يرى الناشط السياسي عدنان بالحاج عمر أن الحكم الصادر في حق عبير موسي هو قرار سياسي بالأساس، معتبراً أن مرافعات المحامين لن تغير كثيراً في مسار القضية.
تتواصل في تونس المحاكمات القضائية لشخصيات سياسية من المنظومة التي سبقت الرئيس الحالي قيس سعيد، وهي محاكمات يراها كثيرون ذات طابع سياسي وتفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
في حين يعتبرها آخرون محاكمات مشروعة تطاول منظومة متهمة بالتآمر على أمن الدولة وتقويض الاستقرار، وكان أحدث فصولها الحكم الصادر في حق رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي.
فقد قضت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف في تونس العاصمة، بسجن موسي 10 سنوات في ما يعرف بقضية “مكتب الضبط”، وتواجه موسي في هذه القضية تهماً تتعلق بالاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة، وحمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح، وإثارة الهرج في التراب التونسي، إضافة إلى معالجة معطيات شخصية من دون إذن صاحبها وتعطيل حرية العمل.
كما قضت المحكمة بسجن عضو الديوان السياسي للحزب الدستوري الحر مريم ساسي لمدة سنة واحدة بتهم تتعلق بمعالجة معطيات شخصية وتعطيل حرية العمل، في القضية نفسها.
التلاعب باستقرار تونس
في هذا السياق، يرى رئيس حزب التحالف من أجل تونس سرحان الناصري، في تصريح خاص، أن الحكم على عبير موسي قد يبدو ثقيلاً إلى حد ما، لكنه استدرك قائلاً إن تقدير العقوبة يعود في النهاية للقضاء، خصوصاً أن هناك تفاصيل قد لا تكون معروفة للرأي العام وهي التي دفعت القاضي إلى إصدار الحكم الذي يراه مناسباً.
أما في شأن الأحكام الأخرى الصادرة في حق بعض السياسيين في قضايا التآمر على أمن الدولة والاغتيالات السياسية وتسفير المقاتلين إلى بؤر التوتر، فيعتبر الناصري أن هذه الأحكام ليست أشد مما شهدته البلاد خلال ما يصفه بـ”العشرية السوداء”، التي يقول إنها اتسمت بالتخاذل والتآمر على الدولة والتلاعب باستقرار تونس، فضلاً عن التعامل مع قوى أجنبية بهدف إضعاف الدولة التونسية.
وعن تأثير هذه المحاكمات في الساحة السياسية، يرى الناصري أن تأثيرها محدود، معتبراً أن ما يؤثر فعلياً في المشهد السياسي هو ممارسات بعض السياسيين في السابق، التي يصفها بالارتهان للخارج وتغليب المصالح الأجنبية أو الحزبية على مصالح الشعب التونسي، من خلال نمط معارضة يختلف، بحسب رأيه، عن المعارضة البناءة القائمة على مراقبة عمل الحكومة.
وأضاف أن ما شهدته البلاد، في نظره، كان نوعاً من المعارضة التي “تغرد خارج السرب”، معتبراً أن الأزمة الحقيقية تتمثل في ابتعاد الأحزاب السياسية من القضايا الجوهرية التي تشغل المجتمع التونسي، مثل ملف المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، وما يثيره من مخاوف تتعلق بالنسيج الاجتماعي والثقافي في تونس.
ويرى أن هذا الواقع ينعكس أيضاً على أداء مجلس نواب الشعب الذي، بحسب تعبيره، لا يختلف كثيراً عن البرلمانات السابقة من حيث مستوى الأداء.
قطيعة بين النخبة السياسية والشعب
ويتابع الناصري أن التأثير الحقيقي يتمثل في ما يراه من نشاط سياسي يتركز على التظاهر دعماً لقضايا خارجية، مثل القضية الفلسطينية أو النظام الإيراني، في حين تغيب التحركات المرتبطة بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية للتونسيين.
ويرى أن ذلك يعكس حالة من القطيعة بين جزء من النخبة السياسية والشارع التونسي، مضيفاً أن حزبه يؤمن في حق الشعوب في الأمن والسلام وحق تقرير المصير، لكنه يرى أن الأولوية يجب أن تبقى لمعالجة مشكلات الشعب التونسي والحفاظ على استقرار البلاد.
في المقابل، علق أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ على الحكم الصادر في حق عبير موسي أنه “حين يصبح إيداع مطلب في مكتب الضبط، بحضور محام وعدل منفذ، محاولة لتغيير هيئة الدولة، فإن السياسة تكون قد دخلت فعلاً دائرة التجريم العبثي”.
