أين المشكلة في أن يقتنع سنّي بالتشيّع؟ لا مشكلة على الإطلاق. أنا أصلاً أرى الانقسام المجتمعي بين المذهبين عارضٌ ومصطنع. بل إنني لا أرى أن هناك جماعة شيعية وجماعة سنيّة. الكل جماعة واحدة.
لنكن واضحين، الفرق العقائدي بين السنة والشيعة ليس موضوعاً عاطفياً. في الموقف العاطفي، السنة كلهم شيعة أهل البيت. لا يحتاج الأمر إلى فلسفة، تكفي مراجعة الثقافة الشعبية في بلاد السنة من الشيشان إلى إندونيسيا إلى المغرب.
لكن هناك فرق عقائدي كبير وعميق يتعلق بالإمامة والعصمة، أي باعتقاد الشيعة الإمامية أن هناك سلسلة من اثني عشر إماماً معصوماً، مرتبتهم فوق مرتبة النبوّة، يطلعهم الله على الغيب، ويوحي إليهم، ولهم الولايتان التشريعية والتكوينية، أي أنهم يتصرفون في الكون كله، بشمسه وقمره وأجرامه، (وحده آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله- رحمه الله- أنكر الولاية التكوينية). وأن آخرهم حيٌ يرزق منذ أكثر من 1200 سنة، وهو الذي يدير الكون.
هذه مسألة عقدية بحتة لا ينبغي أن تدخل في العلاقات بين الناس أو يكون لها علاقة بالسياسة وبالصواريخ التي تنهال على دول الخليج أو التصويت لمحمد رعد أو الموقف من حكومة نواف سلام.
التعمق في سير الأئمة
تعمقت شخصياً كثيراً في القراءة، وقرأت سيَر الأئمة الإثني عشر، وقرأت الأدلة على إمامة كلٍ منهم، الواحد تلو الآخر، ولماذا كانت الإمامة في نسل الحسين لا في نسل الحسن، ولماذا النجل الأكبر من كل إمام ما عدا جعفر الصادق، ولماذا كان أحد أبناء الإمام المعصوم يسمى إماماً معصوماً ويسمى أخوه كذاباً (أعني جعفر “الكذاب”، أخا الحسن العسكري وعم المهدي) أو أفطحَ (عبد الله بن جعفر الصادق، شقيق الإمام موسى الكاظم).
أثارت فضولي كثيراً سيرة الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، الذي توفي شاباً في الثامنة والعشرين، ولم يعرف معاصروه له زوجة أو ولدا. وقرأت بعقل منفتح كل الروايات عن ولادة إعجازية لطفل له يعتقدون أنه المهدي، أمه جارية من بلاد الروم اشتراها العسكري، واسمها نرجس أو مليكة، حملته ووضعته كما حملت العذراء المسيح ووضعته، في ليلة واحدة، ثم نطق في المهد، ورضع من إصبع والده، ولم يعرف الناس بولادته لأن الملائكة حملته إلى السماء، ثم استوى رجلاً قبل أن يتوفى الله والده بعد خمس سنوات. وقرأت سيَر السفراء الأربعة الذين قالوا إنهم كانوا يلتقونه في غيبته الصغرى، العمري الأول والثاني والنوبختي والسمري، وقرأت تواقيع كل منهم (الرسائل التي نسبوها إلى المهدي)، ولم أقتنع بشيءٍ من هذا. هذا شأني. لكن القصة تستهويني، ومن أراد أن يقتنع بها فهذا شأنه وحقه.
أسئلة عن تشييع عمرو واكد
لكن عندي مشكلة مع تشيّع عمرو واكد. ينقر الرجل نقرة في السياسة ونقرة في الدين، ويكرر المقولات المسبقة الصنع (pre-fab) التي ينتجها معمل الدعاية الإيرانية في المنطقة، لا سيما في فرعه اللبناني. ويظن أنه صاحب رأي.
