للمرة الثانية في غضون أسبوع واحد، أعلنت الكويت تفكيك خلية وإحباط هجمات إرهابية كان عناصر من حزب الله يخططون لشنها.
ويأتي ذلك في ظل استمرار هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول خليجية، بينها الكويت.
وأفادت وزارة الداخلية الكويتية، الأربعاء، بأن جهاز أمن الدولة “تمكن من إحباط مخطط لعملية إرهابية كانت تستهدف منشآت حيوية في الدولة”، موضحة أنه تم “ضبط 10 مواطنين من جماعة إرهابية تنتمي لمنظمة حزب الله الإرهابي المحظور، قاموا بالتخطيط المسبق والتنسيق مع جهات خارجية، والسعي للتخابر معها بهدف تزويدها بإحداثيات المواقع المستهدفة”.
وكانت الوزارة قد كشفت، الاثنين، عن تفكيك خلية تابعة لحزب الله اللبناني تضم 16 شخصاً.
وذكرت أن هذه الخلية متورّطة في مخطط منظّم يستهدف زعزعة أمن البلاد والإضرار بسيادتها، مشيرة إلى أن الخلية تضم 14 كويتياً ولبنانييْن.
ويقول الأكاديمي والباحث السياسي الكويتي د. عايد المناع إن تفاصيل الإعلان عن هذه الخلية (الاثنين) وما رافقها من صور ومعلومات، تظهر أنها كانت ستقوم بأعمال خطيرة، “خاصة في ظل ما تم ضبطه من أسلحة متنوعة تشمل رشاشات ومسدسات وبنادق وقذائف وقنابل وطائرات مسيرة”، معتبراً أأن هذا الأمر قد يوحي بوجود مخطط لعمليات قد تتضمن اغتيالات أو أعمال عنف وترويع.
وهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الكويت ودول خليجية أخرى تفكيك خلايا أو التصدي لنشاط كان يحاول حزب الله اللبناني أو مجموعات أو تنظيمات مماثلة القيام به على أراضيها، لكن تزامن الإعلان الكويتي مع استمرار الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية يثير المزيد من التساؤلات حول أهداف الخليتين ومخططاتهما.
حزب الله في الكويت
لم يكن إعلان وزارة الداخلية الكويتية عن تفكيك خليتين مرتبطتين بـ”حزب الله” حدثا معزولا أو طارئا، بل يندرج ضمن سياق تاريخي وأمني يمتد إلى سنوات مضت.
خلال سنوات الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، نسب إلى مجموعة لبنانية مرتبطة بإيران وحزب الدعوة العراقي شن هجمات على منشآت حيوية وسفارات أجنبية ومحاولة اغتيال أمير الكويت الأسبق الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح عام 1985، كما تذكر العديد من التقارير الصحفية الخليجية.
كما اتهم حزب الله في بداياته بالتورّط في عمليتي خطف طائرتين كويتيتين؛ الأولى عام 1984 حين أجبر أربعة مسلحين، بينهم مصطفى بدر الدين الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز قادته، طائرة على الهبوط في طهران للمطالبة بالإفراج عن موقوفين متورّطين في تفجيرات 1983. أما العملية الثانية فكانت في أبريل 1988، حين اختُطفت طائرة كويتية قادمة من بانكوك.
لاحقاً أيضاً، ارتبط اسم الحزب بـ”خلية العبدلي” التي أعلنت الكويت كشفها عام 2015 وبحوزتها كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر، كما ذكرت تقارير صحفية.
ويعتبر المناع ان تكرار الحديث عن تجنيد ايران او حزب الله لخلايا داخل دول خليجية يظل محل جدل، لافتا الى انه لا يحبذ تناول المسألة من زاوية طائفية، “رغم وجود من يستغل البعد العاطفي داخل بعض المجتمعات لتوجيه افراد واقناعهم بان ما يقومون به يندرج ضمن الدفاع عن الطائفة”، مشدداً في الوقت نفسه على أن هذا العامل قد “يدفع بعض الافراد للانخراط في أنشطة معينة بدوافع عاطفية، كما ظهر في قضية خلية العبدلي”.
أما بخصوص طبيعة عمل وأنشطة الخلايا التي أعلنت الكويت تفكيكها خلال الأيام الماضية، فيقول الخبير الأمني والاستراتيجي خالد الصلال إن “الخلايا المرتبطة بحزب الله في دول الخليج تعتمد على شبكات سرية تتشكل تدريجيا وبهدوء، وغالبا دون لفت الانتباه في مراحلها الأولى”.
“هذه الخلايا تبدأ عادة بتجنيد افراد بشكل فردي او عبر دوائر اجتماعية ضيقة، حيث يتم بناء الثقة قبل الانتقال الى اي نشاط منظم، مع احتمال وجود توجيه او ارتباط خارجي دون ظهور هيكل تنظيمي واضح داخل الدولة”، يضيف الصلال.
