الله بالكامل، واستهداف مناطق مختلفة ومرافق عامة، وتهجير أهالي مناطق وقرىً وبلدات مقابل السيطرة عليها إسرائيلياً، وربما توسيع نطاق السيطرة وإدامة الاحتلال. في الداخل، المخاطر تكبر، ومن ضمنها خطر الحرب الأهلية. تفكك الجيش، أو حصول شرخ كبير بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، أو خطر الانقلاب من مجموعة على الأخرى بفعل عصيان قرار سياسي أو حكومي، وهو ما سيعيد رفع المتاريس والحواجز وربما البنادق.
يعود الخطر الأكبر لأن التاريخ يعيد نفسه، ويعود على شكل مأساة أو على شكل مهزلة. عاد اللبنانيون إلى “توم باراك” المندوب السامي الأميركي لشؤون المنطقة. باراك نفسه الذي هاجمه اللبنانيون ورفعوا فيه الشكاوى للإدارة الأميركية مطالبين باستبداله، خصوصاً بعد أن تحدث عن خطر زوال البلاد أو إعادتها لبلاد الشام. إثر اندلاع الحرب لجأوا إليه طلباً للمساندة، لكنه رفض، مطالباً بالعودة إلى تطبيق شروطه، وأهمها تحرك الدولة اللبنانية ضد حزب الله وسحب سلاحه ولو بالقوة. في أحد تصريحاته السابقة كان باراك قد قال إن أميركا تدعم الجيش اللبناني لمواجهة حزب الله لا لمحاربة إسرائيل. هنا يكمن الخطر الأكبر، وصل اللبنانيون إلى هذه النقطة، خطر “الحرب الأهلية” أو المواجهة الداخلية، وهنا تمكن العودة إلى المأساة والمهزلة.
لم توافق الولايات المتحدة الأميركية على الدخول في وساطة لوقف الحرب قبل أن تتلمس من الدولة اللبنانية نشاطاً جدياً ومثبتاً بالتحرك ضد حزب الله، السيطرة على مواقعه وسحب سلاحه بالكامل، على أن يكون التحرك فورياً في الجنوب، الضاحية والبقاع. من هنا تُمارس ضغوط كبيرة على الجيش اللبناني لتنفيذ المهمة. الجيش لديه مقاربة مختلفة، أنه يلتزم قرار الدولة ويسعى إلى تطبيقه متى توفرت الظروف، هذا غير مقبول من قبل الأميركيين والإسرائيليين الذين يؤكدون أنه في حال لم يتحرك الجيش فإن الحرب الإسرائيلية مستمرة، وستطال مختلف المناطق ولن توفر شيئاً بما فيها مرافق عامة وبنىً تحتية للدولة اللبنانية. وقد وصل الأمر إلى حد بدء البحث بالبدائل عن قائد الجيش رودولف هيكل، إثر الدفع باتجاه استقالته أو إقالته. عندما عرض لبنان التفاوض المباشر مع إسرائيل مقابل وقف الحرب وتنفيذ عملية سحب السلاح، جاء الجواب الأميركي قاسياً، بأن واشنطن لم تعد متفرغة للترهات اللبنانية، وأن الدولة قد منحت فرصة لم تستفد منها، وأن المسؤولين لم يصدقوا كلام باراك عندما توجه إليهم بصراحة. من بين ما سمعه المسؤولون من ردود هو أن الخطوة اللبنانية بالتفاوض جاءت متأخرة جداً. واستكمل التصعيد بالمواقف القاسية التي تبلغها لبنان حول التحقيقات التي تجري داخل لجنة الميكانيزم حول كيفية تمكن حزب الله من إعادة بناء قوته وإدخال مقاتليه والاحتفاظ بأسلحته في الجنوب. أما التفاوض فيجب أن يكون مقترناً بخطوات جدية من قبل لبنان لضرب حزب الله وتفكيك كل بنيته العسكرية، الأمنية، والمدنية مع كل المؤسسات، وأنه في حال لم يلتزم بذلك فإن إسرائيل هي التي ستواصل الحرب لتحقيق هذه الأهداف، وبعدها التفاوض مع لبنان سيكون انطلاقاً من الوقائع العسكرية التي فرضت، ويفترض بالنتائج السياسية أن تكون خاضعة لها.
