تمرّ اليوم هذه العلاقة، التي استمرّت وأثمرت انتخاب “الحزب” لعون رئيساً بعد خلوة الساعتين الشهيرة، بأسوأ مراحلها. بين الجانبين تبادل اتّهامات بالمسؤوليّة عمّا آلت إليه الأوضاع في لبنان. اتّهامات يقول العارفون بالكواليس السياسيّة والدبلوماسيّة الدوليّة إنّها ستجعل ترميم العلاقة بينهما بعد الحرب أمراً شبه مستحيل.
مسؤوليّة عون الكبرى: النكث بالعهود
لم يصل قائد الجيش جوزف عون إلى الرئاسة بالصدفة. بل جاء، كما شهد لبنان والعالم، تحت ضغط دوليّ هائل جعله رئيس الأمر الواقع بعد حرب شرسة على لبنان. وصل عون إلى بعبدا على سجّادة من الوعود بالمليارات الجاهزة لدعم لبنان وجنوبه، شرط تطبيق القرارات الدوليّة.
عند وصوله، ضرب على صدره وقال عن الحوار مع “الحزب”: “عندي”. هكذا يبدأ زوّاره الحديث عن العهد المزدهر الذي وُعد به اللبنانيّون، انطلاقاً من خارطة طريق وضعتها العواصم المعنيّة بالملفّ اللبنانيّ وتعهّد عون بتنفيذها، بحيث يصبح لبنان أولويّة دوليّة تتقدّم حتّى على ملفّات المنطقة الأخرى.
في بداية العهد، بدا “الحزب” مرتاحاً لأداء القصر الجمهوريّ، خصوصاً في ملفّ السلاح. بينما كانت كواليس “الحزب” تتحدّث عن ضمانات أن يُعالَج هذا الملفّ ضمن استراتيجية دفاعيّة “تليق” بخطابه كانت الكواليس الدوليّة تشهد بداية تشكُّك في بطء بعبدا في التعامل مع هذا الملفّ.
بدأ الموفدون الدوليّون، بدءاً من مورغان أورتاغوس، بالعمل على تنفيذ خارطة الطريق. وكانت أولى ثمارها في آذار العام المنصرم إطلاق خمسة أسرى لبنانيّين من إسرائيل كعربون حسن نيّة لبدء مسار التفاوض على تثبيت وقف إطلاق النار. ومنذ ذلك الحين بدأ كلّ شيء يتدحرج.
مواقف متناقضة
في المقابل، بدت مواقف القصر الجمهوريّ في كثير من الأحيان متناقضة، حتّى بدأ “الحزب” يلمس ما وصفه بـ”ازدواجيّة في الخطاب”. وعند سؤال قياداته أو المقرّبين منهم عن الحوار الذي تحدّث عنه الرئيس في بداية عهده، كان الجواب: “لم يتحاور معنا”.
لم تتجاوز صلة الوصل بين بعبدا وحارة حريك، بحسب هؤلاء، تبادل رسائل مكتوبة كان ينقلها أحمد مهنّا من مستشار الرئيس أندريه رحّال إلى رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمّد رعد. اقتصرت تلك الرسائل على نقل التهديدات الخارجيّة في حال عدم تسليم السلاح، من دون أن تتضمّن أيّ تصوّر سياسيّ أو خريطة عمل.
عند سؤال قيادات “الحزب” عن مسألة السلاح، كانوا يجيبون: “أين خارطة الطريق والضمانات التي يعمل عليها الرئيس؟”.
اللافت أنّ العاملين على هذه الخارطة كانوا يتحدّثون فعلاً عن ضمانات يريدها “الحزب” للوصول إلى حصر السلاح ضمن استراتيجية وطنيّة لا الاكتفاء بنقاش نظريّ فيه. بل إنّ خليّة العمل الأولى كانت قد بدأت فعلاً العمل على هذه البنود. المفارقة أنّ هذه البنود نفسها عاد النائب محمّد رعد ووضعها ضمن قائمة الضمانات التي يطالب بها “الحزب” بعد انتهاء الحرب الحاليّة.
