رأى سفير إسرائيل أنه “من الخطأ الفادح أن ننظر إلى هجوم ’حماس‘ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 على أنه مجرد حلقة أخرى في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. فـ’حماس‘ جزء من شبكة أوسع تفكر بالطريقة نفسها وتسعى إلى ترويع المنطقة. وتسترشد هذه الشبكة بفكرة أن إيران، ممثلة بالنظام الحالي، تقوم بدور قيادي. هذا هو جوهر الموضوع. و’حماس‘ عنصر من عناصر هذا النظام، لكنها ليست العنصر الوحيد”.
لم يستبعد سفير إسرائيل لدى روسيا عوديد يوسف أن تواجه إسرائيل والمنطقة ككل خطر حرب لا نهاية لها مع إيران، خصوصاً أنه من غير الواضح متى ستتحقق كل الأهداف التي أعلنتها إسرائيل والولايات المتحدة عند هجومهما الذي بدأ في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي ضد إيران
وقال يوسف السبت خلال مقابلة مع محطة “آر تي في أي” الروسية “آمل ألا يحدث ذلك. لكنني لا أعتقد أن بإمكان أحد أن يحدد إطاراً زمنياً دقيقاً للحرب. نحن ندرك أن هذه العملية العسكرية قد تستغرق وقتاً طويلاً أو حتى تتحول إلى صراع مطول، كما حدث خلال العقود الأخيرة.”
وأضاف “لكنني أعتقد بأن هذه الإجراءات العسكرية الجادة التي نتخذها الآن ستقودنا إلى خاتمة أسرع بكثير لهذه القضية، وبطريقة تمكننا جميعاً من التركيز على الأمور المهمة، كإعادة تفعيل ’اتفاقات أبراهام‘ واستئناف التعاون بين إسرائيل والدول المعتدلة في الشرق الأوسط”.
وحول حديث إسرائيل عن الاستقرار في المنطقة بعد الضربات على إيران وبعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، أجاب يوسف “نحن بحاجة إلى وقت لنرى العواقب والنتائج الحقيقية للعملية الأخيرة التي نقوم بها بالاشتراك مع الولايات المتحدة. إن إثارة عدم الاستقرار في المنطقة والتدخل المتعمد في شؤون الدول الأخرى هو بالضبط أسلوب عمل النظام الإيراني والذي شهدناه على مدى العقود الأخيرة.”
وتابع “من الواضح أن الإجراءات التي نتخذها تضعف قدرات هذا النظام. ويمكن تعزيز ثمار هذه الإجراءات بخطوات أخرى في المستقبل. وآمل أن يقودنا كل هذا إلى شرق أوسط أكثر استقراراً وسلاماً. وفي هذا الصدد، أود أن أكون متفائلاً”.
وعن إصرار إسرائيل على هدف مستحيل يتمثل في تدمير القدرة الصاروخية لإيران، قال “إنه تحدٍ معقد للغاية، وبالطبع يتطلب موارد كبيرة. هذا تحديداً ما نركز عليه، إلى جانب الولايات المتحدة وحلفائنا الآخرين. من الضروري أن تكون لإيران قيادة تدرك أن الثمن الذي ستدفعه لمواصلة أنشطتها الخبيثة باهظ للغاية. لذا فهم بحاجة إلى تغيير أسلوب عملهم، وإعادة النظر في حساباتهم. آمل أن نكون نقترب من ذلك”.
تهديد إقليمي
وحول العملية العسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران وإغراق المنطقة في فوضى عارمة وجرّ دول عدة، ولا سيما دول الخليج العربي التي وجدت نفسها أمام حرب لم تخطط لها، على رغم محاولاتها النأي بنفسها عنها؟ قال السفير الإسرائيلي “أولاً وقبل كل شيء، من الضروري التأكيد على أن الأحداث المحيطة بإيران، وأن التهديد الذي تمثله إيران لإسرائيل والأمن الإقليمي، لم يبدآ في الـ28 من فبراير الماضي، عندما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل مهاجمة النظام الإيراني. إننا نتعامل مع تهديد يشكله النظام منذ عقود في الأقل”.
وأضاف “من المهم أن نفهم أننا نتحدث عن التحدي الذي شكلته إيران للأمن الإقليمي على مدى العقود الماضية. نحن نقترب تدريجاً من مرحلة يصبح فيها الوضع أكثر أماناً، ليس فقط لإسرائيل، بل للشرق الأوسط بأكمله”.
وزعم مبرراً هجمات بلاده على إيران “أنظروا إلى ما يفعله الإيرانيون، ولا سيما خلال الأشهر الستة الماضية، فبينما يدخلون في ما يُسمى ’المفاوضات‘، يواصلون تطوير برنامجهم النووي العسكري. كما أنهم يركزون بشدة على توسيع برنامجهم الصاروخي ودعم وكلائهم ومحاولة إخفاء قدراتهم العسكرية تحت الأرض لجعل الوصول إليها لضربها عصياً. لذا، في مواجهة هذا التهديد الوجودي الخطر لإسرائيل والمنطقة، كان علينا التحرك”.
