مايكل يونغ محرّر مدوّنة “ديوان” ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.
نيسان رفاتي هو كبير محلّلي الشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية، حيث تركّز أبحاثه على برنامج إيران النووي وسياساتها الإقليمية. هو حائز على ماجستير ودكتوراه في الدراسات الشرقية من كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد. أجرت “ديوان” مقابلة مع رفاتي في أوائل آذار/مارس للاطّلاع على رؤيته بشأن الصراع الدائر راهنًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
مايكل يونغ: بعد مرور أسبوعٍ ونيّف على بدء الهجوم العسكري الأميركي والإسرائيلي على إيران، ما أبرز الخلاصات التي توصّلت إليها بشأن المنحى الذي يسلكه الصراع، وكيف يمكن أن ينتهي؟
نيسان رفاتي: عكَست الأيام الأولى من الصراع بعض ملامح حرب حزيران/يونيو 2025. وهو عبارة عن مواجهة بين القوة النارية من جهة وقوة الإرادة من جهة أخرى. فليس لدى الجمهورية الإسلامية أي أمل في مضاهاة القدرات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، ولا سيما في ظلّ هشاشة دفاعاتها وثغراتها الاستخباراتية الكبيرة. وقد تكبّدت إيران خسائر بشرية ومادّية فادحة، بدءًا من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ووصولًا إلى الأضرار التي لحقت بترسانة الصواريخ البالستية، والأصول البحرية، والمنظومة الأمنية.
مع ذلك، لدى الإيرانيين حدٌّ أدنى يمكن اعتباره نجاحًا، وهو الصمود. ترى طهران أنها قادرة على تحمّل قدرٍ كبير من الخسائر، والصمود إلى أن يرى خصومها أن الاستمرار في الحرب لا يحقّق لهم سوى عوائد متضائلة، أو أن يتكبّدوا تكاليف باهظة تدفعهم إلى إنهائها. ربما نجح هذا الأمر في حزيران/يونيو الماضي، حين منح اتفاق وقف إطلاق النار جميع الأطراف قدرًا من الرضا: فقد أعاقت إسرائيل برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية، وقدّمت الولايات المتحدة دعمًا لافتًا لحليفتها في إطار عملية “مطرقة منتصف الليل”، فيما تمكّنت إيران من المجادلة بأن قدرتها على الصمود واستعدادها لخوض معركة استنزاف أطول دفعا خصومها إلى البحث عن مخرج. لكن الفرق الأساسي الآن هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان على ما يبدو إلى إحراز نتيجةٍ أكثر حسمًا لا يعود معها بقاء النظام خيارًا متاحًا.
يونغ: ما تقييمُك للمساعي التي بذلتها إيران من أجل توسيع نطاق الصراع بهدف تعزيز أوراقها التفاوضية في مرحلة ما بعد الحرب؟ وهل تعتقد أن استهدافها للدول العربية المحيطة قد أفاد طهران عمومًا، أم أنه على العكس فاقم عزلتها وعرّضها لمزيدٍ من المخاطر؟
رفاتي: يُقدِم الإيرانيون على توسيع رقعة الصراع لزيادة التكلفة التي تتكبّدها واشنطن، آملين أن يسهم ذلك في إنهاء الصراع عاجلًا بدلًا من آجلًا. فالحسابات تتعلّق في المقام الأول بالصمود لبلوغ مرحلة “ما بعد الحرب”، قبل التفكير في كيفية سير المفاوضات لاحقًا. تستهدف طهران دول الخليج من خلال حشد أدواتها الهجومية الرئيسة من صواريخ وطائرات مسيّرة، لتحقيق أهداف ثلاثة هي: أولًا، ضرب القواعد والمصالح الأميركية؛ ثانيًا، محاولة دفع حكومات الخليج التي باتت الآن على خط المواجهة، إلى الضغط على البيت الأبيض لكبح حملته؛ وثالثًا، إثارة حالة من التقلّب وانعدام اليقين في الأسواق العالمية، الأمر الذي يزيد التكاليف الاقتصادية. لكن هذه الاستراتيجية يُرجَّح أن ترتدّ بنتائج عكسية: على المدى القريب، في حال دفعت هذه الاستراتيجية دول الخليج إلى دعم المساعي الأميركية على نحوٍ نشِطٍ أكثر؛ وعلى المدى البعيد أيضًا، في حال أفضت إلى تقويض علاقات دول الخليج المستقبلية مع إيران.
