الإيرانيات بطلات 2022… يتحدين 43 سنة من الاضطهاد الفكري والجنسي والاجتماعي  المصدر: النهار العربي نورا عامر

 المصدر: النهار العربي
نورا عامر
متظاهرون إيرانيون

“نساء إيران… بطلات عام 2022“، هكذا وصفت مجلة “تايم” الأميركية الإيرانيات اللواتي يقدن النضال من أجل التغيير. وفي بلد لطالما كان صوت الرجال طاغياً، نزعت آلاف النساء غطاء الخوف عن رؤوسهن وأطلقن شعرهن في الهواء وغنّين ورقصن، للمطالبة بحياة تليق بهن. فللمرة الأولى في إيران، تتصدر النساء المشهد السياسي بعدما نفد صبرهن على “رجال العمائم” الذين يتحكمون بلباسهن وسفرهن وعملهن.

امرأة، حرية، حياة”، كلمات تحولت شعاراً للاحتجاجات التي اجتاحت إيران على خلفية مقتل الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني (22 سنة) على يد “شرطة الأخلاق”. وفي 13 أيلول (سبتمبر)، في حوالي الساعة السادسة مساء، اعتقلت دورية شرطة أميني قرب محطة مترو “الشهيد حقاني” في طهران، بحجة عدم التزامها بقواعد اللباس المفروضة على النساء. ونُقلت من مركز الاحتجاز التابع لدورية الإرشاد إلى “مستشفى قصري” في طهران، بعدما ضربها عناصر الشرطة على رأسها 11 ضربة، إلى أن فقدت وعيها وسكت دماغها نتيجة نزيف حاد. هذا ما أفاد به تقرير الطبيب في المستشفى عند وصولها، قبل أن يستبدل بآخر مفبرك زعم أن الشابة توفيت جرّاء سكتة قلبية.

ليست مهسا أميني الضحية الوحيدة لتعنت النظام. كانت نيكا شكرامي البالغة 16 سنة تقيم مع خالتها الفنانة الإيرانية آتاش شكرامي في طهران، وغادرت منزلها في 20 أيلول (سبتمبر) للمشاركة في أكبر احتجاجات تشهدها إيران منذ سنوات. ولحماية نفسها من أي غاز مسيل للدموع قد تستخدمه السلطات، أخذت معها قطعة قماش وزجاجة ماء. ووقفت بملابسها السوداء فوق حاوية مقلوبة، وأخذت تلوح بحجابها الذي أضرمت به النيران، وسط هتافات “الموت للديكتاتور”. وفي صباح اليوم التالي، زعمت السلطات العثور على جثتها، ولم تسمح لوالدتها بالتعرف عليها إلا بعد 8 أيام.

أجج هذا القمع موجة من الكراهية تجاه النظام الديني، وبدلاً من أن يكون رادعاً، أطلق احتجاجات بلا قيادة يدفعها اختناق المواطنين في صمت. وفي وقت أظهرت الاحتجاجات معارضة النساء الإيرانيات لقوانين الحجاب الصارمة التي تتحكم بأجسادهن، لم يكن رفضهن للحجاب بقدر ما هو لما يجسده من نظام سياسي قمعيّ يتلطى خلف الدين ويحكم باسمه. وكانت الناشطة الإيرانية مسيح علي نجاد قد شبّهت مراراً الحجاب بـ”جدار برلين”، الذي إن تمكن النساء والرجال من اسقاطه، سيتبدد الحكم الاستبدادي وتسقط الجمهورية الإسلامية. وتحوّلت الاحتجاجات مصدر ألم وأمل في آن، فرغم أنها أدت إلى مقتل أكثر من 400 متظاهر حتى الساعة، رأى فيها البعض فرصة طال انتظارها لتفجير غضبه ورفع مطالبه التي كان تغيير النظام أبرزها.

شابة إيرانية خلعت حجابها، فتلقت زهرة مرفقة بملاحظة: “شكراً، أصبحت المدينة أكثر جمالاً بعدما أطلقت شعرك”.  

ولدى الإيرانيات مسيرة طويلة من النضال من أجل حقوقهن. وفي شتاء عام 2017، وقفت الشابة الايرانية فيدا موحد في شارع الثورة المزدحم وسط طهران وعلقت حجابها الأبيض على عصا، متحدية قواعد اللباس. فمثلت في الشارع لمدة ساعة، إلى حين ألقي القبض عليها لمخالفتها القانون. وسرعان ما اجتاح احتجاجها الصامت مواقع التواصل الاجتماعي. وبعد شهر، قامت الطالبة الإيرانية نرجس حسيني بالتحدي نفسه. وأطلق المزيد من النساء احتجاجات مماثلة، اتخذت اسم #TheGirlsofRevolutionStreet”“.

