خوشناف حمو . كاتب وناشط مدني
فن الصمت؟
في زمن تتكاثر فيه المنصات، أصبح الكلام سهلًا، وأصبح الصمت يُساء فهمه.
يُنظر إلى الصمت أحيانًا كضعف، وإلى الكلام كقوة بحد ذاته.
لكن في التجارب العميقة، لم يكن الصراع يومًا بين الصمت والكلام، بل بين الكلام في وقتهوالكلام في غير وقته.
الكلام أداة، مثل الصمت تمامًا.
كلاهما يمكن أن يحمي، وكلاهما يمكن أن يضر.
المشكلة ليست في التعبير، بل في سوء التقدير. فالكلمة التي تُقال بدافع الغضب قد تُغلقبابًا، بينما الصمت في لحظة مناسبة قد يفتح مسارًا كاملًا.
الصمت الواعي ليس انسحابًا، بل مراقبة.
هو إتاحة وقت للفهم، وجمع المعلومات، وقراءة موازين القوى.
كثير من الأخطاء الكبرى لم تكن نتيجة جهل، بل نتيجة استعجال في الرد. في السياسةكما في الحياة، أول من يتكلم غالبًا يكشف أوراقه.
أما الكلام الضروري، فهو ذاك الذي يأتي بعد التفكير، ويُقال بلغة محسوبة، ولغايةواضحة. ليس كل ما نعرفه يجب أن يُقال، وليس كل ما نشعر به يجب أن يُعلَن. الحكمة فياختيار ما يخدم الهدف، لا ما يرضي اللحظة.
في الحياة اليومية، يظهر هذا التوازن في تفاصيل بسيطة.
في تجنب السجالات العقيمة، في عدم الرد على الاستفزازات العابرة، في التمييز بينالنقاش المفيد والجدل الذي لا طائل منه.
الطاقة محدودة، ومن يعرف كيف يحافظ عليها يقطع مسافة أطول.
الصمت أيضًا يحمي المجتمع من الاستنزاف.
حين يتحول كل حدث إلى معركة كلامية، تضيع القضايا الحقيقية وسط الضجيج. أما حينيُدار الخطاب بهدوء، تصبح الرسائل أوضح وأقوى.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نُعيد الاعتبار لفن الصمت، لا كقيد على الكلام، بل كجزء منه. فالقوة ليست في كثرة ما يُقال، بل في دقة ما يُقال، وتوقيت قوله.