..
.الدكتور محمد نور الدين….مختص في شان تركي
د. محمد نور الدين…….تشهد تركيا، منذ عدة أيام، توتّراً متصاعداً بين السلطة و»حزب الشعب الجمهوري» المعارض، على خلفية إقالة القضاء، قيادة فرع إسطنبول في «الجمهوري»؛ علماً أن هذا الفرع يمثّل العصب السياسي الرئيسيّ لكلّ الأحزاب التركية، كون المدينة هي الأكبر والأكثر حيوية وأهمية. وكانت بدأت المشكلة تكبر مع ورود نتائج الانتخابات البلدية (31 آذار 2024)، والتي منحت «الشعب الجمهوري» تقدّماً – للمرّة الأولى – على «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، على مستوى تركيا، ليصبح الحزب الأول، ويتراجع الحزب الحاكم إلى المرتبة الثانية. وشكّل ما تقدّم، ناقوس تحذير قويّاً جدّاً لـ»العدالة والتنمية»، وزعيمه رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، لتنتهي مرحلة الغزل والانفتاح التي لم تدُم لأكثر من شهر بين الحزبَين.
ومع أن السلطة الحاكمة تتبع، منذ سنوات، أسلوب إقالة رؤساء بلديات ينتمون جميعاً إلى «حزب المساواة والديمقراطية للشعوب» الكردي، بما في ذلك بلديات كبرى، من مثل ديار بكر وماردين وفان وغيرها، بتهمة التورّط في «نشاطات إرهابية»، فإن الكرة انتقلت إلى ملعب «الشعب الجمهوري»؛ فكانت البداية مع إقالة رئيس بلدية إيسينيورت الكبيرة في إسطنبول، أحمد أوزير، لتكرّ السبحة، وتطاول رؤساء بلديات آخرين تابعين للحزب.
أمّا ذروة الحملة، فكانت بإقالة رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في الـ19 من آذار الماضي، وإيداعه السجن، بتهم شتى، من بينها تزوير شهادته الجامعية، وانخراطه في الفساد والتعاون مع الحزب الكردي في نطاق البلدية؛ علماً أن إمام أوغلو كان بدأ وقتذاك حملته الانتخابية لرئاسيات 2028، ومنحته استطلاعات الرأي، في حينه، حظّاً وافراً للفوز بالرئاسة، وهو نفسه الذي هزم مرشّح إردوغان لانتخابات بلدية إسطنبول مرتَين، في عامَي 2019 و2024.
يلعب الرئيس التركي بأحجار عدة لإضعاف المعارضة
وأعقبت اعتقال إمام أوغلو، اعتقالات وإقالات في معظم البلديات التي يرأسها منتمون إلى «الجمهوري»، حتى إن ضغوطاً مورست على بعض رؤساء البلديات التابعين للحزب، من أجل الاستقالة منه، والانتقال إلى «العدالة والتنمية»، وأبرزهم، رئيسة بلدية آيدين الكبرى، أوزليم تشيرتشي أوغلو، التي قلّدها إردوغان شخصيّاً زر حزبه بعد انضمامها إليه.
لكنّ الحملة على «الشعب الجمهوري» دخلت مرحلة مختلفة عن كل سابقاتها، باستهداف الحزب نفسه هذه المرّة؛ إذ قضت محكمة تركية، في الثاني من أيلول الجاري، بعزل رئيس فرعه في إسطنبول، أوزغور تشيليك، إلى جانب 200 شخص، من قيادة الفرع، بذريعة أن مؤتمره العام، في خريف 2023، انعقد تحت ضغوط بعض الشخصيات والرشاوى المالية وجاء بالقيادة الحالية، ومن بينها قيادة فرع إسطنبول. وردّ الحزب بأن القضاء ليست له صلاحية إلغاء نتائج المؤتمر، واعتبر قراره باطلاً.
لكنّ المحكمة أرفقت قرار الإقالة بتعيين غورسيل تكين بدلاً من تشيليك، وهو ما نقل الخلافات إلى داخل «الجمهوري»، بعدما قبل تكين قرار التعيين، وردّ عليه الحزب باتّخاذ قرار فوري بفصله من عضويته، باعتبار أن قياديّي «الشعب الجمهوري» ينتخبهم مؤتمر الحزب، ولا يُعيّنون بقرار قضائي. ومع ذلك، لم يتراجع تكين، وحاول قبل يومين أن يدخل مقرّ الحزب في إسطنبول لتسلّم مهامّه بحراسة مكثّفة من رجال الشرطة، وهو ما أدّى إلى اندلاع اشتباكات بين جمهور «الشعب الجمهوري» والشرطة، فيما أعلن زعيم الحزب، أوزغور أوزيل، أنه لن يستسلم للقرار، وسيحارب «دفاعاً عن الديمقراطية».
وإذ تسود توقّعات بإبطال المحكمة نتائج مؤتمر الحزب الـ38 لعام 2023، وإقصاء كل القيادة الحالية وإعادة القيادة السابقة، بزعامة كمال كيليتشدار أوغلو، إلى موقعها، فإن هذا الأخير قد لا يعارض قرارها، بعدما كان أعلن أنه في حال صدور مثل هكذا قرار، فلن يرفض المسؤولية.
هكذا، يلعب الرئيس التركي بأحجار عدة لإضعاف المعارضة، ويستخدم كل الوسائل الممكنة لشطب حزبها الرئيسيّ من الحياة السياسية، بما فيها العزف على خلافاته الداخلية. كما يحاول إردوغان الاستفادة من مسار عملية حلّ المسألة الكردية في الداخل، ليفكّ تحالف «الشعب الجمهوري» مع الحزب الكردي، مستثمراً أيضاً احتضان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، له، لتمرير أجنداته الداخلية. وفي المقابل، تُطرح تساؤلات حول ما إذا كان «الجمهوري» سيبقي على ضغوطه الشعبية التقليدية في مواجهة ذلك أم أنه سيلجأ إلى أساليب أخرى.