مرّ على رأسي كثيرون مثله، من جيران وأصدقاء وشخصيات شبه عامة، وسمعت منهم المقولات نفسها بالنقطة والفاصلة، إلى الحد الذي يثبت أن مصدرها المعمل نفسه، عبر سلسلة من القياسات المنطقية المعلبة المليئة بالمغالطات.
– القياس الأول (قياس أيديولوجي سياسي):
- مقدمة كبرى: من يقف في مواجهة إسرائيل فهو على حق.
- مقدمة صغرى: إيران تقف في مواجهة إسرائيل.
- النتيجة: إيران على حق.
– القياس الثاني (إسقاط مذهبي):
- مقدمة كبرى: المذهب الذي يعادي إسرائيل هو المذهب الحق.
- مقدمة صغرى: إيران (المعادية لإسرائيل) تمثل الشيعة.
- النتيجة: الشيعة على حق.
– القياس الثالث (قياس مقابل):
- مقدمة كبرى: من يتحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل فهو على باطل.
- مقدمة صغرى: الدول السنية حليفة للولايات المتحدة.
- النتيجة: إذن السنة على باطل.
وهكذا تكتمل سلسلة الإقناع المعلب على النحو التالي:
أنا مع الحق => أنا ضد إسرائيل => أنا مع إيران => إيران مع أهل البيت => أنا مع أهل البيت => إذن أنا شيعي ولائي مع إيران.
في هذه السلسلة تختفي الأسئلة العقدية كلها، ويصبح المذهب نتيجة موقفٍ سياسي يستسهل البحث الديني ويقفز فوقه ويوظفه.
بعد ذلك تنشأ قضية دينية سياسية يستحضر فيها الطعن بالخلفاء الراشدين والصحابة، ويقَدّس حكام إيران، ويشَيطن حكام الدول العربية، وتنشأ على أساس ذلك الأيديولوجيا الدينية السياسية المؤسسة لمنظومة “البروكسي” الإيرانية في المنطقة، من “الحزب” في لبنان إلى الفصائل الولائية في العراق، إلى الحوثيين في اليمن، وتتشكل شبكات الموالين في دول المغرب العربي ومصر والجاليات المسلمة في أوروبا. وتجد إيران سبيلها إلى اجتراح الولاءات واختراق وحدة الدول الوطنية.
اسألوا أياً من متشيعي “حزب الله”، غالب أبو زينب مثلاً، كيف أتى إلى التشيع؟ أجزم أنه لم يبدأ بقراءة سيرة الحسن العسكري وقصة ولادة المهدي ومزاعم السفراء الأربعة، بل بدأ بعداء إسرائيل، فجرجروه إلى أيديولوجيا دينية- سياسية موالية لحكم آيات الله، كما جرجروا شيعة لبنان، وكما يجروجرون عمرو واكد.
يصلح عمرو واكد نموذجاً لفهم توظيف التشيع في خدمة النظام الحاكم في إيران، بقدر ما يظن ذلك النظام أن الله وظفه في خدمة التشيع.
مجدداً، لا أرى مشكلة في أن يقتنع أيٌ كان بالإمامة والعصمة وقصة ولادة المهدي وغيبته والسفراء الأربعة. المشكلة أن يوظف ذلك لخدمة مشروع توسعي إقليمي يتداخل فيه السياسي- العاطفي بالديني- الأيديولوجي، نعرف أين يبدأ ولا نعرف أين ينتهي.
لا مخرج من ذلك إلا بفصل المذهب عن السياسة والمحاور الإقليمية، وليركن كلٌ إلى دولته الوطنية. وليعتقد كل بما شاء. سنرتاح جميعاً.
*كتبت هذه المقالة ونشرت على حساب الزميل عبادة اللدن بتطبيق فيسبوك بعد الضجة التي أثارتها تصريحات الممثل المسرحي المصري عمرو واكد التي أثارت جدلاً واسعاً حيث أشيع إعلان تشيعه.
اساس ميديا