وتساءل محفوظ، في تدوينة نشرها على “فيسبوك”، عما إذا كان من المعقول إدانة رئيسة حزب بسبب إجراء سلمي وقانوني، في حين تشهد الديمقراطيات العريقة احتجاجات حادة أمام مقار الرئاسة.
وأشار إلى أن تلك الاحتجاجات قد تتضمن شعارات قاسية ضد رؤساء الدول، من قبيل “مجرم حرب” أو “فاشي” أو “قاتل الشعب”، بل إن بعض الشعارات قد تعد فاحشة في بعض القواميس السياسية، من دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لسحق العمل السياسي المعارض.
وأضاف محفوظ أن اقتحام مبنى الكونغرس الأميركي من أنصار دونالد ترمب، بعد إعلانه رفض نتائج الانتخابات، لم يؤد إلى هذا التوسع في تجريم الفعل السياسي السلمي.
وختم بالقول إن البلاد تقترب من لحظة يصبح فيها الاختلاف جريمة، والمعارضة مؤامرة، والسياسة امتيازاً محتكراً.
قرار سياسي
من جهته، يرى الناشط السياسي عدنان بالحاج عمر أن الحكم الصادر بحق عبير موسي هو قرار سياسي بالأساس، معتبراً أن مرافعات المحامين لن تغير كثيراً في مسار القضية.
ويعتقد بالحاج عمر أن الإفراج عن موسي، إن حدث، سيكون بدوره نتيجة قرار سياسي، مضيفاً أن عدداً من السياسيين المسجونين يشكلون، في نظر السلطة الحالية، خطراً سياسياً على المنظومة القائمة، خصوصاً عبير موسي التي يعتبرها منافساً حقيقياً في حال توفرت شروط انتخابات نزيهة.
وبناء على ذلك، يرى أن سجن بعض الشخصيات السياسية قد يكون له تأثير في أي استحقاقات انتخابية مقبلة.
من جانبه، قال الناشط في الحزب الدستوري الحر صابر هرابي إن أنصار الحزب يشعرون بحزن عميق وخيبة أمل كبيرة إزاء ما وصفه بـ”المظلمة” التي ستبقى، على حد تعبيره، وصمة في تاريخ تونس.
وأضاف أن هذه المظلمة بدأت منذ اللحظة التي أعلنت فيها عبير موسي ترشحها لخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2024، إذ تعرضت، بحسب قوله، لحملات استهداف وتضييق وتشويه، لكنها بقيت ثابتة ولم تنحن على رغم سجنها وتحجيم دورها وحرمانها من المشاركة السياسية.
وتساءل هرابي عما إذا كانت عبير موسي قد أصبحت “الرقم الصعب”، الذي لا يستطيع أحد مجاراته في انتخابات شفافة ونزيهة ومطابقة للمعايير الدولية.
الغموض سيد الموقف
من جانبه، يرى الصحافي والمهتم بالشأن العام صبري الزغيدي أن تصريحات رئيس الدولة، التي حذر فيها من تبرئة خصوم سياسيين، تثير تساؤلات حول مدى استقلالية القضاء.
وقال الزغيدي إنه عندما تتحول السلطة القضائية إلى مجرد وظيفة بعد أن كانت سلطة مستقلة بذاتها، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى توفر ضمانات العمل القضائي العادل وفقاً لمعايير المحاكمة العادلة.
وأضاف أن الجميع يريد معرفة ما جرى في تونس خلال العقد السابق، خصوصاً في ملفات الاغتيالات السياسية والجهاز السري لحركة حركة النهضة وملف تسفير الشباب إلى بؤر التوتر، معتبراً أن الكشف عن هذه الملفات مسألة ضرورية للتونسيين.
غير أن الغموض، في رأيه، ما زال يحيط بهذه القضايا، إذ لا تزال تفاصيلها ومن يقف وراءها غير واضحة للرأي العام.
ويرى الزغيدي أن الأحكام الصادرة ضد شخصيات سياسية بارزة تعكس توجهاً لدى السلطة نحو مزيد من الانغلاق، معتبراً أنها قد تستخدم لتصفية الخصوم السياسيين والتغطية على ما يصفه بالفشل في إدارة الشأن العام.
يذكر أنه أعلن في تونس تأسيس “التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين” في الـ14 من يناير (كانون الثاني) 2026، خلال ندوة صحافية عقدت في العاصمة بدعوة من عائلات عدد من المساجين ومجموعات مساندة لهم.
وأكد المشاركون أن مصطلح “المعتقلين السياسيين” يشمل كل المسجونين بقرار سياسي، ولا يقتصر على شخصيات من المعارضة الحزبية فقط.
اندبندنت عربية
