جورج منصور
«الغايات التي تُشن الحروب من أجلها لا تستحق ما يُبذل في سبيلها من تضحيات».
-ليو تولستوي-
الحروب، في جوهرها، ليست سوى إعلانٍ مدوٍّ عن فشل السياسة وسقوط العقل أمام شهوة السطوة. وحين تندلع، لا تميّز بين أخضر ويابس؛ تحرق الحقول كما تحرق القلوب، وتهدم البيوت كما تهدم المعاني الكبرى التي شيدّتها الشعوب عبر عقودٍ من الكدّ والصبر. إنها لا تكتفي بإسقاط الجدران، بل تسقط الثقة بين البشر، وتزرع في الذاكرة الجماعية خوفاً طويل الأمد، قد يبقى اشدَّ فتكاّ من الرصاص نفسه.
يُقال إن الشعوب تتحارب، لكن الحقيقة الأعمق أن الشعوب، في معظمها، لا تعرف بعضها إلا عبر صورٍ مشوّهة تصنعها آلة الدعاية. الفلاح الذي يزرع أرضه في أقصى الشرق لا يحمل ضغينةً شخصية تجاه عاملٍ بسيط في أقصى الغرب. الأم التي تنتظر عودة ابنها من الجبهة لا تختلف في دمعتها عن دمعة أمٍ أخرى على الضفة المقابلة. البشر في جوهرهم متشابهون: يريدون الأمان، والعمل، والخبز، وكرامة العيش. غير أن الأنظمة، حين تتنازع على النفوذ والمال والشرعية، تدفع بالشعوب إلى ساحاتٍ لم تختَرها. وتحوّل الخلافات السياسية إلى قدرٍ يوميٍ من الخوف والحرمان.
التاريخ الحديث يقدّم شواهد صارخة على عبثية الحروب. فقد خلّفت الحرب العالمية الأولى ملايين القتلى، وانتهت باتفاقيات لم تمنع اندلاع الحرب العالمية الثانية بعد عقدين فقط، وكأن الدماء التي أُريقت لم تكن كافية لإيقاظ الضمير الإنساني. وفي منطقتنا، ما زالت آثار الحرب العراقية الإيرانية شاهدة على سنواتٍ من الاستنزاف، دفعت ثمنها الأجيال، بينما بقيت الحدود كما هي تقريباً، وبقيت الجراح مفتوحة في الذاكرة الجمعية، تتناقلها الحكايات قبل أن توثّقها الكتب.
الحروب لا تصنع مجداً حقيقياً؛ تصنع مقابر صامتة، وأجيالًا مثقلة بالخوف، واقتصاداتٍ منهكة تحتاج عقوداً لتتعافى. حتى المنتصر فيها يخرج مثقلًا بخسائر اخلاقية ومادية لا تقل وطأة عن خسائر المهزوم. وما يُسمّى «نصراً» يكون في كثير من الأحيان مجرد إعادة توزيعٍ للقوة بين نخبٍ سياسية، فيما يدفع المواطن العادي الثمن من دمه ومستقبله وأحلام أطفاله.
الأنظمة، حين تدخل في صراع، تحشد الشعارات الوطنية وتستنهض العواطف، وتُلبس الصراع ثوب الكرامة أو الدفاع عن السيادة. لكن خلف الستار، غالباً ما يكون التنافس على النفوذ أو الثروات أو تثبيت شرعيةٍ مهددة في الداخل. وهكذا تتحول الأوطان إلى ساحات رسائل سياسية، ويتحوّل الجنود إلى أرقام في بياناتٍ رسمية، وتُختزل الأرواح في إحصاءات باردة لا تعكس حجم الفقد الحقيقي.
إن الوعي بهذه الحقيقة لا يعني إنكار حق الشعوب في الدفاع عن نفسها حين تُعتدى عليها، لكنه يعني إدراك أن تكون الحرب آخر الخيارات لا أولها. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس بعدد الدبابات، بل بقدرتها على تجنيب شعوبها ويلات الدمار، وبمهارتها في بناء جسور الحوار بدل حفر الخنادق، وفي تحويل الخصومة إلى تفاوض قبل أن تتحول إلى نار.
