مع اقتراب الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران من نهاية أسبوعها الثالث، ومع تفاقم أزمة الطاقة العالمية بسبب الاستمرار في توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، تتفاوت التقديرات بشأن كيفية إنهائها في ضوء الإشارات المتناقضة التي تصدر عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وشروط إيران للقبول بوقفها، وربما بعض التباين في الأهداف الأميركية والإسرائيلية بشأنها. فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تحاول القضاء على أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين طهران واشنطن؛ يضع نهاية مبكّرة للحرب، ويضيع عليها فرصة إكمال تحقيق أهدافها المتمثلة في إسقاط النظام، أو اضعافه بالحد الأدنى.
تخبّط الاستراتيجية الأميركية
تجاهل الرئيس ترامب نصائح مسؤولين في إدارته، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان، الجنرال دان كين، بشأن تداعيات الدخول في حرب غير محسوبة العواقب مع إيران، بما في ذلك احتمال إغلاقها مضيق هرمز. فقد أصرّ على شن الحرب، إلى جانب إسرائيل، متشجعاً بمعلومات استخباراتية عن اجتماع عُقد برئاسة المرشد علي خامنئي، وضم كبار قادته العسكريين والأمنيين، ووجود تقديرات بأن النجاح في استهداف الاجتماع، الذي عقد صباح 28 فبراير/ شباط 2026 في مقر إقامة المرشد، وتصفية القيادة الإيرانية، سوف يقود إلى شل حركة النظام وربما انهياره. لكن تماسك النظام بعد الضربة الإسرائيلية الأولى التي أسفرت عن اغتيال نحو 40 شخصية قيادية، بمن فيهم المرشد، والرد الإيراني السريع الذي شمل إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل وقواعد أميركية في الأردن، وإقليم كردستان العراق، فضلاً عن استهداف البنية التحتية ومنشآت الطاقة في دول الخليج العربية، في مسعى إلى رفع التكلفة على الولايات المتحدة وإجبارها على وقف الحرب، مثّل ذلك كله مفاجأة بالنسبة إلى ترامب، الذي استغرب عدم استسلام إيران؛ إذ كان يأمل في سيناريو شبيه بما جرى في فنزويلا، حيث أدّت عملية إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو إلى فتح الباب أمام تفاهم مع من تبقى من نظامه.
ازداد الوضع تعقيدًا بالنسبة إلى العملية العسكرية الإسرائيلية – الأميركية مع إغلاق إيران مضيق هرمز، وقطع طرق الملاحة البحرية أمام نحو 17% من إمدادات النفط إلى السوق العالمية ونحو 20% من إنتاج الغاز المسال. ودفع ذلك الرئيس ترامب إلى إعادة النظر في الأهداف التي أعلن عنها في بداية الحرب، والتي تضمّنت دعوة الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم، فأصبحت الأهداف أكثر واقعية لتسمح له بإمكانية إعلان النصر، ومن ثم وقف الحرب، وتجنّب مزيد من التورّط. وقد مهد إلى ذلك، مثلاً، بإعلان تدمير البحرية الإيرانية، ودفاعاتها الجوية، وقاعدة صناعاتها العسكرية، فضلاً عن القضاء على جزء كبير من القيادة الإيرانية. بهذا، حرص ترامب ومسؤولون آخرون في إدارته على إبراز نجاح الجيش الأميركي في تدمير نحو 90% من قدرات إيران الصاروخية و95% من طائراتها المسيّرة، وهي أرقام يصعب التأكد من صحتها حاليًا. ومن أجل الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز، أمر ترمب باستهداف المنشآت العسكرية في جزيرة خرج، التي تعد قلب صناعة النفط الإيرانية، وشرع باستكشاف إمكانية تشكيل تحالف دولي لفتح المضيق بعد أن ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بمقدار 50%؛ ما اضطر واشنطن إلى تعليق العقوبات المفروضة على تصدير النفط الروسي للحفاظ على توازن الأسواق.
