
حاجي مراد وفي الخلفية قرية غيمري بداغستان والصورة مستوحاة من رسم لغريغوري غاغارين (موسوعة الأدب الروسي)
ملخص
إبراهيم العريس باحث وكاتب.. اندبندنت عربية
يمكن القول إن “حاجي مراد” ليست مجرد قصة عن القوقاز أو عن صراع تاريخي محدد، بل هي تأمل فلسفي في طبيعة السلطة والعنف.
تمثل قصة “حاجي مراد” واحدة ضمن آخر ما كتبه الروائي الروسي الكبير ليون تولستوي، وقد أنجزها في سنواته الأخيرة لكنها نشرت بعد وفاته عام 1912. وعلى رغم قصرها النسبي مقارنة برواياته الكبرى مثل “الحرب والسلام” و”آنا كارنينا”، تعد من أكثر أعماله كثافة ونقاء من حيث الرؤية الأخلاقية والتاريخية.
تدور القصة حول شخصية تاريخية حقيقية، هو القائد القوقازي حاجي مراد الذي عاش في زمن الإمام شامل خلال الصراع الطويل بين الإمبراطورية الروسية وشعوب القوقاز في القرن الـ19.
غير أن أهمية العمل لا تكمن في سرد تولستوي لوقائع تاريخية بقدر ما تكمن في تحليله العميق لمأساة الفرد حين يجد نفسه ممزقاً بين قوى سياسية وعسكرية لا ترحم.
ولنبدأ هنا بالوقائع التاريخية التي استقى منها تولستوي موضوعه والشخصية المحورية فيه، تلك الشخصية التي أعارت الرواية القصيرة عنوانها جاعلة من “بطلها” إحدى الشخصيات الخالدة في الأدب الروسي.
في بلاد الخيانة والثأر
تروي لنا الوقائع التاريخية التي تعود إلى نحو نصف قرن سبقت كتابة تولستوي “حاجي مراد” أن الكاتب كان لا يزال في الـ23 عام 1851 حين توجه إلى القوقاز في وقت كانت شهرة ذلك الفارس الشاب المسمى مراد والملقب “حاجي”، تملأ الآفاق علماً أن الاسم يظهر للمرة الأولى في يوميات تولستوي خلال مارس (آذار) عام 1852.
وفي كتابته يذكر تولستوي أن دوردا الشيشاني الذي تعرف عليه هناك بوصفه يعمل لحساب الروس، كان أول من حدثه عن الصدام الذي حصل “بين الحاجي مراد وأرسلان خان في زقاق يقع خلف المسجد الرئيس بالمنطقة”. ولاحظ تولستوي كما يخبرنا، كيف أن دوردا حكى له الحكاية بقدر كبير من الأسف خاتماً حكايته، “ألا ليتك كنت هناك”.
“لقد كان المشهد في منتهى الأهمية”. وهنا سيخبرنا تولستوي بأن أرسلان خان كان من أمراء قبائل الكوميك القاطنة إلى الشمال من داغستان، التي تعلم كاتبنا لغتها. وكان أرسلان يسعى للانتقام من حاجي مراد ثأراً لقتيل من أهل قبيلته… إلى آخر الحكاية التي سيعود الكاتب بعد عقود ليرويها في الفصل الـ20 من الرواية، واصفاً لنا كيف أن الحاجي مراد كان بدوره متحدراً من جماعة من الأمراء العاملين في صفوف الروس منذ عام 1834. لكنه هو اتهم بالخيانة وسجن سنتين تمكن في نهايتهما من الهرب لينضم إلى ثورة شامل. بيد أنه إثر خلافه مع هذا الأخير عاد إلى صفوف الروس مرة أخرى خلال عام 1851. ولكنه ما لبث أن خشي إدراك رجال شامل له فهرب من جديد ليقع في فخ مطارديه ويقتل.
من التاريخ إلى الأدب
بالنسبة إلى رواية تولستوي، من الواضح أن ما همه أكثر من أي شيء آخر في حكاية حاجي مراد إنما كانت مرحلة عودته إلى الروس التي تطابقت زمنياً مع وصوله هو نفسه إلى تلك المناطق من القوقاز.
وهو أمر تعكسه رسالة بعث بها تولستوي إلى أخيه سيرج يوم 22 ديسمبر (كانون ثاني) من ذلك العام يقول له فيها، “إذا أردت أن تستعرض أمام الناس معرفتك بآخر الأخبار، فيمكنك أن تخبرهم بأن الرقم اثنين في ثورة شامل، بعد شامل نفسه هو المدعو حاجي مراد، حتى وإن كان قد سلم نفسه هذه الأيام للروس. إنه معروف كأعظم فارس في شيشينا طولاً وعرضاً. أما الآن فلقد بات جباناً”.
ومهما يكن من أمر، على رغم تلك الرسالة لم يبدُ أن ليون تولستوي كان عازماً على الكتابة عن حاجي مراد. كل ما في الأمر أنه خلال عام 1862 حكى لتلامذته في يسنايا بوليانا حكاية ذلك الشيشاني، في وقت كانت الحكاية التاريخية تنتشر في سانت بطرسبرغ بحيث أن انتشارها وإن جعل كاتبنا يتابع كل ما ينشر عن حاجي مراد ويكتب عنه، جعله يفضل ألا يدخل أي شيء عن تلك الشخصية في أدبه نفسه. وفي الأقل حتى نهاية حياته حيث كانت روايته الخاصة عن تلك الشخصية آخر ما سيكتب. وهذا ما يوصلنا على أية حال، إلى “نسخة” صاحب “القوزاق” و”الحرب والسلام” من الحكاية، النسخة التي لن تنشر قبل موته على أية حال.
