طارق اسماعيل – كاتب لبناني… موقع درج
كان على “حزب الله” أن يغيّر بعض الطقوس التي صنعت اختلافه عن الشيعة العاديين، وفعلها الحزب مكرهاً على الأرجح، حين استدعت حروبه الكثيرة أن يتخفّف من طقوس شكلية وعقدية أحياناً، ومن “نمطية” فرضتها البدايات. صار عنصر “حزب الله” شكلاً يشبه الآخرين، ويشي بحزبيته في أحيان كثيرة إدراجه كضحيّة من ضحايا حروب حزبه.
على سطح “السيري”، أُتيح لي أن أسمع للمرّة الأولى بـ”حزب الله”.
و”السيري” هي حظيرة مواشي كان سطحها الواسع مراحاً دائماً لمجموعة من الفتية اليافعين، أما وصم الحظيرة بـ”السيري” فهو أحجية لم يستطع كاتب هذه السطور تفكيكها.
كان حسين صديقنا “الجنوبي” الجديد، و”البيروتي” أو “الضاحوي” الإقامة، هو من ردّد اسم التنظيم الوليد على مسامعنا. كانت “حركة أمل” و”الحزب الشيوعي اللبناني”، هما التنظيمين الأكثر التصاقاً بوعي الجنوبيين وبوعينا، وكنّا كفتية، ضحايا وعي “انغماسي” بهما، وهو غالباً وعي جنوبي عامّ ظلّ يقترف التواطؤ مع الأحزاب التي “تحتلّه” على حساب الدولة، والأصحّ في غيابها.
لم ينطق صديقنا حسين اسم التنظيم الجديد، كما لو أن الله وحده يملك حصريته. كان الخميني؛ رجل الدين الإيراني، يندرج كشريك في هذه الحصرية، “حزب الله” و”الخميني” هو الاسم الذي نطق به حسين، والأرجح أن التباس التسمية على صديقي مردّه تكثيف “الخميني” في خطاب الحزب، ما جعله شريكاً لإله يُفترض أن لا شريك له.
وحسين حين بشّرنا بالمولود الجديد، لم يفته أن يغرينا بأمواله، حين لا تغرينا عقيدته، فأضفى على البشرى غواية تستدعي “مشروعيتها” من الفقر والحرمان الذي كنّا فيه. بدا حسين كمن يفتح كوّة في جدار هذا الفقر، ويتعمّد ربما استشراف غواية المال في نفوسنا، ولعلّه ممّن تبوأوا تسييل فكرة الحزب في وعي أترابه، فقد اكتشفنا بعدها أنه انخرط فعلاً في “حزب الله”، وراح يردّد اسم الأخير مجرّداً من خمينيته هذه المرّة، وإن استبقه بِسِمة جديدة، نحن أمّة “حزب الله”، قال حسين.
وبين بشرى حسين والراهن، تبدّل الكثير من الوقائع. أغلب أترابه ظلّوا إلى زمن بعيد “أوفياء” قيد “الأمل” وحركته، ثم انعتقوا منه. كانت الأخيرة شديدة الحضور في الوعي الشيعي، والأرجح أنها سكنته بمشارب تتقاطع مع المشارب التي تكثّف منها “حزب الله” حين استلب الشيعة من وعيهم “الأملي”. كانت “المقاومة” أقصر الطرق إلى الاستلاب المذكور، فكيف والحزب احترفها، وراح يستدعيها إلى وعي الجنوبيين بمشهديات بصرية، وإثقالها بمشرب عقائدي غابر، وفي بيئة متحفّزة له؟
ظلّ سطح “السيري” يحتضن حسين وأترابه لسنوات. كانت أعمارهم تتقدّم إلى الأمام، وكان حسين يدفع بها إلى الوراء، إلى ماضٍ كربلائي تُفتدى به. تغيّر في حسين الكثير، استحال إلى مقلِّد محترف لشخصيّة “الإيراني” كما تدَّعيها ولاية الخميني على الأمّة.
