خليل حسين محرر بموقع السفينة
في خضم تصاعد وتيرة الاغتيالات التي استهدفت مؤخرًا قيادات بارزة في الحرس الثوري والمحاور الإقليمية لإيران، يجد النظام الإيراني نفسه أمام اختبار وجودي حقيقي. هذه الضربات الموجعة، التي تأتي في سياق حرب الظل المستعرة مع إسرائيل وتصاعد الضغوط الغربية، لا تمثل مجرد خسائر أمنية عابرة، بل تفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي في طهران، ومدى قدرته على الصمود أو التحول.
لم تكن العمليات الأخيرة مجرد اغتيالات عادية، بل استهدفت صفوفًا عليا في هرم القيادة العسكرية والأمنية التي تمثل العمود الفقري للنظام. الحرس الثوري، الذي يشكل عصب النفوذ الإيراني إقليميًا وداخليًا، يعتمد على شبكة من القادة المخضرمين الذين تجمعهم عقيدة أيديولوجية متماسكة. استهداف هؤلاء القيادات يخلق فراغًا أمنيًا مؤقتًا ويصعّب عملية التنسيق بين الأذرع العسكرية المختلفة في الداخل والخارج.
غير أن قراءة متأنية لتاريخ النظام تظهر أنه يمتلك قدرة مؤسسية على “الاستنساخ القيادي”، حيث يتم إعداد بدائل في صفوف ثانية من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. هذه الآلية، التي أثبتت نجاحها بعد اغتيال قاسم سليماني، تجعل احتمالات الانهيار السريع مستبعدة، لكنها لا تلغي تراكم تأثير هذه الضربات على كفاءة الأداء طويل المدى.
تعيش المعارضة الإيرانية حالة من التشرذم المزمن، حيث تتنازعها تيارات متباينة: من الليبراليين والقوميين إلى اليساريين والحركات الملكية. هذا الانقسام، إلى جانب غياب مشروع موحد لما بعد النظام، يحول دون قدرتها على استثمار الأزمات الداخلية.
ومع ذلك، فإن تراكم الضغوط الاقتصادية وتفاقم العقوبات، إلى جانب الاغتيالات التي تُظهر ثغرات أمنية في عمق الدولة، قد يوفر فرصة تاريخية للمعارضة إذا تمكنت من تجاوز خلافاتها. توحيد الخطاب حول مطالب مرحلية واضحة – مثل الحريات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية – قد يمهد الطريق لبناء جبهة مدنية واسعة قادرة على تحدي الشرعية السياسية للنظام.
تمثل الأقليات القومية (الأكراد، البلوش، العرب، الأذر) نحو نصف سكان إيران، وهي تعاني من تهميش اقتصادي وسياسي طويل الأمد. في لحظات ضعف المركز، تتحول “مسألة الأقليات” إلى ورقة ضغط استراتيجية. الاغتيالات الأخيرة قد تشجع بعض هذه المجموعات على تحريك مطالبها، سواء في إطار حكم ذاتي موسع أو تحسين التمثيل في المؤسسات المركزية.
لكن استمرار هذه المطالب في إطار سلمي يبقى رهينًا بقدرتها على تنسيق مواقفها مع قوى المعارضة الأخرى، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مسلحة غير متكافئة مع الدولة، التي تمتلك أجهزة أمنية لا تتردد في استخدام أقصى درجات العنف لحماية الوحدة الترابية.
تحولت إيران إلى ساحة مفتوحة على موجات احتجاجية متكررة، من “الثورة الخضراء” إلى “انتفاضة المرأة والحياة”، مدفوعة بأزمات اقتصادية خانقة وتراكم الإحباطات السياسية. الاغتيالات الحالية تزيد من حالة السيولة السياسية وتعمق شعور المواطن بأن الدولة عُرضة للاختراق الأمني، مما قد يشجع على مزيد من التحركات.
لكن تحديات كبيرة تواجه تحول هذه الاحتجاجات إلى حركة تغيير سياسي حقيقية: غياب القيادة الموحدة، والاختراق الأمني، والإرث الثقيل للقمع. ومع ذلك، فإن استمرار الاحتجاجات رغم كل هذه المعوقات يشير إلى أن “الجمر” لا يزال تحت الرماد، وأن أي انفجار جديد قد يكون أكثر تنظيمًا واستدامة.
يعيش الإصلاحيون الإيرانيون حالة انحسار تاريخي بعد تجربة حسن روحاني التي لم تحقق تطلعات الجماهير، وتضييق الخناق عليهم من المؤسسة الحاكمة. فشلهم في تحقيق إصلاحات جوهرية من داخل النظام أفقدهم مصداقيتهم الشعبية، وجعلهم عاجزين عن قيادة أي موجة احتجاجية جديدة.
لكن التناقض الداخلي للنظام قد يمنح الإصلاحيين فرصة أخيرة: إذا أدركت النخبة الحاكمة أن البقاء يتطلب “صيانة دورية” من خلال إصلاحات شكلية تمتص الغضب الشعبي وتخفف الضغوط الدولية، فقد يعاد توظيف الإصلاحيين كورقة ضغط داخلية. في هذه الحالة، سيكون دورهم مثار جدل: هل سيظلون “صمام أمان” للنظام أم سيسعون لاستعادة ثقة الجماهير بخطاب أكثر جرأة؟
لا يمكن حسم مستقبل النظام الإيراني بمعادلة خطية بسيطة. التفاعل المعقد بين العوامل الأمنية (الاغتيالات)، الاقتصادية (العقوبات والأزمات)، الاجتماعية (الاحتجاجات والأقليات)، والسياسية (المعارضة والإصلاحيين) ينتج احتمالات متعددة:
سيناريو الاستمرارية بالأدوات نفسها: حيث ينجح النظام في إعادة إنتاج قياداته وقمع الاحتجاجات عبر مؤسساته القوية، مستمرًا في مساره الحالي رغم الأزمات.
سيناريو التحولات التدريجية: حيث تدفع تراكمات الضغوط النخبة الحاكمة إلى تبني إصلاحات شكلية تشارك فيها قوى إصلاحية محدودة، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي.
سيناريو التغيير الجذري: وهو الأقل احتمالًا على المدى القصير، لكنه ممكن إذا توافرت ثلاثة عناصر: انهيار اقتصادي كامل، توحد المعارضة حول مشروع واضح، وتصاعد الاحتجاجات إلى مستوى عصيان مدني شامل.
احتمال تحرك ضباط الجيش لتغيير النظام قائم نظريًا، لكنه ضعيف عمليًا في الظروف الحالية. وإذا حدث تغيير من داخل المؤسسة العسكرية، فمن المرجح أن يأتي من داخل الحرس الثوري نفسه أو عبر تحالف بينه وبين قوى سياسية، وليس عبر انقلاب تقليدي يقوده الجيش النظامي وحده.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح النظام في “إدارة الأزمة” كما فعل طوال أربعة عقود، أم أن تراكم الأزمات – الداخلية والخارجية – سيقود إلى تحول في طبيعة النظام نفسه؟ الإجابة لن تتوقف فقط على قدرة طهران على الصمود، بل على قدرة قوى التغيير على بناء بديل حقيقي ومنظم.