في 26 أيّار من العام الماضي، زار النائب محمّد رعد بعبدا على رأس وفد من “الحزب”، في ذروة التصعيد السياسيّ الداخليّ والمطالبة بتحرّك رئاسيّ في ملفّ السلاح. يومها خرج الوفد بانطباع واحد: كانت الزيارة “فاشلة” بكلّ المعايير.
يقول مقرّبون من قيادات “الحزب” إنّ رعداً فوجئ بغياب أيّ اقتراح جدّيّ يمكن البناء عليه. منذ ذلك الوقت، بدأت سبحة التناقضات في مواقف بعبدا.
تأجيل إثارة الملفّ
بعد ذلك بفترة، كشف النائب حسن فضل الله عن اتّفاق كان قد حصل بين “الحزب” وعون قبل وصوله إلى بعبدا، وتحديداً قبل خلوة الساعتين بين جلستَي الانتخاب. يقضي الاتّفاق بعدم إثارة ملفّ السلاح لمدّة عام كامل، أي إلى ما قبل الانتخابات النيابيّة.
تقول مصادر “الحزب” إنّه بعد هذه الحرب لن يكون هناك مسار مشترك بين الحزب” والرئيس عون
دفع هذا التصريح، الذي فتح باباً واسعاً من الأسئلة، بعبدا إلى الردّ عبر “المصادر”، ونفي كلام فضل الله بحجّة أنّ القصر لا يعلّق على كلام يصدر من هنا أو هناك. منذ ذلك التاريخ، وتحديداً في 30 أيلول الماضي، بدأ العهد ينكشف أمام “الحزب” كما أمام الدول التي رعت انتخابه. ومن هناك بدأ تكريس التراجع.
تقول مصادر دبلوماسيّة إنّ الأداء “الجيّد” لرئيس الحكومة نوّاف سلام، ومحاولته إنقاذ المآزق المتلاحقة منذ قرارات آب الحكوميّة حتّى الأمس القريب، لم يكن كافياً لمنع انكشاف لبنان أمام حرب إسرائيليّة جديدة. قرّرت إسرائيل، بحسب هذه المصادر، أنّ الدولة اللبنانيّة لم تقُم بما كان متوقّعاً منها، وأنّ فرصة التغيير من الداخل لم تُغتنم.
لذلك تقول مصادر “الحزب” إنّه بعد هذه الحرب لن يكون هناك مسار مشترك بين الحزب” والرئيس عون، الذي يتحمّل في نظرهم مسؤوليّة الحرب بالقدر نفسه الذي يحاول أن يلقيه على “الحزب”.
“الحزب”: فقدان الشّرعيّة وحكم العقيدة
لا يمكن قراءة مسار الحرب في لبنان من زاوية واحدة. كما تُطرح مسؤوليّة العهد، يبرز في المقابل مسار موازٍ يتعلّق بخيارات “الحزب” نفسه، وبالتحوّلات التي طرأت على دوره داخليّاً خلال السنوات الأخيرة.
“الحزب” الذي بنى شرعيّته لعقود على عنوان مقاومة إسرائيل، وجد نفسه تدريجاً أمام تحدّيات داخليّة تتعلّق بهذه الشرعيّة، مع انتقاله من موقع المواجهة مع العدوّ الخارجيّ إلى لاعب أساسيّ في توازنات الداخل، واحتفاظه في الوقت نفسه بقرار عسكريّ مستقلّ عن الدولة ودخوله في حروب أكبر من لبنان.
السّير بين الألغام
لأنّ “الحزب” يملك شرعيّة شعبيّة في تمثيل بيئته من خلال نوّابه ووزرائه، يقول المقرّبون من بعبدا إنّ “الرئيس كمن يسير بين الألغام منذ بداية العهد، وبالتالي لم تكن تحذيراته من خطر الانزلاق إلى مواجهة داخليّة، ومن احتمال حصول صدام بين الجيش و”الحزب”، مواقف سياسيّة عابرة وحسب. بل عكست، وفق متابعين لحركته، إدراكاً لحجم التوتّر الكامن في بنية النظام اللبنانيّ، في ظلّ وجود سلاح خارج إطار الدولة، مقابل مؤسّسة عسكريّة تتحمّل مسؤوليّة الاستقرار الداخليّ”.
