هل يتفاهم “الشعب” مع “الشعوب” في الانتخابات التركية؟ سمير صالحة. العربي الجديد

التحق الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي (التركي)، صلاح الدين دميرطاش، من سجنه في مدينة أديرنه بقافلة المعلنين أن تاريخ 14 مايو/ أيار المقبل، موعد الانتخابات التركية، النيابية والرئاسية، سيتحول إلى يوم رحيل حزب العدالة والتنمية وقياداته عن الحكم في البلاد. ولا يتردّد دميرطاش وحزبه في استغلال أية فرصة للتذكير بدورهما وثقلهما في رسم خريطة التوازنات والحسابات السياسية والحزبية التركية. هما محقّان حتماً، عندما نتابع تصريحات رئيسة حزب “إيي” القومي المحافظ، ميرال أكشينار، خلال زيارتها قبل أيام مدينة ديار بكر المحسوبة انتخابياً على حزب الشعوب الديمقراطي، وهي تردّد أنها ذهبت إلى هناك “لتحطيم جدران الأحكام المسبقة ومن أجل احتضان الجميع”. حزبها أبرز المعارضين لجلوس ممثل حزب الشعوب أمام طاولة المعارضة السداسية التي تشكّلت قبل عام، لكنها لا تتردّد في زيارة جنوب شرق تركيا من أجل مخاطبة “خزّان” صوت حزب الشعوب.

ستكون المنافسة كبيرة حتماً بين الحكم والمعارضة من أجل الحصول على تأييد الكتلة الشعبية لحزب الشعوب في الانتخابات الرئاسية تحديداً، خصوصاً أن تسريبات إعلامية كثيرة تتحدّث اليوم عن مفاجآت محتملة من حزبي أحمد داود أوغلو “المستقبل” وعلي باباجان “دواء” باتجاه مزيد من الانفتاحين السياسي والحزبي، على قواعد حزب الشعوب وقياداته لكسب دعمه وإيصال مرشّحيهم في بعض المدن إلى مقاعد البرلمان.

تحاول قيادات الحكم والمعارضة في تركيا مغازلة قواعد حزب الشعوب، من خلال توجيه رسائل انفتاحية، لكنها تجد صعوبةً في تسجيل اختراق حقيقي، ما دام ناخبوه يتمسّكون بعدم التخلي عن الحزب الذي أجبر على تبديل يافطاته الحزبية أكثر من مرّة نتيجة قرارات الحظر السياسي. من هنا، يطمح حزب الشعوب، المدعوم بشكل واسع من الناخب الكردي في جنوب شرق تركيا إلى تسجيل اختراق سياسي يدفع قوى المعارضة التركية التي استبعدته عن “الطاولة السداسية” للإصغاء إلى ما يقول ويريد، إذا ما كانت تريد فعلاً كسب 11% من أصوات الناخبين، وهي النسبة التي حصل عليها في انتخابات عام 2018. هذا ما يعرفه أيضاً حزب الشعب الجمهوري، العلماني الأتاتوركي الذي يقود تكتل المعارضة، وسيسمي من سينافس أردوغان على مقعد الرئاسة، وهذا ما عليه حسمه في مسار حبل الشوك الذي يتطلب عبوره إذا ما كان يريد هزيمة حزب العدالة والتنمية، فكيف سيتصرّف؟

يلوّح حزب الشعوب بورقة سياسية تقوم على تمسّكه بتشكيل تحالف معارض ثالث، يجمع أحزاباً يسارية صغيرة إلى جانبه تحت اسم “تحالف العمل والحرية”

استبعد حزب الشعوب من قبل تكتلات الحكم والمعارضة. والقضاء التركي لا يتساهل حيال مواقف قياداته السياسية وتصريحاتها التي تتجاهل ضرورة الابتعاد عن حزب العمال الكردستاني، المتهم بالإرهاب، والمحظور في تركيا وعواصم إقليمية ودولية كثيرة. جديد ما وصلت إليه الأمور أخيراً، قرار تجميد الدعم المالي الرسمي المخصّص له إلى جانب مواجهته الدائمة احتمال الحظر بقرار من المحكمة الدستورية، ووجود عشرات من الملفات التي تنتظره في البرلمان لرفع الحصانة عن نوابه، من دون إهمال قرارات إدارية كثيرة تطارد رؤساء بلديات محسوبة عليه بتهمة ارتباطهم بالإرهاب.

