“إيفيكول بلس” في طريقه إلى شمال سوريا.. هل يوقف تفشي “الكوليرا”؟  ضياء عودة – إسطنبول. الحره .نت

مناطق شمال غربي سوريا تعاني من نقص اللقاحات للحد من انتشار الكوليرا

تترقب مناطق شمال غربي سوريا وصول أولى دفعات اللقاح ضد “الكوليرا”، المرض الذي كان قد تفشى على نحو متسارع خلال الأشهر الأربعة الماضية، مسجلا عشرات آلاف الإصابات في مختلف أنحاء البلاد، بينما وصلت أعداد الوفيات إلى “منحى خطير” استدعى تحركا من منظمة “الصحة العالمية”، والمنظمات الطبية المسؤولة هناك.

وأوضح أطباء ومسؤولون في الرعاية الصحية لموقع “الحرة”، الأربعاء، أنه من المقرر أن تصل أكثر من مليون و700 ألف جرعة لقاح مخصصة إلى مناطق سيطرة المعارضة في شمال وشمال غربي البلاد، وذلك خلال اليومين المقبلين، على أن تبدأ حملة التطعيم للفئات العمرية من عام وما فوق.

واللقاحات المنتظرة من نوع “إيفيكول بلس” كورية الصنع، ويقول الطبيب، محمد سالم، مدير برنامج اللقاح في “وحدة تنسيق الدعم” إنها ستشمل بعض المناطق وليس جميعها في شمالي البلاد، حسب كثافة الانتشار وأماكن توزع الإصابات بالتحديد.

ويضيف سالم لموقع “الحرة” أنه “من المتوقع أن تصل الدفعة الأولى غدا أو بعد يوم غد. لا توجد كميات كافية ولذلك سنبدأ التطعيم في منطقة حارم بريف إدلب واعزاز في ريف حلب الشمالي”، مشيرا إلى أن التأخير في البدء بالحملة يعود إلى “تأخر التمويل اللازم”.

وتشير أرقام منظمة “الدفاع المدني السوري” إلى أن أعداد الوفيات بمرض “الكوليرا” في شمال غربي سوريا وصلت إلى 20 وفاة، والمصابين إلى 555 حالة إيجابية.

من جهته، أوضح فريق “منسقو الاستجابة في شمال سوريا” أن توثيق الإصابات بالمرض في المنطقة لا يزال مستمرا، وخاصة في مخيمات النازحين، بعد تسجيل أول إصابة، في نهاية أغسطس عام 2022.

وبلغ عدد الإصابات المشتبهة بمرض الكوليرا داخل مخيمات النازحين في سوريا أكثر من 6,893 حالة، مع وجود أكثر من تسع وفيات مرتبطة بالمرض، في حين تظهر الإحصائيات أن الفئات الأكثر تضررا هي الأطفال واليافعون ضمن المخيمات.

وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، لاحظ “منسقو الاستجابة” تزايد عدد الحالات المسجلة بالمرض، وخاصةً في مناطق عفرين والدانا وحارم، والتي تضم أعدادا كبيرة من النازحين على عكس باقي المناطق السورية التي شهدت انخفاضا ملحوظا في أعداد الإصابات وتحديدا المناطق الخاضعة تحت سيطرة النظام السوري.

وكانت مناطق سيطرة النظام قد شهدت توريد ملايين الجرعات من اللقاحات، قدمتها منظمة “الصحة العالمية”، بينما أظهرت سلسلة بيانات الأخيرة خلال الفترة الماضية أنها أكملت حملات التلقيح ليس في المحافظات السورية الخاضعة للأخير فحسب، بل في مناطق الحسكة والرقة ودير الزور وحلب، البؤر الأولى التي شهدت تفشي الكوليرا.

“المرتبة الأولى”

وفي حين ما زالت مناطق شمال غرب سوريا تنتظر حتى الآن توريد اللقاحات الخاصة بالكوليرا احتلت “المرتبة الأولى” في أعداد الإصابات، بـ37.738 حالة، وفق أرقام برنامج اللقاح في “وحدة تنسيق الدعم”، وحتى يوم السادس عشر من شهر يناير الحالي.

ولاقى تأخر وصول اللقاحات إلى مناطق الشمال السوري، في الأيام الماضية، انتقادات، بينما حذر فريق “منسقو الاستجابة” مما وصفها بـ”ازدواجية المعايير التي تقوم بها المنظمات الدولية اتجاه حقوق المدنيين” هناك.

وتحدث الفريق الإنساني أن “الازدواجية لوحظت من خلال إبطاء دخول المساعدات الإنسانية وخاصةً الطارئة والتي تتعلق بالقطاع الطبي في المنطقة”.

لكن في المقابل تقول “منظمة الصحة العالمية” إنها تتبنى نهجا متعدد القطاعات للسيطرة على تفشي المرض في سوريا، من خلال زيادة قدرات رصد الحالات وإجراء الاختبارات، وتدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتوصيل السوائل الوريدية وأطقم معالجة الكوليرا الأخرى.

