حين استيقظ كثيرون على أخبار الضربات الأميركية ضدّ إيران، لم يكن المشهد جديدًا تمامًا على من يقرأ التاريخ بعين فاحصة. المؤرّخ الألماني، بيرند غراينر، أحد أبرز الباحثين في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، وصف ما شعر به حين بلغه الخبر بأنّه أشبه بارتجاع زمني، مشهد مكرّر في فيلم طويل من الغطرسة والوهم الذاتي بدأ فصله الأوّل منذ خمسينيات القرن الماضي ولم يُسدل الستار عنه بعد. قمنا في “ضفة ثالثة” بنقل أهمّ الأفكار التي تحدث بها هذا الباحث المخضرم في العلاقات الخارجية في حوار له نشر مؤخرًا في صحيفة “دير شبيغل” الألمانية.
لا يمكن فهم ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران بدون العودة إلى ما يصفه غراينر بـ”الانفجار الأوّل”، أي الانقلاب الذي دبّرته وكالة الاستخبارات المركزية عام 1953 ضدّ رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق. كان مصدّق أوّل رئيس حكومة منتخب ديمقراطيًا في تاريخ إيران الحديث، وكانت جريمته في عيون واشنطن ولندن أنّه أراد تأميم النفط الإيراني وأن ينأى ببلاده عن استقطابات الحرب الباردة. أُطيح به وجيء بالشاه محمد رضا بهلوي حاكمًا مطلقًا، وكانت تلك اللحظة، بحسب غراينر، بذرة الإسلام السياسي المعاصر والنقطة التي انطلقت منها مشاعر العداء للغرب في إيران.
نجح الشاه لفترة في إخفاء الاحتقان الشعبي خلف واجهة من التحديث الاقتصادي والانفتاح على النموذج الغربي. لكن حين تعثّر الاقتصاد وبدأ الناس يرون في حاكمهم مجرّد وكيل أميركي، انهار كلّ شيء. في عام 1979 جاءت ثورة آية الله الخميني، وصار الشعار الجديد هو شيطنة أميركا واعتبارها العدوّ الأكبر. لكنّ واشنطن، بدلًا من أن تبحث عن مسارات دبلوماسية مع النظام الجديد مهما بدا صعبًا، لجأت إلى سياسة عقوبات صارمة أسهمت في تصلّب الأوضاع الداخلية في إيران، وأغلقت أبواب التفاوض حول ملفّات كان يمكن أن تُحلّ سياسيًا كدعم حزب الله والبرنامج النووي. لا يعني هذا بالطبع أنّ واشنطن تتحمّل المسؤولية وحدها عن المأزق في المنطقة، لكنّ تجاهل دورها التاريخي يجعل أيّ قراءة للحاضر ناقصة.
ما يراه غراينر أكثر إثارة للقلق هو التشابه بين ما يحدث اليوم وبين حرب العراق عام 2003 في عهد جورج بوش الابن. في الحالتين، كانت هناك رغبة في إعادة رسم خريطة الخليج وفق المصالح الأميركية، وتصفية خصوم إسرائيل دفعة واحدة، وإرسال رسالة ترهيب إلى بقية العالم مفادها أنّ من يتحدّى واشنطن يخاطر بوجوده. وفي الحالتين، كان هناك إغراء باستعراض القوة العسكرية واستخدام الحرب كمختبر لأسلحة المستقبل وتكتيكاته. لكنّ تجربة العراق، التي أنفقت فيها أميركا مئات المليارات ونشرت قوّات برّية هائلة من دون أن تحقّق تغيير النظام الذي أرادته، كان ينبغي أن تكون درسًا كافيًا. غير أنّ المؤسسات نادرًا ما تتعلّم من أخطائها، كما يقول غراينر، وإغراء استعراض القوّة يظلّ أقوى من أيّ ذاكرة مؤسسية.
| غراينر يرى أنّ ترامب كان منذ البداية سياسي قوّة فجًّا لا تحكمه مبادئ بل فرص |
ثمّة فارق جوهري بين 2003 واليوم يجعل الصورة أكثر قتامة. في ذلك الوقت، كانت أميركا لا تزال في ذروة هيمنتها. أمّا اليوم فإنّ المؤشرات الاقتصادية والعسكرية تقول إنّها قوّة عظمى في طور التراجع أمام صعود الصين. والقوى العظمى في مراحل أفولها تميل تاريخيًا إلى العنف المفرط، في محاولة يائسة لإنقاذ ما لم يعد قابلًا للإنقاذ. هذه ليست نظرية بل نمط تاريخي متكرّر. والمشكلة أنّ في البيت الأبيض اليوم رجلًا يجسّد هذا النمط بشكل حادّ، رجل يعتقد أنّ بإمكانه تطويع العالم بأدوات الإكراه.
يصف غراينر أسلوب ترامب بأنّه “أسلوب زعيم مافيا”: ابتزاز وتخويف وحصار ثمّ فرض الإرادة. الرسالة التي يريد إيصالها لا تقتصر على طهران، بل تمتدّ إلى بكين وموسكو وكلّ من قد يفكّر في تحدّي واشنطن. وحتى بوش الابن، على كلّ ما يمكن أن يؤاخَذ عليه، لم يكن يمتلك هذا النوع من جنون العظمة. بوش كان يتحدّث عن نشر الحرّية والديمقراطية في العراق، وحتّى لو كانت تلك الشعارات واجهة أيديولوجية، فإنّها كانت تفترض حدًّا أدنى من الاعتبار للشعوب. ترامب لا يكلّف نفسه عناء التظاهر. الشعب الإيراني لا يعنيه في شيء، كما يرى غراينر. ما دفعه إلى الحرب هو حسابات أبسط وأكثر فجاجة: إيران في لحظة ضعف، والفرصة مواتية لتوجيه ضربة قاضية لها، وربّما لتصفية خصوم آخرين كحزب الله وحماس والحوثيين في اليمن بالتبعية، ثمّ إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحه الشخصية.
