
مشهد من الفيلم الجزائري “نوة” (وسائل التواصل)
إبراهيم العريس باحث وكاتب… اندبندنت عربية
ملخص
يتناول سيناريو فيلم “نوة” للمخرج الجزائري عبد العزيز طولبي، أساساً العلاقات التي كانت سائدة في الأرياف الجزائرية خلال السنوات الأولى من الثورة
فيلم “نوة” هو أحد الأفلام التي أنجزها المخرج الشاب عبدالعزيز طولبي، وهو أيضاً واحد من أفضل الأفلام التي حققتها السينما الجزائرية في الزمن الذي عاشت فيه انطلاقتها الحقيقية. فأتى الفيلم حينها واحداً من تلك الإبداعات التي أتت لتعترض على الكلام التبسيطي الذي كان سائداً منذ حصول الجزائر على استقلالها وانغماس سينماها في تمجيد الثورة تاركة جانباً مسؤولية تتعلق بالمساهمة في بناء الحاضر والمستقبل بدلاً من الاكتفاء بالحديث التمجيدي الساذج أحياناً عن الماضي.
ونعرف أن “نوة” لطولبي، كما “الفحام” لمحمد بوعماري وصولاً إلى “نوبة نساء جبل شنوة” لآسيا جبار، بين أعمال نادرة أخرى في ذلك العقد الاستقلالي الأول، إنما كانت هي ما مهد لـ”الثورة الكبرى” في السينما كما في المجتمع الجزائريين والتي شكل انطلاقتها فيلمان كبيران هما “مدونات سنوات الجمر” لمحمد الأخضر حامينا (السعفة الذهبية في “كان” 1975)، وبالطبع “عمر قتلته الرجولة” لمرزوق علواش (1976، أكبر نجاح حققه فيلم جزائري حتى ذلك الحين).
ولئن كان كثر من المعلقين والمؤرخين يعد هذين الفيلمين الأخيرين البداية الحقيقية للسينما الجزائرية الكبيرة التي كان من أهم ما يميزها بحثها عن الأسئلة الصعبة والشائكة، بل القلقة حقاً في أزمنة اليقينات الكاذبة، فإن ما يبدو أكثر جدارة بأن نتوقف عنده هنا فهو تلك الأفلام القليلة التي استبقت فيلمي حامينا وعلواش بطرح الأسئلة الحقيقية التي كان لا بد للسينمائيين أن يطرحوها على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم.
وذلكم ما فعله عبدالعزيز طولبي حقاً في “نوة”… حتى وإن كانت أهمية هذا الفيلم لا تتوقف هنا. ففي نهاية الأمر وبعد أكثر من 50 عاماً على ظهور هذا الفيلم، لا بد من العودة إليه استذكاراً وعلى سبيل التحية لكونه عملاً كبيراً وعلى أكثر من صعيد، لكن لا بد وقبل الحديث عن قيمته ومكانته في تاريخ السينما العربية، وربما أيضاً في تاريخ الثورة الجزائرية نفسها، لا بد من التعرف أولاً إلى ما يحكيه لنا الفيلم.
علاقات ريفية
يتناول سيناريو “نوة”، أساساً العلاقات التي كانت سائدة في الأرياف الجزائرية خلال السنوات الأولى من الثورة، حيث نراه يركز على معالجة مسألة الإقطاعيات التي كان يسيطر عليها الشيخ طاهر المعروف كواحد من أوسع الأعيان نفوذاً، هو الذي لم يكن يتردد في ممارسة لعبة مزدوجة. فمن جهة يتحالف مع الاستعمار الاحتلالي الفرنسي الذي كان يسانده في مواجهة الفلاحين العاملين في أراضيه، والذين كانوا يتعرضون لاستغلال رهيب، ومن جهة أخرى كان يدفع الاشتراكات إلى “جبهة التحرير الوطني”، مدفوعاً بحدسه بأن المستقبل سيكون لهذا التنظيم وللأيديولوجيا التي توجه سياسته.
وهكذا، وجد الفلاحون أنفسهم بين سندان الإقطاعي ومطرقة الاستعمار، بكل ما يصاحب ذلك من قمع ومآسٍ. وفي السياق الحدثي والعلاقاتي ذاته، يبرز السيناريو أيضاً فكرة أخرى تسير جنباً إلى جنب مع الفكرة الأولى. وفحواها كما سيطالعنا منذ مفتتح الفيلم، قصة حب بريئة بين الصبية “نوة”، التي تعيش مع أبيها العجوز المتردد وزوجة أبيها الشريرة، وبين “جبار”، ابن الفلاح البائس الذي يعاني والده عذاب الاستغلال القاسي.
ومع مرور الوقت في الفيلم وفي البيئة المغلقة اجتماعياً، والتي يتناول الفيلم أوضاعها، تصبح “نوة” هدفاً لأبناء الشيخ طاهر وأطماعهم وشهواتهم، هم الذين اعتادوا الاعتداء على شرف الفلاحات الفقيرات.
ومن خلال هذا المسار المزدوج للأحداث، الذي يتطور بانسجام وبأسلوب مشوق، ويعرض أحد الفصول الأولى من الثورة التي اندلعت سنة 1954 وقادت إلى استقلال الجزائر، يقدم لنا عبدالعزيز طولبي صورة شاملة للعلاقات القائمة بين الإقطاعيين المستغلين والفلاحين البائسين المستغلين.
وكما يشير الفيلم بصورة ضمنية، فإن هذه العلاقات كانت عاملاً حاسماً في انتشار الثورة في الأرياف، حيث كانت الجماهير الفلاحية، التي شكلت خميرة الثورة، على وشك أن تخنق، لكن الثورة طرقت الأبواب، ومن معادلة “الطليعة الوطنية – الجماهير الفلاحية” لينبثق التيار الذي لا رجعة فيه للثورة المنتصرة.
