يسترعي انتباه الباحث في شؤون الأحزاب العربية خبر انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي من ناحيتَين: الانعقاد في حدّ ذاته، ثم مضمون البيان الصادر عنه، الأمر الذي يستدعي النقاش، خصوصاً أنّ المناخ السائد عربياً يشير إلى تراجع الأحزاب وجوداً وفعّالية، قياساً على مرحلة سبعينيّات القرن العشرين.
عُقد المؤتمر الثالث عشر لـ”البعث” في صيدا بلبنان، واختتم أعماله في 28 يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد 37 سنة من آخر مؤتمر له، 11 منها كان فرعه العراقي حاكماً، وإن تحت الحصار الأميركي، و26 سنة بعد الاحتلال الأميركي للعراق وقراره اجتثاث “البعث”، وكان أحد ثلاثة قرارات مهمة أصدرها الاحتلال الأميركي. والآخران حلّ الجيش العراقي، ومصادرة موجودات وزارة المالية. وقد أسهمت هذه القرارات، مع عوامل أخرى، في إيصال العراق إلى ما وصل إليه من استباحة وتردٍّ.
ولا يبرّر الحصار والضيق اللذان تعرّض لهما الحزب، خصوصاً في العراق، التأخّر في الانعقاد، بل يستعجلانه، لأن المؤتمر الثاني عشر كان قد باشر في تلمّس أزمة حركة التحرّر العربي، ومنها أزمة الحزب نفسه. لكن التأخّر “يُبرَّر” بأنه من الأمور السائدة في الأحزاب السياسية في مرحلة التراجع. فحركة القوميين العرب أنهت الصيغة القومية للتنظيم، وحتى فكرها القومي، بعد هزيمة حزيران 1967، وحزب البعث السوري عقد آخر مؤتمر قومي له في 1980، واتخذ قراراً في 2017 بإلغاء المؤتمرات القومية واستبدل بها اللقاء التشاوري. وعاش الحزب السوري القومي الاجتماعي ما يشبه الانشقاق الدائم منذ مؤتمر ملكارت (1969). واستبدلت الأحزاب الشيوعية بلقاءاتها الدورية اللقاء اليساري (2011–2022). وعلى الرغم من الظروف التي لا يبرّر بعضها التأخّر، فإن انعقاد المؤتمر يمثّل إصراراً على التمسّك بالصيغة القومية للتنظيم، ويمثّل التزاماً بأساسيات الحزب من جهة، وتحدّياً للاتجاه السائد عالمياً منذ أواخر القرن العشرين ودخول الرأسمالية مرحلةً جديدةً بسقوط نموذج الحزب الجماهيري، وتراجع نماذجه عربياً. وبقدر ما يمثّل هذا الإصرار تمسّكاً بالمبدأ، فإنه يمثّل تحدّياً لإثبات جدارته.
من حيث القرارات، عرض البيان الختامي للمؤتمر واقع الأمة العربية، والتحدّيات التي تواجهها، ومشروع الاستنهاض القومي بقواه وآلياته التنفيذية، والتشديد على الديمقراطية ناظماً للحياة السياسية وحماية مقوّمات الدولة الوطنية، وبرنامجاً مرحلياً لحركة النضال العربي لمحاكاة الضرورات العملية في العمل العربي المشترك، وانتخاب قيادة قومية جديدة لقيادة المرحلة الجديدة. ففي توصيف المرحلة، أعلن البيان خطورة تصاعد العدوان الصهيوني والتفلّت الأميركي والاحتلال الإيراني من جهة، وتفتيت البنيات الوطنية العربية من جهة ثانية، وارتفاع منسوب الضخّ الإعلامي المعادي لتشويه الوعي القومي وإعادة إنتاج الهُويّات الطائفية والجهوية على حساب الهُويّة الوطنية الجامعة من جهة ثالثة. وفي مشروع الاستنهاض القومي، أعلن البيان مسؤوليته مع القوى العربية التحرّرية (من دون أن يحدّدها) عن ذلك، ببناء جبهة عربية تتصدّى لمشاريع العدوان وتعيد إدخال القضية القومية في قلب الصراع السياسي والاجتماعي اليومي عبر خيار المقاومة القومية الشاملة، مع مراعاة خصوصيات الأقطار؛ فأعطى تنظيماته المرونة في التعامل معها، علاوة على الديمقراطية والتعدّدية في إدارة الاجتماع السياسي، وحماية الدول القائمة مع بقاء الوحدة العربية هدفاً استراتيجياً يُستنبط النظام الدستوري الأكثر ملاءمة لها.
ومع هذه المهمات، مارس المؤتمر النقد الذاتي للحركات التحرّرية العربية، وهو منها، واقتصر النقد على تشرذمها، وانكفائها عن مقاومة الاحتلال وعن إحداث التغيير السياسي بالوسائل الديمقراطية، الأمر الذي يتطلّب الارتقاء بصيغ العمل الوطني إلى مستوى التوحّد الفعلي على قاعدة برنامج موحّد يربط بين أهداف التحرير والتغيير الوطني الديمقراطي عبر تشكيل جبهة قومية تقدّمية تحرّرية على المستوى القومي، وتشكيل جبهات وطنية، معتبراً كل قضية وطنية قضيةً قومية، ومستعيضاً عن الوحدة، التي تبقى هدفاً استراتيجياً، بالقبول بصيغ العمل العربي المشترك.