وسبق وأن تحدثت الدكتورة، شيرين النصيري، مسؤولة بوحدة الوقاية من مخاطر العدوى والتأهب لها بالمكتب الإقليمي للمنظمة لشرق المتوسط عن “خمسة تحديات”، تشمل “عدم توفر مختبرات الأحياء الدقيقة في بعض المحافظات، وضعف خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، والنظام الصحي الهش الذي يؤثر على الخدمات الصحية”.

وتتعلق تحديات أخرى بـ”محدودية الوصول إلى بعض المناطق بسبب الصراع و/أو انعدام الأمن، بما في ذلك داخل المخيمات”، إلى جانب “التأخير في الإبلاغ عن الحالات اليومية ما يؤدي إلى عدم وضوح الصورة الوبائية”.

يرتفع خطر الإصابة بالكوليرا عندما يُرغِم الأشخاص على العيش في أماكن مزدحمة

هل توقف تفشي المرض؟

وكان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، قد عزا سابقا تفاقم الزيادة في الحالات المصابة بالكوليرا بـ “النقص الحاد في المياه في جميع أنحاء سوريا، بسبب انخفاض منسوب المياه في نهر الفرات والظروف الشبيهة بالجفاف”.

وذكر أن شركاء “منظمة الصحة العالمية” في المجال الإنساني يواجهون نقصا في الإمدادات للتصدي للكوليرا، “مثل الأدوية والمياه والصرف الصحي ومستلزمات النظافة”.

ورغم أن التطعيم باللقاحات قد ينعكس بالإيجاب على منحى تفشي المرض المتسارع في عموم المناطق السورية، إلا أن فعاليته لن تؤدي إلى القضاء عليه بشكل كامل، ولا سيما أن السبب الأساسي لظهوره يتعلق بتلوث مياه الشرب، وضعف البنى التحتية.

بدوره يوضح الطبيب السوري، رامي كلزي، أنه “من المتوقع أن تساهم اللقاحات في قطع سلسلة العدوى”، لكنه يضيف أن “مدتها ليست طويلة ولا تعطي مناعة طويلة المدى”.

ويقول كلزي لموقع “الحرة”: “هي على الأقل تقلل الإصابات قدر الإمكان وتقلل العناقيد التي تحصل فيها الإصابات، بحيث وعند تسجيل أي إصابات أخرى تكون محصورة في منطقة جغرافية معينة”.

ومن المقرر أن تستمر حملات التطعيم في شمال سوريا، بين شهر وشهرين، وبناء على فعالية وتقبل الناس للقاحات ستعود الجهات الطبية “لتقييم الأمر”، وفق كلزي.

ويشير الطبيب إلى أن “المنحى الوبائي مستقر. أحيانا تزيد الإصابات وفي أوقات أخرى تنقض. في المجمل الحالات على خط مستوي”.

من جهته، يضيف الطبيب محمد سالم، أن “فعالية اللقاح تصل إلى 85 في المئة حتى عمر 3 و5 سنوات”، وأنه “مفيد جدا للحماية من الإصابة الفردية، حتى يتجه المجتمع لتعزيز إمكانياته، فيما يتم العمل على زيادة قدرة الإصحاح البيئي، لإنجاز مشاريع البنية التحتية، وعزل مياه الصرف الصحي”.

وسجلت سوريا، عامي 2008 و2009، آخر موجات تفشي المرض في محافظتي دير الزور والرقة.

وبعد نزاع مستمر منذ 11 عاما، تشهد البلاد أزمة حادة، على وقع تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ما دفع الكثير من المواطنين للاعتماد على مياه شرب غير آمنة، وبالأخص من نهر الفرات.

وأوضحت الباحثة المختصة في الأمن الصحي والعلاقات الدولية بجامعة “أكسفورد”، سلمى الداودي، في حديث سابق لموقع “الحرة” أن “اللقاحات أساسية لاحتواء الوباء وحماية الشعوب، ومن الضروري الآن تأمين كميات وافية لمقاومة البكتيريا، لكنها، ومع ذلك، تعتبر حلولا جزئية مؤقتة”.

وأضافت أن “العامل الهيكلي الذي يساهم في تفشي المرض هو تلوث المياه، وانعدام الصرف الصحي في بعض المناطق”.

ويتطلب تأمين مياه الشرب النظيفة إصلاح البنية التحتية للمياه، بما في ذلك مرافق معالجة المياه وأنظمة الصرف الصحي، وفي حين أن المنظمات الإنسانية تشارك في الجهود المبذولة لإعادة تأهيل بعض محطات الضخ مؤقتا، فإن “أي حل طويل الأجل سوف يتوقف على تغييرات ملموسة في السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي”، وفق الباحثة.

وقالت: “نظرا لأن مصدر التلوث هو نهر الفرات بشكل أساسي، فهناك أبعاد إقليمية يجب مراعاتها أيضا. تسبب البناء المثير للجدل لبعض السدود وأنظمة الري الكبيرة في نقص شديد في المياه وتوترات متزايدة بين تركيا والعراق وسوريا”.

وعلى اعتبار أن انتقال الكوليرا يرتبط بكشل وثيق بقصور سبل إتاحة المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي وبضعف القدرات الصحية، فإن عدم التطرق لهذه الأبعاد قد يساهم في استمرار الوباء، كما هو مثلا الحال في اليمن، حسب الباحثة في الأمن الصحي.