مقابل هذا الحذر الذي حكم مسار عون، لم يُظهر “الحزب” استعداداً فعليّاً لإعادة النظر في موقعه ضمن معادلة الدولة، بل بدا متمسّكاً بمنطق يعتبر السلاح جزءاً من توازن أوسع يتجاوز الداخل اللبنانيّ. هذا ما انعكس بشكل مباشر على تصدّع العلاقة مع بعبدا التي كانت تتعرّض لضغط خارجيّ شديد، وكانت تطلب من “الحزب” “تقديم أيّ شيء ليستطيع القصر إسكات الأصوات الخارجيّة التي تضغط عليه”.
خرج اليوم هذا التوتّر من الإطار النظريّ. يقول المقرّبون من القصر إنّ الدليل على الخلل الداخليّ برز في مواقف علنيّة لقيادات في “الحزب”، كان أبرزها ما أعلنه المسؤول محمود قماطي، الذي وصف الحكومة بـ”حكومة فيشي”، واتّهمها بالخيانة، ملوّحاً بمحاسبتها بعد انتهاء الحرب.
شكّل هذا الخطاب، الذي أعاد إلى الواجهة مفردات التخوين والانقسام الداخليّ، مؤشّراً إلى مستوى التصعيد السياسيّ الذي رافق المواجهة العسكريّة، وطرح في الوقت نفسه تساؤلات عن حدود الخلاف الداخليّ وإمكانيّة ضبطه. وانطلاقاً من هنا يقول المقرّبون من بعبدا إنّ الرئيس يصرّ على مرجعيّة الدولة، وعلى أنّه بصفته رئيساً للبلاد كما ينصّ الدستور منوطةٌ به مسؤوليّة التفاوض وإبرام الاتّفاقيّات الكبرى، وبالتالي يرفض أن يتولّى أيّ فصيل التفاوض عن الدولة، وتحديداً نتحدّث هنا عن “الحزب” أو حتّى الرئيس برّي الذي فاوض يوم كان القصر شاغراً.
بالتوازي مع الحسابات الداخليّة، يبرز عامل آخر أكثر عمقاً يتعلّق بطبيعة القرار داخل “الحزب” الذي يعلن التزامه العقائديّ بولاية الفقيه، ولم يُخفِ يوماً ارتباطه بمحور إقليميّ تقوده طهران. وهذا الارتباط، الذي كان يُقدَّم سابقاً كجزء من معادلة دعم المقاومة، بات يُطرح اليوم كعنصر مؤثّر في قرار الحرب والسلم.
إسناد إيران
يستشهد مقرّبون من القصر بذلك وقد تجلّى بوضوح في محطّات مفصليّة من الحروب التي جاءت في سياق أحداث إقليميّة كبرى. بدت واضحة اليوم من خلال إطلاق الصواريخ ثأراً لاغتيال المرشد الإيرانيّ علي خامنئي، في خطوة هي تجاوز للحسابات اللبنانيّة المباشرة.
في هذا الإطار، لا يعود النقاش مقتصراً على ازدواجيّة الدولة، بل يتّسع ليشمل ازدواجيّة القرار نفسه: بين دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها وحدود قرارها، وتنظيم يحتفظ بهامش مستقلّ يرتبط باعتبارات عقائديّة واستراتيجيّة أوسع. وعليه، لا تبدو الحرب التي يعيشها لبنان اليوم مسؤوليّة طرف واحد، بقدر ما هي حصيلة مسار متكامل من الإخفاقات المتبادلة، رئيس حالت وقائع كثيرة دون تحويل وعوده إلى سياسة واضحة وقابلة للتنفيذ، و”الحزب” لم يقبل بأن يتحوّل إلى جزء من الدولة إلّا بشروطه، ولو على حسابها.
بين الاثنين، سقطت الدولة ووجد لبنان نفسه مرّة جديدة يدفع ثمن شراكة غير معلنة: شراكة في الحرب، وشراكة في الأثمان.
اساس ميديا