يونغ: اعتبر كثرٌ من اللبنانيين قرارَ توسيع نطاق الحرب لتشمل لبنان – إذ كان لإيران دورٌ مباشر على الأرجح في إطلاق حزب الله صواريخه على إسرائيل يوم 2 آذار/مارس – خطوةً انتحارية دفعت إسرائيل إلى تنفيذ خطتها المُرتقبة منذ زمن لنزع سلاح حزب الله وتدميره نهائيًا. هل توافق على هذا التفسير، أي أن إسرائيل لا تنوي التوقّف قبل القضاء على الحزب، وبالتالي إن قرار إيران قد يزيد من إضعاف ما يُسمّى بمحور المقاومة؟
رفاتي: على مدى عقود، تمثلّت الاستراتيجية الإيرانية في إنشاء شبكة من الحلفاء مؤلّفة من قوى غير حكومية لردع إسرائيل والولايات المتحدة عن ضرب إيران بصورةٍ مباشرة، خشية الانزلاق إلى خوض مواجهة على جبهات متعدّدة. لكن الحملات العسكرية التي شنّتها إسرائيل بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أضعفت تلك القدرة، بدءًا بحماس، ثم حزب الله. وقد فاقم سقوط بشار الأسد في سورية الخسائر الاستراتيجية التي تكبّدتها إيران، إذ ساهم في تقليص قدرتها على بسط نفوذها في دول المشرق. إذًا، ساعد إضعاف محور المقاومة على إرساء بيئةٍ استراتيجية بات فيها ضرب مواقع إيران النووية والصاروخية في حزيران/يونيو الفائت ينطوي على مخاطر أقل. وفي ظلّ الصراع الحالي، فإن انخراط حزب الله الذي تراجعت قدراته لن يُضيف الكثير إلى القدرات الإيرانية، لكنه يمنح إسرائيل فرصةً لتكثيف حملتها الموازية في لبنان. أما على نطاقٍ أبعد، فقد يكون الحوثيون الطرف الأقوى المتبقّي في محور المقاومة، مع أنهم لم يدخلوا على خطّ الصراع فعليًا حتى الآن.
يونغ: أيُّ طرفٍ يكسب هذه الحرب؟ يجادل كثرٌ بأن إيران تفتقر إلى القدرات اللازمة لتحقيق انتصار عسكري، فيما تقول أصواتٌ معارضة في الغرب إن الولايات المتحدة وإسرائيل غير قادرتَين على فرض شروطهما على إيران، وأعني بذلك وقف برنامجها النووي، والحدّ بشدّة من برنامج صواريخها البالستية، وقطع علاقاتها مع حلفائها الإقليميين؟
رفاتي: بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل المجادلة بأنّ لهما اليد العليا راهنًا، بناءً على حجم الأضرار التي ألحقَتاها حتى الآن، أي: اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي؛ وتصفية قادة إيرانيين كبار؛ وسيطرتهما على ما يبدو على معظم المجال الجوي الإيراني؛ والتراجع الشديد في قدرة إيران على تصنيع الصواريخ وإطلاقها؛ وتدمير جزءٍ كبير من سفن البحرية الإيرانية؛ وإضعاف قبضة النظام الحديدية، أي الشرطة وأجهزة الأمن. إضافةً إلى ذلك، يُرجَّح أن تواجَه أيّ ردودٍ انتقامية إيرانية بمزيدٍ من الانتقاد والاستنكار، بدلًا من التعاطف. في المقابل، قد يدحض الإيرانيون ذلك بالقول إن النظام لم يسقط ولم يُظهر بعد مؤشّرات بالغة على التصدّع، وإن ميزتهم المُفترضة في خوض صراع النفس الطويل لم تتجلَّ بعد. لكن يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل عازمتان على مواصلة هذه الحملة لتحقيق أحد هذَين الاحتمالَين: إما استسلام النظام أو انهياره.
يونغ: ختامًا، وردت خلال الأسبوع الفائت تقارير تفيد بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) كانت تعمل على تسليح قوات كردية إيرانية وأن الولايات المتحدة تشجّع الفصائل الكردية العراقية على السماح للأكراد الإيرانيين بعبور الحدود إلى المناطق الكردية في إيران بهدف إشعال تمرّد ضدّ طهران. لكن تقارير أخرى نفت هذه الأنباء، وأوضح دونالد ترامب لاحقًا أنه لا يرغب في دخول القوات الكردية إلى إيران. ما معطياتك حول هذا الموضوع، وكيف ترى مسار الأحداث على هذا الصعيد؟
رفاتي: يمكن لحملةٍ تعتمد حصرًا على القوة الجوية أن تُحدث أضرارًا جسيمة. لكن هذه التقارير تشير إلى أنّ قدرًا كبيرًا من التخطيط على الأقل قد جرى لإسناد الحملة الجوية بتدخّل عسكري برّي، قد تؤدّي في إطاره القوات الكردية الإيرانية دورًا، سواء من خلال تلقّيها التدريب أو تزويدها بالأسلحة من الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو الاثنَين معًا. والهدف المُرجَّح من ذلك هو وضع الحكومة الإيرانية في موقف يُرغمها على نشر قواتها على أطراف البلاد، ما من شأنه أن يقلّل من قدرتها على قمع الاحتجاجات في المراكز السكانية الرئيسة في حال تجدّد زخم الحراك المناهض للحكومة، على وقع استهداف البنى التحتية العسكرية المرتبطة بفصائل الحرس الثوري الإيراني، وقوات البسيج، وقوى أمنية أخرى. سيشكّل مثل هذا الوضع نقمةً ونعمةً في آن للنظام: فهذا سيضع النظام في مواجهة اضطرابات داخلية متنامية، لكن تعبئة الأكراد من الخارج ستمنحه أيضًا فرصةً للقول إن خصومه لا يسعون فحسب إلى إسقاط الحكومة، بل يريدون كذلك تفكيك البلاد.
مايكل يونغ محرّر مدوّنة “ديوان” ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط. مدونة ديوان