لا أحد يريد الاقتراب من “الشعوب”، تجنباً لأية أزمة يفجرها في هذه الظروف الحساسة، رغم أنه حزب سياسي معترف به تحت سقف البرلمان، يشارك في رئاسة الجلسات وأعمال اللجان البرلمانية، وعنده عشرات النواب الذين يمثلون ما يتبنّاه ويدافع عنه من أفكار، في ازدواجية يعيشها بين شرعيته داخل المؤسسات السياسية الرسمية التي تقبل به وبالمؤسسات الحزبية والسياسية التي ترفض التعاون معه بسبب طروحاته ومواقفه من “العمّال الكردستاني”. لا بل إن قياداتٍ عديدة ترى فيه الجناح السياسي لهذا الحزب.

تلوّح قيادات حزب الشعوب يومياً بأنها باتت جاهزة لإعلان اسم مرشّحها للرئاسة، في محاولة لتضييق الخناق على قيادات المعارضة. وخطوة من هذا النوع قد تحرم الحكم والمعارضة على السواء الفوز بالجولة الأولى، لكن حسم النتيجة بهذا الشكل لن يعطيه أي شيء، سوى ما سيحصده في الانتخابات البرلمانية. بقاء المعركة معلقة بانتظار جولة ثانية سيعني له الكثير، فهو سيذكّر الجميع وقتها بأنه إذا كان حزب “إيي” اليميني القومي يملك القفل لعرقلة أية تفاهمات حزبية لا يريدها، فإنه، هو الآخر، يملك مفتاح الحلحلة وضمانة فوز مرشّح المعارضة، بحسب أغلب استطلاعات الرأي، إذا ما قرّر دعمه. وتريد المعارضة التركية دعماً غير معلن أو غير مشروط، لكن قيادات حزب الشعوب تردّد، كما قال إمام تاشجي، إنهم “لن يكونوا ذيلاً سياسياً للمعارضة”، وهو ما سيفعله عند محاورة من سيقرع بابه.

ستكون المنافسة كبيرة بين الحكم والمعارضة على تأييد الكتلة الشعبية لحزب الشعوب في الانتخابات الرئاسية

جديد الاختراقات السياسية التي سجّلها أخيراً حزب الشعوب، أن حزب العدالة والتنمية تواصل معه أخيراً، وهو الذي كان قد ابتعد عنه سياسياً منذ سنوات، بعدما زار وزير العدل التركي، بكير بوزداغ، على رأس وفد حزبي رفيع قياداتٍ من حزب الشعوب، لبحث اقتراح إجراء تعديلات دستورية في موضوع الحجاب، ومعرفة مدى احتمال دعم الأخير مشروع قانون يستعدّ الحزب الحاكم لطرحه قريباً في البرلمان. هل يعني ذلك أن “العدالة والتنمية”، الذي يعرف اليوم حصته وفرصه في الفوز والبقاء على رأس الحكم، قد يسجل مفاجأة سياسية كما فعل قبل ثلاثة أعوام، عبر التواصل مع قيادات حزب الشعوب إذا ما شعر بأنه يحتاج إلى دعمها؟ لا طبعاً، لأن حليف الرئيس أردوغان، القومي المتشدد، دولت بهشلي، يعارض ذلك. كل ما تستطيع قيادات “العدالة والتنمية” فعله، محاولة عرقلة التقارب بين حزب الشعوب وقوى المعارضة. الكرة هنا مرّة أخرى في ملعب حزب الشعب الجمهوري، والخطوة التي سيُقدم عليها.

يلوّح حزب الشعوب بورقة سياسية جديدة تقوم على تمسّكه بتشكيل تحالف معارض ثالث، يجمع أحزاباً يسارية صغيرة إلى جانبه تحت اسم “تحالف العمل والحرية”. وهي رسالة رمزية ربما، لكن مضمونها سياسي للمعارضة، لتحسم أمرها بأسرع ما يكون، فالمشكلة أبعد من أن يتمسّك حزب الشعوب بقرار إعلان مرشّحه المستقل للانتخابات الرئاسية المقبلة، أو محاولة قوى المعارضة إقناعه بالتراجع عن قرار من هذا النوع. المعضلة هي في اليوم التالي لإعلان نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، وفي حال فشلِ أحد المرشحين بالحصول على 50% من أصوات الناخبين. وعندها، سيتحوّل حزب الشعوب إلى صاحب “الصوت الذهبي” الذي يريد الجميع الحوار والتفاهم معه. لكن السيناريو السياسي الأكبر والأهم هو احتمال فوز قوى المعارضة بالأغلبية، وتمكّن حزب الشعوب من الدخول إلى البرلمان، بعد الحصول على نسبة 7% من مجموع الأصوات المطلوبة حسب القانون الجديد، وولادة فرصة منح قوى المعارضة الذهاب إلى انتخابات مبكّرة أخرى في حال فوز أردوغان بالرئاسة، ولكن بقرار البرلمان هذه المرّة، وهو ما سيقلب الطاولة السياسية والحزبية رأساً على عقب في تركيا.