وحين يتحدّث ترامب عن تحويل غزّة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” في مقطع فيديو أُنتج بالذكاء الاصطناعي، فإنّ المشهد يكشف طبيعة الرجل أكثر ممّا يكشف رؤيته الاستراتيجية. غراينر يقول إنّ فهم ترامب يستحيل بأدوات التحليل الجيوسياسي التقليدي، لأنّه ليس رجل دولة يخطّط لعقود، بل رئيس “عشيرة كليبتوقراطية” (وتعني حكم اللصوص) يطارد الأرباح القريبة من دون أن يعبأ بالعواقب البعيدة. وما يفعله اليوم هو في الحقيقة تصريح مفتوح لبوتين بتصعيد هجومه على أوكرانيا، ولشي جين بينغ بابتلاع تايوان. أمّا حلفاء واشنطن التقليديون في الناتو وأوروبا الغربية فلا وزن لهم في حسابات رجل لا يؤمن بالتحالفات إلّا بوصفها أداة إخضاع. يستدرك غراينر قائلًا إنّ تجاوز ترامب لقرار صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، الذي يُلزم الرئيس الأميركي بالحصول على موافقة الكونغرس قبل أيّ عمل عسكري، لا يمكن تفسيره وحده بأنّه مؤشر على نزعة استبدادية، لأنّ كلّ الرؤساء الأميركيين منذ صدور ذلك القرار تجاوزوه من دون أن يحاسبهم الكونغرس. المؤسسة التشريعية الأميركية تخلّت طوعًا عن هذه الصلاحية ولم تضغط يومًا لتفعيلها، وترامب في هذه النقطة بالذات يسير على خطى أسلافه.
لكنّ ما يميّزه هو أنّه لم يكن يومًا انعزاليًا تحوّل فجأة إلى تدخّلي، كما يروّج بعض المحلّلين. غراينر يرى أنّ ترامب كان منذ البداية سياسي قوّة فجًّا لا تحكمه مبادئ بل فرص، يتحرّك حيث يرى ثغرة يمكن استغلالها، ولا يحكم سلوكه سوى الرغبة في الهيمنة والترهيب. أمّا حجّة أنّ الحرب وسيلة لصرف الأنظار عن مشكلات داخلية، فلا يجدها غراينر مقنعة، مستندًا إلى أنّه لا يعرف حربًا واحدة في تاريخ الولايات المتحدة الممتدّ على 250 عامًا شُنّت لأسباب داخلية، بل إنّ كثيرًا منها خيضت ضدّ رأي عامّ معادٍ للحرب صراحةً.
يبقى السؤال عمّا إذا كانت هذه الحرب قد تفضي في نهاية المطاف إلى نتيجة إيجابية، خصوصًا أنّ كثيرًا من الإيرانيين في المهجر، بمن فيهم مقيمون في ألمانيا، عبّروا عن ترحيبهم بالضربات وأملهم في أن تفتح الباب لتغيير سياسي داخلي. غراينر يتفهّم هذه الآمال لكنّه يراها سابقة لأوانها. نظام الملالي يملك بنية سلطوية متينة وجهازًا قمعيًا لا يُستهان به، في حين أنّ واشنطن لم تقدّم أيّ تصوّر واضح لما بعد الضربات: مع من ستتعاون؟ من سيملأ الفراغ؟ من سيضمن استقرار نظام بديل؟ لا إجابات، باستثناء الرهان على الشاه ريضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، كواجهة رمزية لا يبدو أنّ خلفها مشروعًا حقيقيًا.
وفي هذا السياق، يصف غراينر ردّ فعل القوى الأوروبية الكبرى بأنّه مشهد محزن. فرنسا وبريطانيا وألمانيا تمنح ترامب حرّية التصرّف خوفًا من عقوبات اقتصادية كالرسوم الجمركية، في وهم أنّ الانصياع سيهدّئ غضبه. لكنّ أوروبا بهذا الصمت تبدّد أثمن ما تملكه: تجربتها التاريخية في احتواء النزعات القومية، واستعدادها لتقاسم السيادة، والتزامها بنبذ العنف في العلاقات الدولية. هذا الرأسمال السياسي الذي بنته القارّة على أنقاض حربين عالميتين يُهدر اليوم في صمت جبان قد يرتدّ عليها في وقت قريب.
ما يطالب به غراينر واضح وصريح: على أوروبا أن تعلن بلا مواربة أنّ ما تشنّه الولايات المتحدة ضدّ إيران حرب عدوان مخالفة للقانون الدولي. إذا تأخّر هذا الاعتراض أو لم يأتِ أصلًا، فلن يبقى شيء لا يمكن قبوله. والسكوت عن المطالبة بالحدّ الأدنى من التعامل المتحضّر في العلاقات الدولية ليس حصافة دبلوماسية بل استسلام ذاتي، سيقرأه ترامب نفسه علامة ضعف، وسيشجّعه على مزيد من التجاوزات.
في نهاية المطاف، ما يقدّمه غراينر ليس مجرّد تحليل لحدث عسكري عابر، بل قراءة لنمط تاريخي عنيد: قوّة عظمى تتخبّط بين أمجاد الماضي وقلق المستقبل، وقيادة لا ترى في العالم سوى ساحة لفرض الإرادة، ومنطقة كالشرق الأوسط تدفع الثمن مرّة بعد مرّة لأنّ أحدًا في واشنطن لم يتعلّم شيئًا من الدروس التي خطّها التاريخ بالدم.