وبسؤاله عن التهديد المباشر الذي شكلته إيران لإسرائيل واستدعى مهاجمتها؟ قال يوسف “أولاً، الصراع مع إيران، الصراع المسلح معها، مستمر منذ فترة طويلة. لم يبدأ، كما ذكرت سابقاً، في الـ28 من فبراير الماضي. لقد شكلت إيران تهديداً ليس لإسرائيل وحسب، بل للمنطقة بأسرها على مدى العقود الماضية. ثانياً، ينبع التهديد المباشر من حقيقة أننا شهدنا خلال الأشهر الأخيرة قيام طهران بكل ما في وسعها لإخفاء منشآتها العسكرية الإرهابية تحت الأرض. واصلوا تطوير برنامجهم النووي العسكري. إنهم ينتجون صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى أوروبا وروسيا. وواصلوا تمويل وكلائهم في المنطقة للتخطيط لأنشطة إرهابية وتنفيذها. وهذا يندرج بلا شك تحت تعريف التهديد المباشر والمستمر الذي يجب علينا التعامل معه”.
وبرر خرق الهجوم الإسرائيلي- الأميركي للقانون الدولي بالقول “إذا كان الدفاع عن بلدك وشعبك ومنطقتك يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، فهذا تفسير مثير للاهتمام للقانون الدولي”. وهاجم الأمين العام للأمم المتحدة الذي استنكر هذا الهجوم وقال “أجد أفعاله وتصريحاته مخزية. لا أجد كلمات أخرى أعبر بها عن ذلك!”.
وعن زعم السلطات الإسرائيلية أنها دمرت بالكامل تقريباً البرنامج النووي الإيراني خلال غارات يونيو (حزيران) عام 2025، والآن تعلن مجدداً أنها تهاجم المنشآت النووية الإيرانية، ردّ يوسف “لا أرى أي تناقض هنا مع ما قلناه بعد هجمات يونيو، وهو أننا نجحنا في إضعاف البرنامج النووي الإيراني بصورة كبيرة. من المهم التأكيد على أنهم، أولاً، استأنفوا تطوير برنامجهم النووي وحاولوا تعزيز المنشآت العسكرية المرتبطة بالبرنامج النووي. علاوة على ذلك، يحاول الإيرانيون تضليلنا بالتركيز فقط على هذا الجانب. لكن بعيداً من البرنامج النووي العسكري، تستثمر إيران طاقات وموارد هائلة، على حساب شعبها ورفاهيته، في تطوير برنامج صواريخ بعيدة المدى الذي يستخدم أيضاً كوسيلة لإيصال الأسلحة النووية. كذلك يبذلون جهوداً كبيرة في بناء شبكة من المتواطئين والوكلاء الإرهابيين في جميع أنحاء المنطقة، مما لا ينبغي تجاهله أيضاً. لذا سيكون من الأدق القول إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير قادرة على تحديد أو الإجابة عن سؤال مدى تقدم النظام الإيراني في برنامجه النووي”.
وأضاف “أعتقد بأنه سيظل من الأهمية بمكان ضمان عدم قدرة إيران على مواصلة تطوير المكونات الثلاثة التي ذكرتها، برنامج نووي عسكري وبرنامج صواريخ بعيدة المدى وتطوير شبكة من الوكلاء الإرهابيين”.
وأردف “علينا ضمان أن تغيّر القيادة الإيرانية أسلوب عملها وحساباتها، وأن تدرك أنها لا تستطيع الاستمرار في الدعوة إلى تدمير دولة أخرى، ومحوها من على وجه الأرض. علينا ضمان ألا تستخدم هذه الدولة برنامجها النووي العسكري وسيلة لنشر أيديولوجيا متطرفة ومتعصبة لنسخة محددة ومتطرفة من الإسلام الشيعي في المنطقة. عندما نقول إننا نريد التأكد من أن هذا النظام لا يشكل تهديداً، فإننا نريد التأكد من أنهم لا يقومون بتطوير صواريخ بعيدة المدى لاستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية في جميع أنحاء المنطقة ولا يموّلون منظمات إرهابية حول العالم”.
وأضاف “لقد رأينا أن النظام الإيراني، على رغم نجاحنا في إضعاف قدراته في يونيو من العام الماضي، لا يزال متمسكاً بعقليته وأسلوب عمله القديمين، ساعياً إلى جعل آلته العسكرية وبنيته التحتية الإرهابية منيعة تماماً. لا يمكننا السماح بحدوث ذلك”.
واعتبر يوسف أنه “من الخطأ الفادح أن ننظر إلى هجوم ’حماس‘ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 على أنه مجرد حلقة أخرى في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. ’حماس‘ جزء من شبكة أوسع تفكر بالطريقة نفسها وتسعى إلى ترويع المنطقة. وتسترشد هذه الشبكة بفكرة أن إيران، ممثلة بالنظام الحالي، تقوم بدور قيادي. هذا هو جوهر الموضوع. و’حماس‘ عنصر من عناصر هذا النظام، لكنها ليست العنصر الوحيد”.