لم تؤثر الخطوات الأميركية كثيراً في الموقف الإيراني، بما في ذلك قرار واشنطن إرسال عدة آلاف من قوات البحرية الأميركية (المارينز) من قاعدة أوكيناوا في اليابان إلى منطقة الخليج. بناءً عليه، بدأ الرئيس ترمب بالبحث عن استراتيجية خروج، أخذ يروّجها من خلال مزاعم عن محاولات طهران التواصل معه بغرض إنهاء الحرب، والعودة إلى الحديث عن الشروط والأسباب التي أدت إلى اندلاع الأزمة في المقام الأول، وهي تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وقبول إيران بمبدأ صفر تخصيب، وتسليم مخزونها من اليورانيوم؛ بما في ذلك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه يكفي لصناعة 10 قنابل نووية، والقبول بتحديد مديات الصواريخ الباليستية. ولتهدئة مخاوف الرأي العام من احتمال التورط في حرب طويلة، وشراء مزيد من الوقت أملاً بأن ترضخ إيران تحت الضغط العسكري، يحرص الرئيس ترامب على تكرار أن نهاية الحرب باتت وشيكة من دون أن يحدد موعدًا فعليّاً؛ ما يعكس المأزق الذي يواجهه بعد أن ثبت خطأ حساباته.
وضوح الأهداف الاسرائيلية
رغم تركيز إسرائيل المستمر على “مخاطر” امتلاك إيران سلاحاً نووياً، فضلًا عن برنامج الصواريخ البالستية، فإنها لم تخف هدفها الرئيس من دخول الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، إسقاط النظام الإيراني، حيث يتبجح نتنياهو بأن إسرائيل تعيد تشكيل الشرق الأوسط، وأنها أصبحت القوة الأولى في المنطقة، وقوة عالمية في بعض المجالات. لذلك، درجت إسرائيل على معارضة أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع طهران بخصوص برنامجها النووي، بذريعة أنه لا يمكن الوثوق بالنظام، أو الوثوق بنفيه المستمر للرغبة في الحصول على سلاح نووي، وأن الطريقة الأفضل للتعامل مع إيران إسقاط النظام وإحلال نظام آخر محله موالٍ للغرب. والحقيقة أن إسرائيل، خلافاً للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لا يهمها إن كان يوجد بديل من النظام القائم أم لا، أو إن غرقت إيران في الفوضى. وقد دفع تماسك النظام الحالي واستيعابه الخسائر التي لحقت به، إسرائيل إلى خفض سقف أهدافها المعلنة تحسّباً لقبول الرئيس ترامب بالتوصل إلى اتفاق يبقي على النظام الإيراني. فصارت تردّد مقولة إن موضوع بقاء النظام من عدمه شأنٌ يقرّره الشعب الإيراني.
تسعى إسرائيل إلى أهداف تصل إلى حدّ تفكيك إيران أو إدخالها في حالة من الفوضى وحتى الحرب الأهلية
ومع أن إسرائيل خفضت لفظياً سقف أهدافها من الحرب، خشية تحميلها مسؤولية أي تكلفة إضافية تتكبدها الولايات المتحدة، وخصوصاً مع تنامي اعتقاد نسبة لا يستهان بها من الرأي العام الأميركي بأن إسرائيل هي من جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، وما يحمله هذا من تبعات اقتصادية وسياسية وعسكرية، ظلّت حكومة نتنياهو تعمل على استبعاد أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، وتمثلت آخر هذه الجهود باغتيال السياسي الإيراني، علي لاريجاني، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، والذي برز باعتباره أحد أقوى الشخصيات السياسية في النظام بعد اغتيال المرشد. فعلى الرغم من انتماء لاريجاني إلى التيار المحافظ، فإنه مثّل الوجه الأكثر براغماتية في النظام، الذي كان يمكن، أن يبرم ويسوق اتفاقًا مع واشنطن لإنهاء الحرب نظراً إلى موقعه وتاريخه في خدمة النظام. وقد حمل فعلاً اقتراحات تسوية واقعية تتضمن تغيّراً جدّياً في العلاقات الإيرانية – الأميركية، وذلك في زيارتيه قطر وعمّان قبل اندلاع الحرب مباشرة. وأوردت مصادر أميركية أن إدارة ترامب كانت تعتبر لاريجاني أحد أبرز المرشحين لقيادة مرحلة انتقالية في إيران. يبدو أن إسرائيل أرادت بهذا الاغتيال دفع الجناح الأكثر تشدّداً في النظام إلى الواجهة، بحيث لا يوجد أمام الولايات المتحدة إلا إسقاط النظام بعد تلاشي إمكانية التفاهم معه.
