شكّل “العليّان” لاريجاني وشمخاني ركيزتيْن أساسيّتيْن من السّياسة الخارجيّة والدّاخليّة للنّظام. فالأوّل كانَ في الحقيقة الخليفة الفعليّ للمرشد علي خامنئي في إدارة إيران وملفّ الحرب وقيادة إيران. أمّا شمخاني فكانَ المُشرف العامّ على ملفّ المفاوضات النّوويّة بالتّنسيق مع لاريجاني، وكانَ المُخطّط والمُنفّذ لاتفاقيّة بكّين مع المملكة العربيّة السّعوديّة في آذار 2023، وإعادة العلاقات الإيرانيّة مع الدّول العربيّة.
مُرشد بلا عمامة
تؤكّد المعلومات أنّ المُرشد الإيرانيّ علي خامنئي أوكلَ إلى علي لاريجاني خلافته في القيادة الفعليّة في حال وفاته. وهذا ما يُفسّر صعود نجمه بعد مقتل خامنئي وتصدّره المشهد السّياسيّ وحرصه على الظّهور في مسيرة “يوم القدس العالمي” في العاصمة طهران يوم الجُمعة الماضي.
علي لاريجاني شخصيّة مخضرمة في السّياسة الدّاخلية والخارجيّة لإيران، ويعرف تركيبتها الاجتماعيّة والسّياسيّة ويستطيع أن يوازِن بين تياريْها المُتشدّد والمعتدل. وهو على العكس من المُرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي يفتقرُ إلى الخبرة القياديّة الكافية. كما يشير مصدر إقليمي لـ”أساس” إلى أنّ لاريجاني هو من كتب البيان الأوّل الذي حمل توقيع مجتبى خامنئي، ليكون هو القائم بأعمال المُرشد الإيرانيّ من خارج المؤسسة الدّينيّة، وإن كان ينحدُر أساساً من عائلة دينيّة.
كان يُنظر إلى علي لاريجاني كأبرز المُحتملين لقيادة العمليّة الانتقاليّة السّياسيّة في إيران على شاكلة النّموذج الفنزويلي. لكنّ مواقفه التي تلت اغتيال المُرشد علي خامنئي وما سبق ذلكَ من مشاركته في قرار قمع الاحتجاجات الأخيرة، أدّت إلى تحويله في نظر أميركا وإسرائيل من شخصيّة “مقبولة” إلى “هدفٍ مشروع”.
من فحول السياسة
يُعتبر علي لاريجاني من “فحول” السّياسة الإيرانيّة. فهو ينحدرُ من عائلةٍ راسخة في النّظام. فشقيقه آية الله صادق لاريجاني كانَ رئيس السّلطة القضائيّة في إيران بين عاميْ 2009 و2010، وشقيقه الأكبر محمد جواد لاريجاني يشغل منصب الأمين العام للجنة حقوق الإنسان، وشقيقه الثالث الدكتور باقر لاريجاني يشغل منصب رئيس وحدة أبحاث الغدد الصمَّاء، فيما يعمل شقيقه الرابع فاضل لاريجاني موظفًا في وِزارة الشؤون الخارجية الإيرانية. يُذكر أيضاً أنّ أحمد توكلي أحدَ نوَّاب البرلمان هو ابن خالته.
علي لاريجاني مُتزوّجٌ من ابنة آية الله مُرتضى مُطّهري الذي أوكلَ إليه المؤسّس الإمام الخميني تشكيل مجلس قيادة الثّورة وتشكيل لجنة استقباله بعد وصوله إلى طهران من منفاه في باريس.
جاءَ اختياره لتولّي قيادة مجلس الأمن القوميّ في توقيتٍ مُفصّلٍ على قياس خبرة لاريجاني. إذ يُحدّد الدّستور الإيراني مسؤوليّات المجلس كالآتي:
– تحديد سيّاسات الدّفاع والأمن القوميّ للبلاد في إطار السّياسات العامّة التي يحدُّدها القائد.
– تنسيق الأنشطة السّياسيّة والمخابراتيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديةّ المتعلّقة بالسيّاسات العامة للدّفاع والأمن القوميّ.
– استغلال الموارد الماديّة والفكريّة للبلاد لمواجهة التهّديدات الدّاخليّة والخارجيّة.
أهمية لاريجاني تكمن في أنّه كان:
– يمتلكُ خبرةً في إدارة الأمن القوميّ في أوقات التّوتّر. فهوَ تولّى منصب أمين عام مجلس الأمن القومي بين عاميْ 2005 و2007. وهي الفترة التي شهِدَت بدء التّغلغل الإيرانيّ في العراق، وهي أيضاً الفترة التي شهِدَت حرب تمّوز 2006 بين الحزب وإسرائيل.