مع ذلك، ترى الناشطة الإيرانية الأميركية مريم ميمرصادقي أن هذه الاحتجاجات التي تستمر منذ 3 أشهر تختلف عن سابقاتها. وتؤكد لـ”النهار العربي” أن مطلب المحتجين واضح وهو إطاحة النظام، لا سيما بعد إدراكهم أن الفرصة الوحيدة للحصول على الحرية تكمن في تحقيق ذلك.

ورغم أن النظام يلجأ إلى قمعه المعتاد، تحدثت ميمرصادقي عن “صحوة الشعب، وعدم تخليه عن حلم الذين قتلوا”، لافتة إلى أن “هذا القمع جاء بنتائج عكسية، فبدلاً من نشر الخوف، حفز الروح المعنوية للإيرانيين وعزز وحدتهم وتصميمهم، فقادوا ثورة من أجل الليبرالية والعلمانية والإنسانية، يدعمها المغتربون بشدة”.

وعن مطالبة المتظاهرين بإسقاط النظام، أكدت ميمرصادقي أن “كل إيراني نزل إلى الشارع اليوم يؤمن بأن تحقيق ذلك بات الحل الوحيد أمامه، ويدرك أن الوعود بالإصلاح كاذبة”. ودعت قادة العالم إلى دعم الاحتجاجات “ليتمكن الشعب الإيراني من مواجهة تعنت النظام في الداخل وتحكمه بدول عدة مثل لبنان والعراق، ما يحول دون تحرر هذه الدول واستقلالها”.

وبعيداً من حصر هذه الثورة بتحرك نسوي، قالت الناشطة: “مباشرة بعد مقتل أميني، نزل الرجال إلى الشارع وهتفوا باسمها، ونادوها بشقيقتهم”، مشيرة إلى أن هذه التحركات إنسانية جمعت النساء والرجال معاً، في إشارة إلى هزيمة أيديولوجية النظام، التي لطالما عملت على تحجيم المرأة. ودعم رجال من مجالات مختلفة الاحتجاجات، إذ نشر عدد من لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم في منشور مشترك عبر “إنستغرام”: “شعر بناتنا مغطى بكفن”. وكتب مهاجم نادي باير ليفركوزن سردار آزمون في حسابه عبر “تويتر”: “إن كان هؤلاء مسلمين، فليجعل مني الله كافراً”.

لكن إلى أي حد يقف الإيرانيون مستعدين للتضحية من أجل رؤية مطالبهم الأساسية تتحقق؟ وحده الشعب قادر على تحديد ذلك لأنه هو الذي سيتعايش مع نتيجة أفعاله في الداخل. لكن المؤكد هو أن هذه التحركات تلقى صدى هائلاً حول العالم. وفي العراق وأفغانستان المجاورتين، حيث ينتشر العنف ضد المرأة، رفعت ناشطات لافتات تضامناً مع شقيقاتهن الإيرانيات. وترى النسويات في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في أوروبا وأميركا اللاتينية، التحركات في إيران رائدة في نضالاتهن. فلم يدرك المسؤولون الإيرانيون ولا الحكومات في مختلف أنحاء العالم التي انتهجت العداء للمرأة في سياستها، قوة فتاة تقف في الشارع وتطالب بأن تُترك وشأنها.

مع ذلك، يثبت اللجوء إلى اعدام متظاهرين أن نضال الشباب من أجل الحرية أصبح تهديداً حقيقياً للنظام، الذي لم يواجه قط قبل الآن معارضة واسعة وموحدة، تضم مختلف الطبقات والمستويات الاجتماعية والاقتصادية والأعراق التي وحدت قواها للمطالبة بما يتخطى الإصلاح الاقتصادي والسياسي: الحرية وتغيير النظام. ولا شك في أن الجيل الجديد استفاد من تطور التكنولوجيا، التي تعرف من خلالها على عالم يختلف عن ذلك الذي فرضه النظام الديني.

الحكومة الإيرانية تتعثر. وصعّبت طبيعة هذه الاحتجاجات على النظام الرد. وعلى عكس الاحتجاجات السابقة، لا يواجه النظام اليوم قادة يجب إسكاتهم، ولا مجموعات سياسية يجب سحقها. فربما بدأت هذه الانتفاضة اعتراضاً على انتهاك حقوق المرأة، لكنها على أرض الواقع نتجت عن تراكم 43 سنة من الاضطهاد الفكري والجنسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فلم تعد الوعود مجدية لإخماد الغضب العارم، ولم يعد الإيرانيون ينتظرون حل “شرطة الأخلاق” ولا تعديل قانون الحجاب الإلزامي، إنما تطمح موجة الاحتجاجات إلى اقتلاع النظام الديني من جذوره.