دمشق- أعاد المبعوث الأميركي توم براك النقاش الدولي إلى الواجهة حول إمكانية تحويل سوريا إلى محور استراتيجي لنقل الطاقة، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز على وقع الحرب مع إيران وما خلفه من تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي.
وخلال مشاركته في فعالية اقتصادية حول الطاقة عُقدت في واشنطن، أشار براك إلى أن الأراضي السورية قد تتحول إلى نقطة عبور لخطوط أنابيب تربط مناطق إنتاج الطاقة بأسواق الاستهلاك، في حال توفرت الظروف الملائمة لذلك، مؤكداً أن الفكرة ليست جديدة بالكامل، بل تعود إلى تصورات سابقة هدفت إلى جعل سوريا حلقة وصل بين الخليج العربي، بحر قزوين، البحر المتوسط، والبحر الأسود، بما يمنحها موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية على خريطة الطاقة الدولية.
وأوضح براك أن استثمار الموقع الجغرافي لسوريا في قطاع الطاقة يمكن أن يخفف الاعتماد على مضيق هرمز، الذي يمر منه حوالي 20 في المئة من الإمدادات النفطية العالمية، ويعكس القلق العالمي المستمر بشأن أمن إمدادات النفط والغاز في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
وشدد على أن الحديث عن سوريا كبديل محتمل يأتي ضمن إطار دراسة الفرص الاقتصادية، وليس على أساس تطبيق فوري، مشيراً إلى أن التحولات الأخيرة في الوضع الداخلي السوري فتحت الباب أمام التفكير في مرحلة جديدة تركز على استثمار الموارد الاقتصادية والبنية التحتية المتاحة.
تظل سوريا، من الناحية النظرية، خياراً استراتيجياً بفضل امتدادها الساحلي على البحر المتوسط وموقعها الجغرافي الذي يربط الشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية، وهو ما يجعلها محوراً محتملاً لتجاوز الممرات البحرية الحساسة في الخليج
ورغم هذه التصريحات والتصورات، لا يزال المشروع يواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع. فقد أدى التدهور الأمني والبنية التحتية المتضررة بفعل الحرب إلى صعوبة تنفيذ أي مشاريع كبيرة في قطاع الطاقة، فضلاً عن استمرار بعض العقوبات الدولية التي تشكل عائقاً أمام تمويل المشاريع العابرة للحدود.
كما تضيف التعقيدات الجيوسياسية، وتعدد القوى الفاعلة على الأرض السورية، مزيداً من الصعوبات أمام التوصل إلى توافقات إقليمية ودولية تمكن من تنفيذ أي خطط استراتيجية بهذا الحجم.
وتظل العلاقة مع القوى الإقليمية المجاورة – العراق، تركيا، وإيران – أحد العوامل الحاسمة التي قد تحدد مصير أي مشروع لنقل الطاقة عبر الأراضي السورية.
ومن منظور جيوسياسي، فإن سوريا تقع في قلب شبكة معقدة من المصالح المتضاربة، ما يجعل أي محاولة لإنشاء ممر طاقة استراتيجي بحاجة إلى توافقات دقيقة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فإيران، على سبيل المثال، التي تمتلك تأثيراً كبيراً في سوريا، قد ترى في المشروع تهديداً لمصالحها أو كأداة ضغط إضافية على الخليج، بينما تحتاج واشنطن وشركاؤها الأوروبيون إلى ضمان عدم استخدام خطوط الطاقة الجديدة كورقة ضغط سياسية أو أداة لنزاعات إقليمية.
وتستند فكرة استخدام سوريا كممر بديل لمضيق هرمز على موقعها الاستراتيجي، إذ تطل البلاد على البحر المتوسط، ما يجعلها نقطة وصول مثالية لربط موارد الطاقة في الشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية دون المرور بالممرات البحرية الحساسة.
ويُعد هذا الامتداد الساحلي ميزة كبيرة من الناحية النظرية، لكنه يواجه عقبات كبيرة على الأرض، بما في ذلك الحاجة إلى إعادة بناء الموانئ، شبكات النقل، وأنظمة التخزين والمعالجة. كما يشكل الدمار الواسع للبنية التحتية، الناتج عن سنوات الحرب، أحد أبرز التحديات التي تتطلب استثمارات ضخمة وجهود إعادة إعمار طويلة الأمد.
وليس هذا الطرح جديداً، فقد تداولت السنوات الماضية عدة مشاريع مشابهة لمد خطوط أنابيب عبر الأراضي السورية.
و من أبرزها مشروع لنقل الغاز من إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى الساحل السوري، إلى جانب مقترحات أخرى لنقل نفط الخليج عبر السعودية أو الإمارات العربية المتحدة ثم عبر الأردن إلى المتوسط. إلا أن هذه المشاريع بقيت حبراً على ورق بفعل تعقيدات سياسية وأمنية ومالية حالت دون تنفيذها، مما يجعل أي مشروع جديد يحتاج إلى رؤية واضحة، خطة تنفيذية دقيقة، ودعم دولي وإقليمي واسع.
ومن الجانب الاجتماعي، فإن أي مشروع استراتيجي يتطلب استقراراً داخلياً، وهو ما يواجه تحديات كبيرة بسبب التنوع المجتمعي في سوريا وتعدد الفصائل المسلحة، فضلاً عن آثار النزوح الداخلي والدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية الحيوية.
ووفق تصريحات براك، فإن دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة يمثل خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار الداخلي، وهو شرط مسبق لنجاح أي مشروع استراتيجي في مجال الطاقة.
وتشير تصريحات براك إلى أن الولايات المتحدة تراهن على استغلال الفرص الاقتصادية في سوريا بطريقة مدروسة، ضمن إطار ضمان استقرار البلاد ودمج الفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة، وإعادة بناء البنية التحتية، بالإضافة إلى التوافق مع المجتمع الدولي لتذليل العقبات السياسية والمالية.
ويرى مراقبون أن نجاح أي مشروع مستقبلي لنقل الطاقة عبر سوريا يعتمد على قدرة القيادة السورية على خلق بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمارات، إلى جانب ضمان توافق إقليمي ودولي يمنع أي استغلال سياسي أو عسكري للممر الجديد.
وتؤكد تصريحات توم براك أن سوريا قد تصبح خياراً استراتيجياً في خريطة الطاقة العالمية، لكنها تواجه عقبات جسيمة تتعلق بالواقع الأمني والسياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل الحديث عنها حالياً أكثر في إطار الدراسة والتحليل منه كخيار قابل للتطبيق الفوري.
وتبقى الأولوية لضمان الاستقرار الداخلي، دمج الفصائل المسلحة، إصلاح البنية التحتية، والتهيئة الاقتصادية والسياسية، قبل التفكير في تحويل الأراضي السورية إلى ممر فعلي لنقل النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز، ما يضمن فعالية المشروع واستدامته على المدى الطويل.
ويعكس الطرح الأميركي قلق واشنطن والمجتمع الدولي من استمرار التوترات الإقليمية وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، ويكشف عن حرص الولايات المتحدة على البحث عن حلول استراتيجية مبتكرة لضمان أمن الإمدادات، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية التي قد تحدد مستقبل أي مشروع في سوريا.
ويعطي هذا الطرح مؤشراً واضحاً على الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا مستقبلاً في خريطة الطاقة العالمية، شرط أن تتحقق الاستقرار الداخلي والتوافق الدولي والإقليمي الضروري لإنجاح أي مشروع استراتيجي بهذا الحجم.