زهرة شوك تقاوم
تبدأ القصة بمشهد رمزي لافت… الراوي يرى زهرة شوك مكسورة على حافة الطريق لكنها لا تزال تقاوم الحياة. هذا المشهد ليس مجرد افتتاحية وصفية، بل هو استعارة واضحة لشخصية حاجي مراد نفسه. فالبطل يشبه تلك الزهرة: صلب وعنيد، لكنه محاصر بقوى أكبر منه.
ومن خلال هذا الإطار الرمزي يمهّد تولستوي لمأساة رجل محارب لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم العنف، لكنه في الوقت نفسه يدفع ثمن هذا العالم. في المستوى التاريخي، تدور القصة كما ذكرنا قبل سطور، خلال حرب القوقاز الروسية التي استمرت عقوداً طويلة بين الإمبراطورية الروسية والمقاومة الجبلية في داغستان والشيشان. كان حاجي مراد أحد أبرز قادة المقاومة إلى جانب الإمام شامل، لكنه اختلف معه، مما أدى إلى انشقاقه ومحاولته الاحتماء بالروس.
هنا يضع تولستوي بطله في وضعية مأسوية، فهو خائن في نظر قومه، وغريب غير موثوق في نظر الروس. والحال أن هذا الوضع المزدوج يتيح لتولستوي أن يكشف عن عبثية السلطة من الجانبين. فالإمام شامل، الذي يُفترض أنه قائد ديني وسياسي للمقاومة، يظهر في القصة حاكماً قاسياً تحكمه الشكوك والانتقام. أما السلطة الروسية فتبدو بدورها بيروقراطية باردة، لا ترى في الإنسان سوى أداة في لعبة الإمبراطورية. وهكذا يصبح حاجي مراد ضحية نظامين في آن واحد. ولعل من أبرز ما يميز هذه القصة أن تولستوي يبتعد فيها من البطولة التقليدية. فالبطل ليس مثالياً ولا طاهراً، بل هو رجل حرب تشكلت حياته كلها داخل منطق القوة والشرف القبلي.
ومع ذلك يمنحه الكاتب كرامة إنسانية عميقة. فحاجي مراد قد يكون محارباً شرساً، لكنه أيضاً أب قلق على مصير عائلته التي يحتجزها الإمام شامل رهينة. وهذا البعد الإنساني هو ما يخلق التوتر الأخلاقي في القصة، إذ يتحول قرار البطل باللجوء إلى الروس إلى محاولة يائسة لإنقاذ أسرته، لا إلى خيانة مقصودة.
أوهام قيصر
في المقابل، يستخدم تولستوي شخصية القيصر الروسي نيقولا الأول ليقدم نقداً لاذعاً للسلطة الإمبراطورية. يظهر القيصر في مشاهد قصيرة لكنها كاشفة، رجل يعيش في عالم من الأوهام والطقوس العسكرية، بعيداً من الواقع الإنساني للحرب.
ومن خلال هذا التباين بين حياة البلاط الروسي المترفة ومأساة المقاتلين في القوقاز، يفضح تولستوي النفاق الأخلاقي للحروب الإمبراطورية. أما من الناحية الفنية، فتتسم القصة ببنية سردية شديدة الاقتصاد. فالمشاهد قصيرة ومركزة، واللغة واضحة خالية من الزخرفة. ومع ذلك تنجح هذه البساطة في خلق عالم غني بالتفاصيل الحسية: أصوات الخيول، صمت الجبال، القرى القوقازية، والمعسكرات العسكرية الروسية. هذا الاقتصاد في الأسلوب يعكس نضج تولستوي في أعوامه الأخيرة، حيث أصبح أقل ميلاً إلى الامتداد الروائي الواسع وأكثر تركيزاً على الجوهر الأخلاقي للأحداث.
أما النهاية فهي من أكثر النهايات قوة في أدب تولستوي. إذ يُقتل حاجي مراد في كمين بعد محاولة يائسة للهرب والعودة إلى الجبال. لكن الكاتب لا يقدم موته بوصفه مجرد نهاية مأسوية، بل يعيده إلى الرمز الذي افتتح به القصة: زهرة الشوك التي قاومت حتى اللحظة الأخيرة. فالبطل يسقط جسداً، لكن عناده في مواجهة المصير يمنحه نوعاً من البطولة التراجيدية.
الفرد في مواجهة آلة الدولة
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في العمل. فحاجي مراد ليس بطلاً قومياً بالمعنى التقليدي، ولا خائناً بسيطاً كما قد تراه الروايات الرسمية. إنه إنسان محاصر بين قوى التاريخ، يحاول أن يحافظ على كرامته في عالم تحكمه المصالح السياسية والعسكرية. ومن خلال هذه الشخصية المعقدة يطرح تولستوي سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يستطيع الفرد أن يبقى حراً في مواجهة آلة الدولة والحرب؟ في النهاية يمكن القول إن “حاجي مراد” ليست مجرد قصة عن القوقاز أو عن صراع تاريخي محدد، بل هي تأمل فلسفي في طبيعة السلطة والعنف.
فالحرب في نظر تولستوي لا تُنتج بطولات حقيقية بقدر ما تُنتج ضحايا. والإنسان، مهما كان شجاعاً، يظل هشاً أمام قوى السياسة والتاريخ. لهذا السبب يرى كثير من النقاد أن هذه القصة تمثل خلاصة فكر تولستوي الأخلاقي في أواخر حياته. ففيها تختفي تقريباً الرؤية البطولية للحرب التي ظهرت أحياناً في أعماله المبكرة، لتحل محلها نظرة أكثر تشككاً وإنسانية. وهكذا تتحول قصة محارب قوقازي إلى تأمل كوني في مأساة الإنسان حين يجد نفسه عالقاً بين السلطة والقدر.