العلاقة بين إسرائيل وروسيا
وأبدى السفير الإسرائيلي استغرابه للتصريحات الروسية التي تدين هجوم بلاده مع أميركا على إيران وقال “أنا مندهش للغاية من التصريحات الرسمية الروسية” وعلى رغم ذلك أعتبر أن تل أبيب ” تحافظ على علاقات ممتازة مع روسيا ورئيسها بوتين الذي يلتزم أمن إسرائيل. روسيا حليف قوي ومهم لإسرائيل، ولدينا اتصالات ممتازة على مختلف المستويات”.
وأضاف “لسوء الحظ، ما صدر ضمن التصريحات الرسمية خلال الأسابيع الأخيرة هو تبنٍّ أحادي الجانب للرواية الإيرانية. أعتقد بأن هذا يضع صديقنا العزيز، روسيا، في موقف يحدّ بشدة من قدرتها على الاضطلاع بدور مؤثر”.
وعن تباين المواقف بين إسرائيل وروسيا التي عبرت عن دعمها الثابت لطهران وتضامنها مع أصدقائها الإيرانيين، قال يوسف “أولاً وقبل كل شيء، أود أن أؤكد مجدداً أننا نقدر عالياً موقف القيادة الروسية، ولا سيما الرئيس بوتين، في ما يتعلق بالتزامهم الراسخ بأمن إسرائيل والشعب الإسرائيلي. ليس سراً أن 20 في المئة من سكان إسرائيل من أصول سوفياتية، وكثراً منهم لا يزالون يحملون الجنسية الروسية. وهذا الالتزام الذي يتجلى بصور عدة، بالغ الأهمية بالنسبة إلينا.”
وفي أية مرحلة يعتقد بأن إسرائيل قد تستفيد من المساعدة الدبلوماسية الروسية في ما يتعلق بإيران؟ يجيب يوسف “لقد قلتُ سابقاً بصراحة إن هذا الأمر مرتبط ارتباطاً مباشراً بما إذا كانت روسيا ستستمر في اتخاذ موقف أحادي الجانب للغاية من القضية الإيرانية. أعتقد بأن هذا يعتمد إلى حد كبير على نهج موسكو. نحن نحترم روسيا كقوة عالمية مهمة ونحافظ على علاقات جيدة معها. آمل أن يستغل هذا، من بين أمور أخرى، لتعزيز الاستقرار في المنطقة”.
وعن زعم صحيفة “واشنطن بوست” أن موسكو كانت تمرر معلومات استخباراتية إلى طهران؟ قال “بصراحة، ينبغي توجيه هذا السؤال إلى الجانب الروسي، سواء كان هذا صحيحاً أو لا. أعتقد بأنه إذا كان صحيحاً، فإنه سيتناقض بصورة واضحة مع ما أعتبره التزاماً قوياً من جانب روسيا وبوتين بأمن إسرائيل”.
وحول عرض روسيا نقل اليورانيوم المخصب من طهران إلى أراضيها، قال إن “حل مشكلة طموحات إيران النووية من خلال إبرام اتفاق يضمن فعلياً عدم قدرتها على تخصيب اليورانيوم يُعد أحد العناصر المهمة التي يجب أخذها في الاعتبار. بمعنى آخر، يمكن معالجة هذه المشكلة بصورة شاملة، باستخدام أساليب أخرى غير تلك التي نضطر حالياً إلى استخدامها.”
وتابع “أودّ أن أؤكد مجدداً أن المشكلة التي يجب معالجتها لا تقتصر على البرنامج النووي العسكري وحسب، بل إن هناك عنصرين حاسمين آخرين. هل يمكننا التوصل إلى اتفاق يشمل جميع التهديدات المحتملة؟ الإجابة على الأرجح هي نعم. هل هذا ممكن في المستقبل القريب؟ من المرجح أننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الوقت لرؤية تغييرات حقيقية في أسلوب عمل وعقلية النظام الإيراني الحالي”.
وتهرب سفير إسرائيل من الإجابة عن سؤال حول قصف بلاده مواقع قريبة من محطة بوشهر الإيرانية التي يديرها اختصاصيون روس وقال “لا يوجد أي خطر على محطة بوشهر النووية لأن إسرائيل تمكنت من تطوير تكنولوجيا عالية الدقة. لقد واجهنا حالات تمكّنا فيها من إصابة غرفة محددة في مبنى معين من دون تدميره بالكامل”.
وعن اتهام روسيا أخيراً إسرائيل بالاعتداء على المركز الثقافي الروسي في مدينة النبطية اللبنانية ووصفه بالعدوان، قال يوسف “ليست لديّ أية معلومات إضافية حول هذا الموضوع”.
وحول تأكيد وزارة الخارجية الروسية أيضاً تعرض قنصليتها في أصفهان بإيران لأضرار في الثامن من مارس (آذار) الجاري، أجاب “لستُ على علم بتلك الحادثة. وبالطبع، إذا أُثيرت هذه المسألة، فسنتحقق مما إذا كانت مرتبطة بأيٍّ من إجراءاتنا”.
وختم السفير الإسرائيلي حديثه بالقول إن “الرئيس بوتين صديق عظيم لإسرائيل وضيف مرحب به دائماً في بلدنا.”
