لطالما تذرّعت بغياب المساحة الكافية لوضع الكتب فيها، وأنا أخترق بمشيتي السريعة مكان لقائنا ضاحكةً وعلى وجهي ابتسامة أستطيع تذكّر كل واحدة منها محمّلة بالكتب أُقدّمها كهدية، وأحياناً أُبرّر هذا العطاء من خلال علاقتي المُعقدة بأمي حين تجعل من كتبي مصدراً لابتزازي عاطفياً. تعرف أمي أنّ الكتب ليست أشياء عادية بالنسبة لي، بل هي مكان آخر أسكنه، وهي في الوقت ذاته مصدر دخلي الوحيد، وحين تَمسُّ كتبي لا تمس فقط ما أُحبه، بل أيضاً ما أخشى أن يُنتَزع مني، وما بنيتُ منه معارفي ووجودي واقتصادي وقبولي في آن واحد، وهذا يجعل ابتزازها ناجحاً دوماً عندما يكون ما أُهدد به.. هي أنا، لكني أيضاً أُبرّر اضطراري للتخلّص منها، الكتب طبعاً. ولم أكن أفهم فعلاً ما كنت أفعله طوال السنوات الماضية حتى وجدت ما أسماه مارسيل موس: الهِبة. والهِبة عند موس ليست فعلاً مجانياً، بل هي علاقة مقنّعة، وحين تُعطي الآخر فإنك تضعه في موقع التزام حتى لو كان غير معلن، فالهدية أو الهِبة تخلق دَيناً أخلاقياً واجتماعياً يصعب الانفصال عنه، هذه العلاقة الضمنية غير المُعلنة من عطاء واستقبال وردٍّ، تعمل كقوة ناعمة داخل البُنى الاجتماعية. حين قرأت موس أدركت أنني لم أكن أُهدي كتاباً فقط، بل أُنشئ التزاماً، أصنع خيطاً أخال قطعَه صعباً، وأؤمِّن لنفسي موضعاً داخل علاقة قد لا أملك ضماناً آخر للبقاء فيها.

عام 2019، وعن طريق الكتب أيضاً تعرّفت على مجموعة أصدقاء: شعراء، وفنانون، وأكاديميون، لا أستطيع حتى الترميز لأسمائهم في الوقت الحالي، كان أصغرهم سناً يكبرني بسبع سنوات، ولأنني الأصغر عمراً ومعرفة كنت في صراع دائم لإثبات ذاتي في هذا الحقل الذي تطلّب مني جمع رأس مال ثقافي للبقاء. ولأنني كامرأة عابرة جندرياً أعيش في سياق عدائي، أفتَقرُ فيه إلى أشكال مختلفة من الأمان السياسي، والقانوني، والاجتماعي، وحتى الصحي. وبحساسية المرأة التي عُزلت وهُمشت اجتماعياً، فهمت تلك القاعدة بسرعة، فالبقاء في محيط اجتماعي لا يُطالب بقتلي لكوني أنا، هو مساحة يجب الحفاظ عليها، لذا فمراكمة رأس مال ثقافي لم تكن للتعلّم وخلق مساحة يكون صوتي مسموعاً فيها فحسب، بل كانت الطريقة الوحيدة للبقاء داخلها.

منذ تلك اللحظة ترسّخ داخلي شعور مستمر يُخبرني بأن القبول مشروط، لم يقل لي أحد منهم أنَّ علي أن أكون مثقفة حتى أبقى، ولم توضع أمامي قواعد صريحة. لكن الجو العام، والنبرة، الإسقاطات والمزاح العابر، كلها كانت تبث رسائل ضمنية مفادها أن هذه المجموعة تعمل وتفكر بمستوى معين، ومن لا تُواكب تنسحب بهدوء أو تُقصى. حينها لم يَعد يكفي أن أكون مقبولة فحسب، كان عليَّ أن أبرهن باستمرار أنني أستحق البقاء فكرياً وأن وجودي قيمة يجب الاعتراف بها.

داخل تلك المجموعة تعلمت شيئاً لم يُقل بصوت عالٍ أبداً، وهو أن المعرفة ليست ما أعرفه فحسب، بل ثمة ما هو أعمق من ذلك؛ كيف أُظهر تلك المعرفة وفي أيّ وقت أُظهرها. كانت هناك لغة غير مكتوبة تسيّر الجلسات من 10 صباحاً حتى 3 ظهراً وسط مقهى في سوق شعبي، هذه اللغة حددت بدورها من تتكلم ومن تصمت، من يُأخذ برأيها ومن يتجاوز رأيها بطلب استكانة شاي لتغيير الموضوع، ثلاث جلسات كانت كفيلة بفهم تلك القواعد، فالهامش يُعلم قراءة المشاهد بسرعة للنجاة، وأنا كنت دوماً على الهامش أُراقب وأُدرك وأتعلم.
هنا وجدت بيير بورديو يُسمي ما أعيشه برأس المال الثقافي، ذلك التراكم غير المرئي من المعرفة والأذواق والمراجع والقراءات الذي تجمعينه وتستثمرينه داخل الحقل الاجتماعي لتُحددي موضعك فيه. فما يهم ليس ما تعرفينه في غرفتك وحدك، إنما هو ما تستطيعين تحويله إلى حضور داخل المجال، كنتُ أراكم بنهمٍ وأحياناً بقلقٍ لا يفارقني، لا لشغفٍ بالمعرفة ذاتها. لكنها الشكل الوحيد من أشكال الأمان المُتاحة لي وحين تفتقرين لأشكال الأمان الأخرى يُصبح ما تعرفينه درعاً أو على الأقل درعاً وهمياً يكفي أحياناً.