في الواقع، تسعى إسرائيل إلى أهداف تصل إلى حد تفكيك إيران أو إدخالها في حالة من الفوضى وحتى الحرب الأهلية. وفي الحد الأدنى، تهدف إلى إضعاف إيران إلى أقصى حد ممكن، بما يذكّر بحالة العراق بين عامي 1991 و2003، من خلال تدمير ليس قدراتها العسكرية فحسب، وإنما أيضاً بنتيها التحتية المدنية وقدراتها الاقتصادية، بما في ذلك منشآت الطاقة وقدرات تصدير النفط والغاز، وذلك قبل التوصل إلى اتفاق محتمل لإطلاق النار. ويشمل مسعى إسرائيل إلى إضعاف النظام أيضاً تقويض قدرته على فرض النظام العام في المجتمع، عبر استهداف مراكز الشرطة والأمن العام وكل أجهزة فرض النظام؛ إذ تتوقع إسرائيل أن تندلع احتجاجات بعد توقف الحرب كما حصل في الحرب السابقة في حزيران/ يونيو 2025 بسبب الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، والتي زادتها الحرب بؤساً.
رؤية إيران لإنهاء الحرب
رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بقدرات إيران العسكرية وبرامجها التسليحية وفقدان جزء كبير من قيادتها السياسية والعسكرية والأمنية، والدمار الذي طاول بنيتها التحتية المدنية، فإنها لا تبدو ستقبل اتفاقاً يوقف هذه الحرب فقط، بينما لا يمنع جولات قادمة؛ لتبقى إيران محاصرة وتنزف في ظل العقوبات بانتظار الحرب المقبلة. تخشى إيران من تكرار الخطأ الذي ارتكبته في حزيران/ يونيو الماضي، عندما وافقت على مقترح أميركي بوقف الحرب من دون ضمانات بعدم مهاجمتها مرّة أخرى. هكذا يكون وقف الحرب مجرّد فرصة تعيد فيها إدارة ترامب وحكومة نتنياهو ترتيب أوضاعهما وإنتاج ما يكفي من ذخائر لصد الصواريخ والمسيرات الإيرانية والعودة من جديد إلى الحرب بعد فشلهما في هذه الجولة في تحقيق الأهداف المتمثلة في إخضاع إيران أو اسقاط نظامها. لذلك، تضع إيران شرطين أساسيين للقبول بوقف إطلاق النار؛ الأول الحصول على ضمانات كافية بأن إسرائيل والولايات المتحدة لن تقدما على مهاجمتها مرّة أخرى، والثاني رفع العقوبات الاقتصادية التي أعاد ترامب فرضها عليها بعد أن انسحب من الاتفاق النووي في أيار/ مايو 2018. وتخشى إيران من أن يؤدّي استمرار العقوبات عليها بعد هذه الحرب المدمّرة إلى وضعها في وضع مماثل للعراق بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، حيث تُرك لينزف بسبب الفقر والمرض وضعف السلطة المركزية؛ ما سمح، في نهاية المطاف، بتسهيل غزوه بعد أن صار الخلاص منه سبيل العراقيين الوحيد للخروج من الأزمة.
خاتمة
أدى انجرار الولايات المتحدة وراء الأجندة الإسرائيلية في مهاجمة إيران إلى إدخال المنطقة والعالم في واحدة من أسوأ الأزمات الدولية في العقود الأخيرة، والتي كان يمكن تجنّبها، بحسب صحيفة الغارديان، لولا تورّط مستشاري ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في تغليب الأجندة الإسرائيلية على المصلحة الأميركية. ويبدو حجم القلق من الورطة، التي أوقعت بها إدارة ترامب العالم، بانجرارها وراء نتنياهو، جليّاً في رفض الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) التورّط في الحرب على إيران، باعتبار أن نص اتفاقية الحلف لا يتضمن دعم أحد الأعضاء في حال كان هو المبادر في الهجوم. يبقى التساؤل في كيفية إنهاء هذه الأزمة عبر التوفيق بين مطالب واشنطن وطهران، والذي لا يمكن أن يتحقق من دون تحييد العامل الإسرائيلي فيها.