هذا الجنون العسكري الحالي ليس “حرباً لإنهاء جميع الحروب” على ما قال ترامب، بل مجرد حرب أخرى في طريق إسرائيل لتصبح القوة المهيمنة إقليمياً بلا منازع. لكن يبدو أن الحكام في أميركا وإسرائيل يفشلون في فهم أنه لا يمكن السيطرة والحكم بالدم والحديد وحدهما.
الحرب التي أطلقها التحالف الأميركي – الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/ فبراير لا تقتصر على تدمير القدرات النووية الإيرانية، بل تهدف إلى إعادة تعريف “شرق أوسط جديد” تحت الهيمنة الإسرائيلية. كما أن الحرب ضد إيران لن تكون الحرب الأخيرة…
في 20 آذار/ مارس 2003، أطلقت إدارة أميركية كانت واقعة تحت التأثير الأيديولوجي للمحافظين الجدد، هجوماً غير مبرر على العراق الذي كان يحكمه صدام حسين. وكانت الذريعة أن “أسلحة الدمار الشامل” العراقية تشكل تهديداً للأمن الأميركي. آنذاك، لم يدافع أحد عن نظام صدام العصابي، ولا حتى جنوده أنفسهم. وبعد قصف جوي مكثف في البداية، تقدمت القوات الأميركية من الجنوب واحتلّت مدينة تلو الأخرى، ووصلت إلى بغداد خلال أسبوعين. وتم القبض على الدكتاتور مختبئاً في حفرة، وسُلِّم إلى أعدائه الشيعة العراقيين الذين أعدموه شنقاً.
كان لدى المحافظين الجدد الأميركيين خطط كبيرة للشرق الأوسط. فمن خلال احتلال العراق، واستخدام احتياطاته النفطية الهائلة، خططوا لتمويل شرق أوسط جديد تهيمن عليه أميركا ويكون صديقاً لإسرائيل. ولم يكونوا يثقون بحلفائهم التقليديين، السعوديين، الذين كانوا تحت تأثير أيديولوجية سلفية – جهادية. ومن خلال السيطرة على الهيدروكربونات في الشرق الأوسط (25 في المئة من الصادرات العالمية)، كان بإمكان الولايات المتحدة أن تمارس نفوذها إلى ما هو أبعد من ذلك، على أوروبا والهند، وبخاصة على الصين.
إلا أن للحروب عادة سيئة، وهي أنها لا تسير وفق الخطة الأصلية. فقد تمرد الضباط السنة النافذون في أجهزة أمن صدام، الذين أُقصوا عن السلطة بسبب الاحتلال الأميركي، ضد الاحتلال، واستخدموا القنابل المزروعة على جوانب الطرق، وهو أمر لم تكن القوات الأميركية مستعدة له، ما تسبب في أكثر من 4000 قتيل أميركي وتريليونات الدولارات من الخسائر. ولم يكن ذلك هو الأسوأ: فقد سلّم الاحتلال الأميركي مفاتيح بغداد إلى أحزاب شيعية موالية لإيران، وهي حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وكلاهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالنظام الإيراني. وهكذا، لم يكتف الأميركيون بغزوهم عام 2003 بالقضاء على صدام، العدو الرئيسي لإيران، وتسليم العراق وموارده إلى الملالي، بل حوّلوا الجمهورية الإسلامية الإيرانية بين ليلة وضحاها إلى إمبراطورية إقليمية تمتد من طهران حتى جنوب لبنان وما بعده.
لقد بالغت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في توسيع نفوذها، وقادت حروباً من سوريا إلى اليمن. وبينما تسامح باراك أوباما مع التوسع الإيراني، بل وتعاون مع الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا، لم يقبل دونالد ترامب وحلفاؤه الإسرائيليون بذلك. وكان اغتيال سليماني عام 2020، حتى قبل هجمات حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بمثابة العد التنازلي لإعادة تشكيل (الفوضى) الإقليمية. والذريعة هي الأسلحة النووية الإيرانية، تماماً كما كانت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية المزعومة لصدام، لكنها ليست سوى ذريعة، إذ إن الهدف هو الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط.
لكن القيادة الإيرانية لم تفهم أن الزمن كان يتغير. ومع بداية حرب غزة، أطلق حزب الله اللبناني “حرب الإسناد”، ما منح إسرائيل الذريعة لتحويل الحرب الإباديّة ضد الفلسطينيين إلى حرب شاملة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وقد كتب علي لاريجاني، إحدى الشخصيات النافذة في إيران، في 2 آذار/ مارس 2026 باللغة العربية على منصة “إكس”: “لن نتفاوض مع الولايات المتحدة”. وكلماته تؤكد فقط الوضع اليائس بعد الهجوم الجوي الإسرائيلي – الأميركي الذي اغتيل خلاله المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي. إنها حرب شاملة تدفع دوائر الحكم الإيرانية إلى شعور صوفي بالشهادة. وهم الآن يلقون بكل ما لديهم في هذه الحرب الشاملة؛ فإما أن ينجوا ويحافظوا على نظامهم، أو يهلكوا وهم يقاتلون في حرب لم يختاروها.
هذه العقلية الانتحارية، عقلية “نهاية الزمان”، تتجلى في إرسال إيران طائراتها المسيّرة وصواريخها نحو جميع دول الخليج. كما تتجلى في إصدار الأوامر لحزب الله اللبناني بإطلاق بضعة صواريخ كاتيوشا على شمال إسرائيل، على الرغم أن الميليشيا الشيعية اللبنانية قد شُلّت قيادتها في صراعها مع إسرائيل عام 2024. بضعة صواريخ كاتيوشا البدائية لا معنى لها عسكرياً، لكنها ستغرق لبنان، وخصوصاً سكانه الشيعة، في رد إسرائيلي قاسٍ لا يرحم.
الحرب الحالية في الشرق الأوسط هي استمرار معدّل لغزو عام 2003. ومع ذلك، من الضروري التأكيد أيضاً على الفروق. فعلى عكس ما حدث في العراق عام 2003، لن يكون هناك احتلال أجنبي، ولا “أحذية أميركية على الأرض”. التحالف الأميركي – الإسرائيلي لا يهدف إلى تغيير النظام الإيراني بآخر موالٍ له، فموجات القصف التي تستهدف الحرس الثوري والباسيج وحتى مكاتب الشرطة تشير إلى نية إضعاف هياكل الدولة المركزية وترك إيران تتحوّل إلى “دولة فاشلة”.
لا توجد أي ضمانات بأن تراجع إيران سيؤدي إلى استقرار إقليمي. فصراع إقليمي جديد يلوح بالفعل في الأفق: مواجهة جديدة بين إسرائيل وتركيا. إذ بات المسؤولون الإسرائيليون – السابقون والحاليون – يصفون تركيا بشكل متزايد بأنها “إيران الجديدة”، وأن تركيا تشكل تهديداً لإسرائيل من خلال “تحالف سني”. ولذلك، فإن هذا الجنون العسكري الحالي ليس “حرباً لإنهاء جميع الحروب” على ما قال ترامب، بل مجرد حرب أخرى في طريق إسرائيل لتصبح القوة المهيمنة إقليمياً بلا منازع. لكن يبدو أن الحكام في أميركا وإسرائيل يفشلون في فهم أنه لا يمكن السيطرة والحكم بالدم والحديد وحدهما.
موقع درج