“نشاط مزمن”
في الثمانينيات ظهر في السعودية ما عرف حينها بـ”حزب الله الحجاز”، كما تشير العديد من التقارير الصحفية والبحثية الخليجية المتخصصة، وهو تنظيم تبنى النهج العقائدي ذاته المرتبط بحزب الله اللبناني والمنتمي الى مدرسة ولاية الفقيه.
وبرز اسم أحمد المغسل كقيادي بارز فيه، وارتبط اسمه بالعمليات المسلحة في السعودية خلال التسعينيات، ولاسيما “تفجيرات الخبر” عام 1996، والتي استهدفت مجمعا سكنيا لافراد من سلاح الجو الأميركي، واسفرت عن مقتل 19 عسكريا واصابة نحو 500 شخص،
وأدرجت الولايات المتحدة اسم المغسل ضمن لائحة اخطر المطلوبين لها، مع رصد مكافأة مالية مقابل معلومات تقود الى اعتقاله، وذلك قبل ان يتم توقيفه في بيروت عام 2015 ونقله الى الرياض بعد سنوات من التخفي.
وفي الإمارات، أعلنت السلطات خلال السنوات الماضية، توقيف لبنانيين وآخرين بتهم تتعلق بالانتماء أو الارتباط بحزب الله.
وفي البحرين أعلنت السلطات في عام 2016 تفكيك مجموعة اتهمت بتأسيس كيان يحمل اسم “حزب الله البحريني”، مع توجيه اتهامات لأفرادها تتعلق بجمع الأموال والتخطيط لاعمال عنف.
وبعدها بعامين تقريبا، أعلنت السلطات إحالة 169 متهما الى المحاكمة بتهم تتصل بالتأسيس أو الانضمام الى تنظيم ارهابي والتدرب على استخدام الاسلحة والمتفجرات. واشارت السلطات البحرينية إلى تلقي هؤلاء الأشخاص دعماً وتدريبا من الحرس الثوري الايراني.
وعلى خلفية هذا الملف، صنّفت دول الخليج مجتمعة في 2016 حزب الله “منظمة إرهابية”.
وتقول الصحفية البحرينية عهدية السيد ان دول الخليج تمتلك القدرة على رصد تحركات مثل هذه التنظيمات، وتشير الى ان محاولات إيران تصدير الثورة منذ عام 1979 واجهت تحديات مستمرة، وان اي تحركات على هذا الصعيد تبقى محدودة التأثير في ظل قدرة الدول الخليجية على احتوائها.
ومن جهته، يؤكد المحلل السياسي مبارك آل عاتي ان هناك تحولا نوعيا في الاستراتيجية الايرانية تجاه دول الخليج العربي، خاصة في ظل التصعيد العسكري المباشر الذي تشهده المنطقة حاليا، موضحا ان “الكشف عن هذه الشبكات يجدد مخاوف عميقة حول حدوث اختراق”، ولافتا الى ان “مهمات هذه الشبكات التي تم الكشف عنها تشير إلى تجاوز النفوذ الايراني مرحلة القوة الناعمة او البروباغندا الى مرحلة عملياتية مباشرة”.
خيارات الدول الخليجية
يقول آل عاتي إن “ما يعرف بالطابور الخامس يعد من القضايا المعقدة في السياق الخليجي، ويبرز غالبا في فترات التوترات الإقليمية”، مضيفاً ان الحكومات الخليجية تتعامل بجدية مع مسألة الولاءات الخارجية، وان “بعض التحليلات تشير الى سعي ايران لبناء نفوذ عبر القوة الناعمة او من خلال استغلال بعض المظالم الاجتماعية والسياسية، ولافتاً إلى ان ما يعرف بالخلايا النائمة من أفراد أو مجموعات قد لا تنشط حاليا لكنها تبقى جاهزة للتحرك عند التصعيد.
ويعتبر الصلال بدوره أن دول الخليج تعتمد في تعاملها مع هذه التهديدات على “منهج استباقي يقوم على كشف المخاطر في مراحلها المبكرة عبر الرصد والمتابعة الدقيقة، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل، وتعزيز قدرات الامن التقني ومراقبة استخدام المنصات الرقمية… فضلا عن التنسيق الخليجي”.
وشدد الصلال على انه “لا يمكن الحديث عن نفوذ ايراني واسع داخل الكويت او دول الخليج، لكن لا يمكن أيضاً إنكار وجود محاولات تأثير محدودة، غالبا ما تأخذ طابعا امنيا عبر بناء شبكات صغيرة او تجنيد افراد بشكل انتقائي، ويتم كشفها عادة في مراحل مبكرة قبل ان تتحول الى تهديد فعلي”.