في هذا السياق، تطرح المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سؤالاً لا عسكرياً فحسب، بل حضارياً وأخلاقياً أيضاً: هل يمكن لحربٍ جديدة في منطقةٍ مثقلة بالجراح أن تحمل أفقاً إيجابياً؟ أم أنها ستكون فصلاً آخر من فصول النار في شرقٍ لم يكد يلتقط أنفاسه؟
منذ عقود، تتقاطع هذه الأطراف ملفات معقّدة: البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة، وتحالفات المنطقة. غير أن تحويل هذا الصراع المزمن إلى حربٍ مفتوحة يعني انفجاراً يتجاوز حدود الأطراف الثلاثة ليطال المنطقة برمتها، لا بل ويمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي، حيث تتأثر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
قد يرى مؤيدو الخيار العسكري أن الهدف يتمثل في إضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، وإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط، وتوجيه رسالة ردعٍ حازمة إلى خصوم آخرين. هذا التصور يفترض حرباً قصيرة، محسومة، ومحدودة التداعيات؛ حرباً تُدار بدقة جراحية، وتنتهي قبل أن تتسع دوائرها. غير أن تاريخ المنطقة قلّما عرف حروباً بقيت ضمن حدود السيناريوهات المرسومة لها.
فإيران تمتلك شبكة تحالفات ونفوذاً إقليمياً واسعاً، ما قد يفتح ساحات متعددة للتصعيد. والنتائج االتي بدأت بالظهور تشمل اضطراب أسواق النفط والطاقة عالمياً، واتساع رقعة المواجهات إلى دول مجاورة، وخسائر بشرية واقتصادية فادحة، وتصاعد موجات النزوح وعدم الاستقرار، وتضرر بنى تحتية حيوية، وتعطل طرق التجارة، وازدياد هشاشة اقتصادات مثقلة أصلاً بالأزمات.
التاريخ القريب يبيّن أن الحروب في الشرق الأوسط تبدأ بعنوانٍ محدد، لكنها تنتهي بعناوين لا يمكن التنبؤ بها، وتخلّف خرئط نفسية واجتماعية أشد تعقيداً من الخرائط السياسية. فكل حرب تترك وراءها أجيالاً تعيش بذاكرة مثقلة، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي على نحوٍ قد يستمر لعقود.
هل من أفق إيجابي؟
إن كان ثمة أفق إيجابي، فهو لا يولد من قلب الحرب، بل من الخوف منها. أحياناً، يدفع شبح المواجهة الكبرى الأطراف إلى العودة إلى طاولة التفاوض، وإحياء مسارات دبلوماسية كانت مجمّدة. قد يتحول الضغط العسكري – في بعض السيناريوهات – إلى ورقة تفاوض، لا إلى معركة شاملة.
غير أن الرهان على «حربٍ تصنع السلام» يبقى محفوفاً بالمخاطر. فالتجربة التاريخية تُظهر أن السلام المستدام لا يُبنى على أنقاض المدن، بل على تفاهماتٍ سياسية وأمنية طويلة الأمد، وعلى اعترافٍ متبادل بالمصالح والهواجس، وعلى توازن يردع من دون أن يفجّر. السلام ليس هدنة بين جولةٍ وأخرى، بل منظومة علاقات تُدار بالعقل لا بالغريزة.
الخلاصة
جدوى أي حرب من هذا النوع ستظل محل جدلٍ عميق. قد يراها البعض ضرورة استراتيجية، لكن كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية مرشحة لأن تكون باهظة، وربما تتجاوز بكثير أي مكاسب محتملة.
في نهاية المطاف، الشعوب لا تكسب من الحروب بقدر ما تخسر؛ أما الأنظمة، فتراهن على موازين القوة وحسابات الردع. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم معلقاً في فضاء المنطقة: هل يمكن للعقل السياسي أن يسبق صوت المدفع، أم أن السلام سيبقى دائماً آخر الواصلين إلى الميدان؟
الشعوب أكثر حكمةً من أن تختار الموت طوعاً لو خُيّرت حقاً. هي تريد الحياة، والتعليم، والعمل، والمستقبل لأطفالها. أما الحروب، فليست سوى فصلٍ مظلم في كتاب الإنسانية، يتكرر كلما غلب الطمعُ صوتَ العقل. والرهان الحقيقي ليس في كسب معركة، بل في كسب السلام؛ سلامٌ يُصان بالحوار، ويُحرس بالعدل، ويُبنى بإرادة سياسية ترى في الإنسان غايةً لا وسيلة.
جريدة المدى