ولادة “حزب الله “استدعت معها طقوساً في الملبس والنطق والعقيدة، واستدعت أيضاً الدرّاجة النارية. صارت الأخيرة أحد مؤشّرات “الهويّة” للمنضوين فيه. كان اقتناء “الكروس” يحاكي طقساً حربياً “انتحارياً” اعتمدته إيران في حربها مع العراق، كان إيرانيون يقتحمون حقول الألغام على درّاجاتهم النارية لتفجيرها، وكانوا يوسمون “شهداء”.
صار حسين يرتدي دائماً ثياباً سوداء، واقتنى درّاجة نارية كتكثيف لحزبيته، لكنّ وعينا المثقل بسيرة ذلك الطقس الحربي والانتحاري، لم يعد يرى في حسين إلا مشروع “شهيد”.
كان حسين يشاركنا مراهقة كاسرة للكثير من عقائد الشيعة، من حلالها وحرامها، ولعلّه كان “أزعرنا”، وأكثرنا تمرّداً عليها، وكنّا نغبطه على جرأة غالباً ما تفشّت في نفوسنا كحسد.
كان حسين يوازن، و بفطرة غير مفتعلة، بين الانحراف عن قوالب شيعية متوارثة، وبين الخروج عن طقوسها بوسائل محبّبة، لكنّه في “نسخته” الجديدة تبدّى نقيضاً لها، وراح يستغرق في طقوسها، فكنّا أمام حسين آخر باشر اغتراباً عنّا، لم يلبث أن صار افتراقاً لم يبدّده مسار بدأ طفولياً، ثم عبر إلى فتوّة لم يكن الظنّ أن تتلاشى ألفتها بـ”خمينية” طوّعت في ما طوّعته أيضاً، تشيّعاً عاملياً كنّا نسيِّل فيه مزاجنا الشخصي كما السياسي والعقائدي. لم يعد حسين يشبهنا، صار سطح “السيري” مجرّد مكان عابر في وعيه، يشيح بوجهه عنه حين يعبر إلى منزل ذويه. كان كمن يفتعل “حرباً” نفسية بين ماضيه وحاضره، وفيه خشية من رواسبها التي كانت قد جعلته أكثرنا قدرة على المشاكسة والفرح والدعابة. ألقى حسين كلّ تلك الرواسب دفعةً واحدة على السطح الذي عاش عليه طفولته وصباه، والأرجح أن “الخمينية” صنعت فيه صبياً آخر من شروطه القطع مع الحياة، ومع أترابه المحبّين لها.
صار حسين مقاتلاً، ألِف الحرب وألفته، لكنّه لم يسقط ضحيّتها، كانت “حياته” خذلاناً لرغبته، لكنّها أيضاً وفاء لرغبة أتراب كمنت فيهم “ملكة” وجدانية ترتجي وصل ما قطعه، وأنه سيعود يوماً مثقلاً بحنين إلى طفولته وصباه.
كان على “حزب الله” أن يغيّر بعض الطقوس التي صنعت اختلافه عن الشيعة العاديين، وفعلها الحزب مكرهاً على الأرجح، حين استدعت حروبه الكثيرة أن يتخفّف من طقوس شكلية وعقدية أحياناً، ومن “نمطية” فرضتها البدايات. صار عنصر “حزب الله” شكلاً يشبه الآخرين، ويشي بحزبيته في أحيان كثيرة إدراجه كضحيّة من ضحايا حروب حزبه.
تغيّر”حزب الله” وتغيّر معه حسين. بدّد الموت قطيعته معي، فالأتراب الآخرون صاروا مع الوقت “حسينيين”، وصار أغلبهم مقاتلين في أمّة “حزب الله”.
راهناً، أحال العمر الذي أنفقه حسين في الحروب إلى التقاعد، ورغباته المبكرة في الموت لم تسعفه إليها حروب حزبه، حروب أشقاه فيها فقدان اثنين من أبنائه، وكان عزائي له في فقده الأوّل مبعثاً لقدح ذاكرتينا على طفولتنا ويفاعتنا، وعلى سطح “سيري” لا يني رغم اندثاره مبعثاً للذكريات.