
يشكل إيران إحدى أبرز الإثنيات في البلاد، إذْ تتراوح أعدادهم بين 8 إلى 12 مليون نسمة من أصل تعداد للسكان يبلغ 93 مليوناً، ويتركزون في كرمنشاه وكردستان وغرب أذربيجان وإيلام وتخوم جبال زاغروس ومناطق الشمال الغربي إجمالاً. وقد تعرضوا لتنكيل سياسي وحقوقي وثقافي على مرّ العصور وأنظمة الحكم، وكذلك بعد إسقاط الأسرة البهلوية وإقامة الجمهورية الإسلامية سنة 1979.
ومنذ الساعات الأولى للحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران طُرحت فكرة إشراك فصائل مسلحة إيرانية كردية في عمليات عسكرية تستهدف إضعاف النظام المركزي في طهران. وليس من الواضح ما إذا كان خيار ورقة أكراد إيران قائماً بالفعل، سواء لجهة زجّ ميليشياتهم في حرب عصابات مباشرة، أو قيادة تحركات احتجاج وعصيان مدني في مناطقهم، خاصة وأن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقلبت بين قبول الفكرة وتشجيعها أولاً، ثم استبعادها لاحقاً كي لا تصبح الحرب الراهنة “أكثر تعقيدا مما هي عليه”.
غير أن العديد من المحاذير تكتنف اتخاذ القوى السياسية والفصائلية الإيرانية الكردية قرار الانخراط في الحرب الراهنة، أياً كانت أشكال التدخل أو مساحاته الجغرافية أو أدواته، لاعتبارات عديدة داخلية وإقليمية ودولية، فضلاً عن سوابق تاريخية لا تُطمئن حول مصداقية الولايات المتحدة في الذهاب بمساندة الأكراد إلى الحدود الدنيا من الأهداف المطلوبة. وعلى مأساوية آثارها المتعاقبة، فإن تباينات اتفاقيتي سيفر 1920 لوزان 1923، ثمّ تخلي الإدارة الأمريكية الراهنة عن “قسد” في سوريا، أمثلة جلية على نقض تعهدات الغرب للأكراد.
وعلى أصعدة إيرانية داخلية، ليس الأكراد هم الإثنية الوحيدة التي يمكن أن تبرر مشاركتها في الحرب بأغراض حيازة الحقوق المدنية والسياسية والثقافية، فهنالك انقسام رئيسي بين نسبة 51% للفرس و24% للمجموعات الآزرية، ونسب أخرى لأقليات مثل البلوش والعرب، إلى جانب انشطار السكان الأكراد أنفسهم على خطوط مذهبية شيعية أو سنية تحكم قسطاً غير قليل من ولاءاتهم تجاه السلطة المركزية. وحال الإثنيات والأقليات في إيران أقرب إلى قنبلة موقوتة سوف يصيب انفجارها الجميع، وإن بمعدلات متفاوتة يصعب مع ذلك ضبط عواقبها أو التحكم في طرائق توظيفها أو إخمادها.
وفي نطاقات إقليمية ودولية، وبالنظر إلى أن المسألة الكردية لا تقتصر على إيران بل تمتد إلى العراق وسوريا وتركيا وبقاع أخرى، فإن تبعات زجّ قوى كردية في حرب أمريكية ـ إسرائيلية ضد إيران سوف يستدعي هذا أو ذاك من ردود الفعل السلبية، فضلاً عن إجراءات زجرية بالغة العنف من جانب “الحرس الثوري” الإيراني ضدّ الأكراد ومناطقهم عموماً.
هل ثمة ورقة كردية يمكن أن تُلقي بها واشنطن وتل أبيب في أتون الحرب الراهنة؟ قد تتوفر بالفعل، في نوايا دولة الاحتلال الإسرائيلي أوّلاً وربما انفرادياً، ولكن أثمان استخدامها سوف تكون باهظة على الأكراد أنفسهم، والأرجح أنها سوف تمنح النظام المركزي في طهران ذرائع إضافية لممارسة مزيد من القمع والتنكيل وانتهاك الحقوق.