لكن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب يرفضان ذلك، ويبديان تفهماً لمقاربة هيكل. أما الذين يدفعون لدخول الجيش في مواجهة مع الحزب على قاعدة أن “سحب السلاح يتقدم على السلم الأهلي” فهم يعتبرون أن عدم الالتزام بالقرار الصادر عن الحكومة يمثل تمرداً على السلطة السياسية، وعصياناً لقراراتها وانقلاباً عليها. يعزز هؤلاء مواقفهم بما يرد من رسائل خارجية، عن غضب، انعدام الثقة، ووقف أي تعاون أو مساعدة مع لبنان بعد اكتشاف أن كل ما قيل سابقاً عن سحب السلاح في جنوب نهر الليطاني غير حقيقي أو واقعي، وأن حزب الله تمكن من تعزيز قدراته وقوته وعديده بدلاً من حصول العكس، وأن قرار الحرب والسلم بقي في يد الحزب الذي اختار خوض المعركة وفق توقيته. مثل هذه التوجهات الدولية ستؤسس لمخاطر أكبر على المستوى اللبنانية، خصوصاً في حال استمر الضغط على حاله، وهذا ما سيدفع الكثيرين إلى البحث عن صيغ وخيارات بديلة، معها ستعود لغة “الانفصال” أو التقسيم. وهنا يعود التاريخ على شكل مأساة الحرب الأهلية، ومهزلة الفوضى وتفكك المؤسسات.
للمصادفة أن العودة إلى باراك وهو المُنظّر للعودة إلى بلاد الشام، تزامنت مع اجتماع رؤساء عرب وغربيين، عبّر خلاله الرئيس السوري أحمد الشرع عن تضامنه مع لبنان وعن دعمه للدولة اللبنانية ورئيس الجمهورية في خطته لنزع سلاح حزب الله. كلام يدفع شياطين الكثير من اللبنانيين لتستفيق. فالبلاد تضج منذ أسابيع بأخبار التخويف من الحشود العسكرية السورية على الحدود اللبنانية، ومخاوف من إعادة التاريخ لنفسه ما بين المهزلة والمأساة، باستحضار المخاوف من سيطرة إسرائيلية على الجنوب، ونفوذ سوري بقاعاً وشمالاً. لكن التحركات الإسرائيلية في البقاع تشير إلى إصرار تل أبيب على أن تكون صاحبة النفوذ جنوباً وشرقاً وكذلك في الغرب. فإسرائيل تصر على التحرك في البقاع، بإنزالات، ومناورات وبطائرات في إطار جس النبض والاستطلاع بالنار تمهيداً لأيّة عملية ستنفذها لاحقاً. لإسرائيل أهداف كثيرة في البقاع، أبعد من رون آراد، وتتصل بتدمير وتفكيك منشآت حزب الله الصاروخية ومواقع لتطوير الصواريخ وتصنيعها، كما أن هناك أسلحة تتهم تل أبيب حزب الله بتخزينها في بواطن الجبال في البقاع، كانت بحوزة نظام الأسد سابقاً وعندما فرض عليه التخلص منها جرى نقلها إلى تلك المناطق الجردية بين البلدين، وربما لاحقاً تسعى إسرائيل للاحتفاظ بنقاط مرتفعة تماماً كما هو حال سيطرتها على تلة مرصد جبل الشيخ ليبقى إشرافها على لبنان وسوريا.
للتحركات في البقاع أهداف أخرى أيضاً، منها تعزيز مبدأ المناورة من قبل الإسرائيليين لإشغال حزب الله في منطقة معينة، مقابل المباغتة في منطقة أخرى والتحرك منها باتجاه الأراضي اللبنانية، كمثل المشاغلة في البقاع الشمالي، مقابل التحرك الفعلي في البقاع الغربي. حالياً، يكرر الإسرائيليون أسلوب حرب العام 2024 نفسه، عمليات قصف واستهداف واغتيالات متنقلة، كلها في سياق التحضير للحملة الأوسع بضربة أكبر تمهد لدخولهم البري. لدى إسرائيل اليوم سجالات كثيرة حول “خطأ الانسحاب من لبنان” تماماً كما اعتبروا أن انسحابهم من غزة في العام 2005 كان خطأً وأسَّس لإعادة بناء قوة المقاومة، بذلك يمكن الاستنتاج أن تل أبيب تريد استنساخ نموذج غزة في مناطق عديدة من لبنان وتقسيمه إلى مناطق بألوان مختلفة تكون هي المتحكمة بمساراتها. أما خيارها الأفضل لتجنب مثل هذه الحرب بتكاليفها الكثيرة فهي إدخال اللبنانيين بصراع داخلي يتحول إلى حرب أهلية تسعى هي الى الاستثمار فيها. أما داخلياً فالتباعد بالمواقف، التضارب في الرؤى، الصراع على الوجهة لا يوفر أبداً أيّة قدرة على مواجهة أخطر ما يتعرض له “لبنان الكبير” منذ نشأته، وفي الخارج لم يعد أحد يهتم به أو يحرص عليه.