والواضح أن الجديد في مقرّرات المؤتمر، بحسب البيان الختامي، يتمثّل أولاً في إعطاء هامش من الاستقلالية لتنظيمات الأقطار، وهو جديد على الحزب القائم على التنظيم القومي الواحد والمركزية الديمقراطية. وقد كان ذلك موضع إدانة في أكثر من محطّة سياسية، أبرزها إبّان انفصال وحدة مصر وسورية في العام 1961، حين طرحت مجموعة فاعلة وقيادية لبنانية التعامل مع الانفصال واقعاً مقابل طرح مجموعة أردنية العودة الفورية إلى الوحدة. وقد فُصلت المجموعات من الحزب لمصلحة التيار القائل بالوحدة المشروطة، وأدّى ذلك إلى انقسام الحزب في السودان في العامين (1996 – 1997) حول القضية نفسها (يُراجع: محمد جمال باروت، الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص 211 – 212 و289 – 290). ومع أهمية هذه الخطوة، ثمّة جديد آخر هو القول بالدول الوطنية نظراً إلى الظروف الموضوعية، وفي تحوّل الحزب من الدعوة إلى السياسة، مع أن البيان لم يوضح حدودها أيضا.
ويتمثّل ثانياً في القول بحماية مقوّمات الدولة الوطنية واعتبار ذلك مهمّة أساسية من مهام النضال الوطني، وهو تحوّل نوعي في الحزب، من حيث ربطه بمواجهة مشاريع التقسيم والتفتيت الراهنة وإبقاء ذلك مشدوداً إلى الوحدة هدفاً استراتيجياً. وتكمن أهميته في عودة الحزب إلى السياسة؛ إذ لا يستقيم العمل السياسي، والحزب عامل فيها، إلا في إطار سياسي محدّد هو الدولة. وثالثاً، القول بأهمية الديمقراطية في الحياة السياسية العربية، على قاعدة التعدّدية وتداول السلطة، وهو مثبّت في دستور الحزب. وتكمن أهمية ذلك بعد تجربة الحزب في حكم سورية والعراق لفترة لم تراعَ فيها الديمقراطية، وخاصّةً قضايا التعدّدية وتداول السلطة، وخلال عملية التفتّت الراهنة التي أنعشت العصبيات الطائفية والقبلية والإثنية وكان الاحتكام إلى السلاح أسلوبها.
ويُضمَر في بيان المؤتمر، من دون أن يشير إلى ذلك، نقدٌ ذاتي. ففضلاً عن عدم وضوح حدود الجديد في البيان الختامي، إلا أن من الممكن الاستشهاد بمثلين؛ قصور الحركات التحرّرية العربية عن مواجهة التحدّيات، وهذا بيّنٌ، إلا أن ردّ القصور إلى تشرذمها وانكفائها قاصر عن فهم أزمتها، وكأن القصور قرار ذاتي، في حين أن أزمة هذه الحركات، والأصح تسميتها قوى، تتجاوز ذلك؛ والإصرار على حقّ تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وهي الحقوق غير القابلة للمساومة أو السقوط بالتقادم، وهو إصرار نتمنّاه ونحلم به، لكنّه ليس سياسياً في ظلّ الاستباحة الإسرائيلية الكاملة للأرض والشعب، ولما أنجز كلّه في المراحل السابقة، وفي ظلّ موازين القوى المختلّة والضعف العربي.
قصارى القول إن المؤتمر، بانعقاده ومقرّراته المعلَنة، خطوة إيجابية في التفلّت من صيغ العمل الحزبي التي أنجزت إيجابيات كثيرة، ولكنّها أخفقت في التحوّل من الدعوة، وكانت ضرورية في مرحلة التأسيس، إلى الحزب السياسي المعتمد على التخطيط العلمي والبرامج لإنجاز ما ابتغته الدعوة، كما أخفقت في بناء دولة القانون بمؤسّساته والمواطن بحرياته وحقوقه وواجباته على أي أرض وجدت.
وتعاكس هذه الإيجابيات التيار السائد، فهل تنجح في السباحة فيه؟ فالمؤتمر، بانعقاده وتوجّهاته، يعيد تشكيل فكرة الحزب الجماهيري الذي أضعفته التطورات الرأسمالية العالمية في المركز، وضعضعته في الأطراف. والمؤتمر يدعو إلى التمسّك بالدولة الوطنية (القطرية)، فيما منطق الشركات الرأسمالية وأنظمتها السياسية أفقدها مبرّراتها في المركز، خلافاً للمرحلة السابقة، وهي تجهد، بوعي وتخطيط، للإجهاز على ما قام منها في الأطراف بالتلاقي مع العصبيات الأولية التي لم تنهها السلطات السابقة. والمؤتمر يستعيد قول المؤتمر التأسيسي في شأن الديمقراطية، وهي استعادة جديرة بالتقدير، من دون أن يقدّم كشف حساب عن ممارسته الديمقراطية طوال 70 سنة، والمجال السياسي لممارستها راهناً، وهو أمر شبه مفقود في دول عربية عديدة.
… إنه تحدٍّ يستحق المتابعة.