ما لم أدركه حينها، هو أن تلك المجموعة لم تغيّر فقط ما أعرفه، بل غيّرت أيضاً الطريقة التي أفكر بها في نفسي، فحين تعيشين سنوات وأنتِ تحسبينَ كل كلمة قبل أن تقوليها، وتَزنينَ كل رأي قبل أن تطرحيه، وتراقبين وجوه الآخرين حين تتكلمين لتري إن كان ما قُلتِه كافياً، تتسرب هذه الآلية لتُصبح جزءاً من طريقة تفكيرك لا مجرد سلوك تؤدينه في مكان بعينه.

خرجت من تلك الجلسات وأنا أحمل معي شيئاً لم يكن فيّ حين دخلت إليها، ليس المعرفة فقط، إنما محاكمات داخلية لا تتوقف تدور في رأسي وتحكم هل هذا يكفي؟ هل أنا كافية؟ وحين بدأت الكتابة لم أنتبه، في البداية، بأنني نقلت هذه المحاكمات معي. القبول الذي كنت أسعى إليه داخل مجموعة صار القبول الذي أسعى إليه من القارئ-ة من المحرر-ة من المجال الثقافي-الصحافي الذي أدخله والقواعد الضمنية التي تعلمتها في مقهى في سوق شعبي هي نفسها القواعد التي بدأت أرى الكتابة من خلالها. ولأنني وجدت في المعرفة أداة للبقاء صرت أخاف من أن تنتزع مني وهذا الخوف نفسه هو ما شكّل لغتي التي أكتب بها، مصطلحاتها وثقلها وكل شيء فيها، لم تكن أداءً ولا استعراضاً. هي ما نتج من سنوات تعلمت فيها أن القبول لا يُمنح، بل يُكتسب. لم أكن أكتب فقط، بل كنت أُثبت ذاتي، وكنت أنتظر الحكم كما اعتدت دائماً أن أنتظره، وأنا جالسة على هامش الهامش هذه المرة.

ثم رأيت شيئاً لم أخطط له بوضوح، لكنه كان منطقياً بشكل مؤلم حين نظرت إليه لاحقاً، فالكتاب هو الرمز الأكثر كثافة لرأس المال هذا، رسالة صامتة تقول: أنا هنا، وأنا أعرف، وأنا أستحق. وحين بدأت أهدي الكتب خرج الأمر من دائرة الهدية البسيطة أو الاقتراح إلى شيء آخر لم يكن لدي اسم له في البداية. كنت أُهدي جزءاً مما جعلني أستحق أن أكون، أضعه على الطاولة بين يدي الآخر-الأخرى وأقول بطريقة لا تُقال بالطبع خذ-ي هذا وابقَ-ي.

أتذكر الأعمال الكاملة لفاضل العزاوي جيداً، جزآن بـ(هارد كفر) أرهقا محفظتي قبل أن يُرهقا جسدي. اشتريتهما من مكتبة كنت أدرك أن ثمنهما سيجعلني أُغيّر مسار مَشيي وأُعيد حساب أموالي أكثر من مرة أثناء خروجي، وسأتجنب بعض المقاهي، وأُؤجل أشياء كنت أؤجلها أيضاً وكتب كانت ستساعدني معرفياً في مصدر دخلي الوحيد من الكتابة، هذا الوضع الاقتصادي الهش أيضاً لم يجعل من الكتاب مجرد هدية عادية تُشترى بسهولة وتوضع على طاولة، كان ثمناً حقيقياً دفعته من مكان ضيق ومع ذلك لم أتردد أو ربما ترددت قليلاً لثوانٍ ثم قررت أن التردد رفاهية لا أملكها الآن. لأن الكتاب كان استثماراً أُنفق فيه ما لا أملكه لأشتري ما لا أستطيع طلبة مباشرة، والمفارقة المؤلمة أن من كان يستقبل الكتاب لم يكن يرى كل هذا، حملتهما وذهبت مسرعة بخطوات أسرع من المعتاد كأن التأخر يخلق وقتاً للتفكير فيما أفعله الآن. اتصلت بصديقي الذي اشتريت له الأعمال الكاملة، كان ينتظرني في المقهى أمام كوب شاي معتاد لم أكن أعلم أنه يحب الشعر الحديث بصراحة ولم أسأل نفسي هذا السؤال، ما كنت أعلمه هو أنه حين أجلس أمامه يخف شيء ما في صدري، ذلك الثقل الذي يصعب تسميته ويصعب حمله في مدينة تجبركِ على الإحساس بأنك غير موجودة، وضعت الكتابين على الطاولة في حركة أردتها أن تبدو عفوية كهدية عابرة لا كشيء فكرت فيه، ابتسمت قليلاً وبدأت أصوره وهو ينزع الغلاف البلاستيكي عن الكتب مبتسمة ابتسامتي التي أُحافظ عليها عندما أُمرر كتاباً على الطاولة تلك الابتسامة التي تقول كل شيء إلا الحقيقة.