بذور الثورة
السيناريو الذي وضعه طولبي مقتبس عن رواية للكاتب الجزائري الطاهر وطار الذي كان زمن تحقيق الفيلم، وسوف يبقى دائماً على أية حال، واحداً من أكبر الكتاب في الجزائر كما كان معروفاً إلى حد كبير في البلدان العربية لكونه واحداً من قلة من كتاب جزائريين يكتبون بالعربية.
أما بالنسبة إلى الفيلم المأخوذ بأمانة عن الرواية، فإنه لا يكتفي بإبراز العلاقات التي تكمن في خافيات أحداث الفيلم، بطريقة آلية أو ميكانيكية، بل يعرضها في إطار واقعي أصيل. فالأمر لا يقتصر على طبقة البائسين من جهة والإقطاعيين من جهة أخرى، بل توجد أيضاً طبقات هامشية تقع بين الطرفين. ومن بين هذه الفئات ممثلو الطرق الصوفية الذين يترددون بين دعم هذه الطبقة أو تلك. ويوجد أيضاً “المتعاونون” مع الاستعمار، وفوق كل ذلك الاستعمار ذاته ممثلاً بقياداته العسكرية. وهكذا اندلعت الثورة في هذا المناخ.
غير أن الفكرة الأساسية التي يبرزها الفيلم بصورة ضمنية هي أن الثورة وجدت اندفاعها ونفسها في بؤس الفلاحين ومعاناتهم. وربما تكمن فضيلة هذا الفيلم في هذه الحقيقة، وليس من المبالغة القول إنه أول فيلم جزائري ـ بحسب علمنا ـ يطرح مسألة طبيعة الطبقات في الثورة الجزائرية وموقف مختلف الفئات الاجتماعية منها. ومع أن هذه السمة مهمة، فإنها لا تشكل وحدها العامل الأساس في الفيلم.
صورة للسنوات الحاسمة
من الواضح على أية حال أن “نوة” يرسم من خلال حكايته، أولاً صورة تخمر الثورة، ثم يطور فكرة الثورة كما صاغها مجموعة من المناضلين المثقفين الرواد، قبل أن ينتقل إلى معالجة النضال الفعلي الذي لم يكن موجهاً فحسب، ولا سيما في السنوات الأولى، ضد الاستعمار ومصالحه المباشرة، بل أيضاً ضد الإقطاعيين المتعاونين معه.
ومن الواضح أن إصرار الفيلم على متابعة مجرى الأحداث في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الثورة الجزائرية يهدف إلى إبراز طبيعتها الحقيقية وخصيصتها الأساسية. فحرب التحرير الجزائرية لم تكن منذ بدايتها مجرد تحالف بين قوى مختلفة ضد قوة أجنبية محتلة، بل كانت، مثل معظم حروب التحرر، حرباً تضرب جذورها في البؤس الاجتماعي وتتجه نحو هدف محدد. ولم تكن موجهة بمثل عليا مجردة كما حاول أن يثبت فيلم آخر عن تلك الثورة ظهر في الوقت نفسه تقريباً، وهو المعنون “حرب التحرير”، وكان بدوره فيلماً جزائرياً، وبدوره أيضاً فيلماً من تمويل السلطات الحكومية الاستقلالية – وهو على أية حال أمر يقول الكثير حول التناقضات ما بعد – الاستقلالية التي عاشتها الجزائر خلال السنوات الـ10 الأولى من تاريخها الجديد كبلد مستقل يسير تبعاً لشعار “دع مئة زهرة تتفتح”، ما فتح المجال، من ناحية لولادة سينما الجزائر في سنوات السبعين قوية ومنفتحة ومتنوعة، ومن ناحية أخرى للمساهمة الإبداعية في تلك النقاشات التي سادت فيما بعد.
سينما سجالات العقد الأول
باختصار هنا، يشكل فيلم “نوة” رداً واضحاً وإيجاباً على أمثال فيلم “حرب التحرير” الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه وعن عشرات من أمثاله التي راحت تتكاثر لتمجيد ما كان في الحقيقة يحتاج حاجة ماسة إلى نقاشات واسعة أنها شرائط متهافتة تصاغ بصورة سطحية.
ففيلم “نوة” يمنح الثورة الجزائرية كل أبعادها، ولا سيما بعدها الاجتماعي. هذا من حيث المضمون. أما من حيث الشكل، فيتميز الفيلم ببساطة وسائل التعبير. فالصور تتوالى كما لو كانت وقائع طبيعية. ولا يشعر المشاهد بأنه أمام فيلم سينمائي، بل أمام واقع معيش، حتى ليخيل إليه أنه يشاهد فيلماً وثائقياً.
ولهذا يمكن القول إن “نوة” كشف لنا عن مخرج جديد كبير هو عبدالعزيز طولبي، يمكن وضعه في طليعة كبار السينمائيين العرب، خصوصاً أن “نوة” من بين الأفلام العربية القليلة التي نجحت في تقديم مضمون ممتاز وواقعي وواعٍ في أشكال فنية لا تمت بصلة إلى السينما الرجعية، بل تتجاوز حتى بعض الأشكال التي تقدم على أنها تقدمية.
وفيلم “نوة” لعبدالعزيز طولبي هو فيلم كبير، على رغم ما يمكن ملاحظته من بعض الإطالة في عدد من مشاهده. وهو إلى جانب فيلمي “الفحام” و”ريح الأوراس” من أهم الأفلام الجزائرية التي أنجزت حتى الآن خلال سنوات الـ60 لتواكب الحياة الثقافية الطليعية والمتجددة في العقد الاستقلالي الأول.