– كما كان في هذه الفترة المُشرف على المفاوضات النوويّة وله في ذلك الجولات الشّهيرة من المحادثات والمفاوضات مع الممثّل السّامي للسّياسة الأوروبيّة خافيير سولانا.
من هذا المُنطلق فإنّ لاريجاني كانَ يمتلك خبرة في إدارة الأزمات، قبل أن يُصبح هو عينه جزءاً من الأزمة الحاليّة التي أودت بحياته.
أهميّة علي لاريجاني في النّظام أنّه لم يكُن معتدلاً بالمعنى المُتعارف عليه في الغرب. لكنّه كانَ من بين القلّة البراغماتيّة بين المحافظين، أي “محافظ معتدل”. ولم يكن اسماً عابراً في بيروقراطيّة الدّولة الإيرانيّة، بل من الشّخصيّات القليلة التي تعرف كيف تمزج صلابة النّظام وحسابات استمرار الدّولة، وبين محاولة الرّدع والتّفاوض الشّاقّ.
الابن المُعترض لا المُتمرّد
تاهَ كثيرون في تصنيف علي لاريجاني بين تياريْ النّظام الإيرانيّ، أيّ المتشدّد والمعتدل. فيُمكن وصفه أنّه كان عابراً للتّيارات. على سبيل المثال كانَ من القلّة التي استطاعت أن تنسج علاقةً متينة مع المرشد الرّاحل علي خامنئي والرّئيس الأسبق “صانع الملوك” علي أكبر هاشمي رفسنجاني في ذروة الخلاف بينهما بعد انتخابات 2009 المثيرة للجدَل التي جاءَت بمحمود أحمدي نجاد رئيساً على حساب الإصلاحي مير حسين موسوي.
لم يتمرّد يوماً على النّظام، حتّى حين رفض مجلس صيانة الدّستور ترشّحه للانتخابات الرّئاسيّة مرّتين. كانَ ابن النّظام المُعترض ولم يُصبح الابن المُتمرّد. لم يخرج إلى الإعلام ويُطلق النّار على النّظام، بل عبرَ الاختبار بهدوءٍ وردّ برسالةٍ قانونيّة على أسباب استبعاده وطلب تصحيح المسار ولم يزِد على ذلكَ حرفاً. فكان معارضاً للهدم لا للترميم.
لا يعني تغييب لاريجاني عن المشهد أنّ ذلك سيُفسح المجال أمام شخصيّات “أكثر تسوويّة” مع الغرب. إذ إنّ اغتياله قد يعني تضييق مساحة واسعة كان يتحرّك فيها “التيّار البراغماتي” داخل النّظام بشخصيّات مثل “العلييْن” لاريجاني وشمخاني لصالح شخصيّات أكثر تشدّداً مثل ممثل المرشد الأعلى الإيراني في المجلس الأعلى للأمن القومي منذ عام 2008 سعيد جليلي، أحد أكثر الوجوه الصّلبة لدى التّيّار الأصوليّ.
جليلي وقبضة الحرس
يعتبر التيّار الذي يُمثّله سعيد جليلي أنّ الحوار مع الولايات المتحدة والغرب مساراً للخسارة المحتومة لإيران. ولذلكَ سيكون تعيين جليلي خلفاً للاريجاني انتقالاً واضحاً في ثقل النّظام الإيرانيّ من البراغماتيّة إلى العقائديّة.
إذ تُعزّز الحرب بين إيران والحزب من جهة مع أميركا وإسرائيل من جهة أخرى كلّ ما يحتاجه التيّار المُشتدّد والحرس الثّوريّ لتعزيز القبضة على المشهدِ السّياسيّ في إيران أو لدى الحزب في لبنان.
هي فرصةٌ لتيّار الحرس الثّوريّ لاستغلال التعبئة الأيديولوجية والشّرعيّة الأمنيّة لإزاحة الوجوه الأكثر حذراً داخل الدّولة الإيرانيّة مثل الرّئيس مسعود بزشكيان ومن يدعمه مثل محمّد جواد ظريف.
من هذا المنطلق يمكن القول إنّ غياب وجوهاً سيّاسيّة بارزة مثل لاريجاني وشمخاني ستُفضي إلى قيامِ نظامٍ أكثر بُعداً عن المرونة إلى نظامٍ أشدّ انغلاقاً وأقلّ استعداداً للتفاوض.
اساس ميديا