لم أقل له أنني اشتريت هذين الكتابين لأنني أحتاج سبباً يجعله يبقى، أو على الأقل سبباً يجعل لقاءنا التالي شبه مضمون. لم أقل له إن الكتابين كانا في الحقيقة سؤالاً مقنّعاً: هل ستبقى إن أعطيتك ما يكفي؟ وضعتهما ببساطة وانتظرت – كما اعتدت دائماً – أن تفعل الهدية ما لا تستطيع الكلمات فعله.

الهِبة فعلت ما أردت منها وخلقت مجموعة لقاءات امتدت لأسبوع كامل، وللوهلة الأولى شعرت أن هذا كافٍ قبل أن يختفي لثلاثة أيام، حينها وجدته صدفة يجلس في ذات المقهى الذي نرتاده، وخضت حديثاً عشوائياً معه، لكنني وعدته أن أشرح له عن بُنيوية أكلة البامية لدى رفعة الجادرجي، وقد يأتي سؤال ما علاقة مهندس معماري وفنان تشكيلي عُرف على أنه فيلسوف العمارة العراقية بأكلة البامية؟ وهذا بالضبط سبب تأجيلي الحديث حينها.

لكنني بدأت أفهم لاحقاً أن الالتزام الذي صنعتُه لم يكن يربطُني به، بل كان يربطني بحاجتي إليه. والفرق بين الاثنين أكثر إيلاماً مما يبدو عليه في البداية. فالحاجة لا تعرّف الشخص الذي أمامها، ولكنها تعرّف غيابه فقط، تُعرّف ذلك الفراغ الذي يتشكل حين لا يكون موجوداً، وأنا كنت طوال الوقت أُهدي كتباً لأملأ فراغاً لا علاقة له بالشخص ذاته تحديداً إنما ما يعنيه وجوده-ا، أن هناك من يراني، أن هناك طاولة أجلس عليها، ومكاناً في العالم يعرف اسمي الذي أحبه.

إن الالتزام الذي تصنعه الهِبة – عند موس – حقيقيٌّ كآليةٍ اجتماعيةٍ، لكنه لا يصنع اختياراً، إنما يجعل المغادرة أصعب لا سبب البقاء أعمق، وهذا الفرق الذي استغرق مني وقتاً طويلاً لأراه هو ما يجعل الهِبة في جوهرها فعلاً وحيداً، لأنها تنبع من خوف لا يعرفه الطرف الآخر، وتطلب شيئاً لا يستطيع إعطاءه لأنه لم يُسأل أصلاً، أنا أضع الكتاب على الطاولة وفي داخلي أسئلة، وهو يمد-تمد يده-ا شكراً ويرى-ترى هدية، وأنا في كل مرة كنت أضع كتاباً على الطاولة كنت أخلط بين الأمرين أحسب أنني أصنع علاقة، وأنا في الحقيقة أشتري وقتاً. والوقت المُشترى ليس وقتاً مهدى.

أتساءل أحياناً، إن كان ممكناً يوماً ما أن أُهدي كتاباً ببساطة، لا لأصنع خيطاً، ولا لأشتري وقتاً، ولا لأقول بطريقة ملتوية إبقَ-ي. أن أمد يدي بكتاب لأن الكتاب جميل فقط، لأن الشخص أمامي سيُحبه-تُحبه، لأن المسافة التي بيننا لا تحتاج جسراً. لكني لا أدري بعد إن كنت سأعرف كيف أفعل هذا، لا أعرف إن كان الكتاب سيغدو خفيفاً في يدي يوماً ما، وإن كانت يدي ستظل تبحث عن ثقله لتطمئن. ربما السؤال الحقيقي ليس متى سأُهدي كتاباً بلا خوف، لكن متى سأُصدق أن وجودي لا يحتاج إثباتاً، لا على طاولة في مقهى، ولا في جملة مكتوبة، ولا بين كتاب أضعه بين يدي شخص وأنتظر.