.مالك الحافط
ما الذي يحدث للذات حين تتحول من كيان يسعى للمعنى إلى واجهة عرض استهلاكية؟ وهل يمكن أن نفهم هشاشة الفرد العربي اليوم، إلا عبر ربطها بمسار أوسع، كشف ملامحه كريستوفر لاش في سبعينيات القرن العشرين، حين وصف ثقافة النرجسية باعتبارها نتاجاً للرأسمالية المتأخرة. هذا السؤال يأتي كمحاولة اختبار صلاحية أدواته لفهم واقعنا، في ظل تحوّل الإعلام الرقمي والاستهلاك إلى بنيتين مهيمنتين على الوعي الفردي والجماعي. أشار لاش في كتابه «ثقافة النرجسية» إلى أن الذات النرجسية في أمريكا السبعينيات نشأت من فراغ قيمي أحدثه تراجع المؤسسات الاجتماعية، فتحولت الرغبة في الاعتراف إلى بديل هشّ عن الانخراط في مشروع جماعي. هذه الملاحظة تكتسب معنى أكثر جذرية حين نقارنها بقراءة حنا بطاطو للبنية الاجتماعية العربية، حيث تتشابك علاقات القرابة والعشيرة والطائفة مع الاقتصاد السياسي. وفي غياب دولة حديثة متماسكة، لا يجد الفرد اعترافاً إلا من خلال شبكة الولاءات الأولية، ما يجعل الذات أكثر هشاشة في مواجهة إغراءات الاستهلاك والعرض الرقمي. أما عبد الله حمودي، في كتابه «الشيخ والمريد»، فقد فكك منطق السلطة في الثقافة العربية عبر مفهوم التمثيل والوساطة. فالذات في علاقات السلطة التقليدية، تظهر عبر من يمثلها أو يشفع لها. وإذا طبقنا هذا الإطار على زمن المنصات الرقمية، فإننا أمام إعادة إنتاج لهذه البنية، فالمؤثرون والرموز الرقمية لا يقدمون ذواتهم فقط، لكنهم يمثلون ملايين المريدين في سوق الاعتراف، حيث تتحول العلاقة من عمق اجتماعي إلى علاقة استهلاكية عابرة.
هشاشة الذات وتشييء الفضاء العام
بهذا المعنى، يمكن القول إن الأزمة التي وصفها لاش لم تعد مجرد أزمة فردية غربية فقط، فهي باتت في المنطقة العربية أزمة مضاعفة: فالفرد محروم من أفق جماعي متماسك بفعل تفكك المجال العام، وفي الوقت نفسه مغمور بثقافة استهلاكية تفرض عليه الانكشاف الدائم. النتيجة هي «ذات ممزقة» تبحث عن سند في السوق الرمزي، بينما تغيب عنها شبكات القيم التي تمنح الاعتراف معنى يتجاوز اللحظة.
حين نقرأ الذات المعاصرة في فضاء الاستهلاك الرقمي، نجد أنها لم تعد تمارس حريتها في عرض صورتها كما تشاء، بقدر ما باتت أسيرة ما يمكن تسميته بتقنيات الذات. هذه التقنيات تُفهم كآليات يومية لإدارة الصورة، والبحث عن الاعتراف، تتجسد في طرق اللباس، طرائق التعبير، وحتى في كيفية صناعة الملف الشخصي على المنصات. غير أنّ ما كان يُفترض أن يكون وسيلة لصقل الهوية وتحقيق التوازن الداخلي، تحوّل في زمن السوق الرقمي إلى آلية تكريس للهشاشة، فالخوارزميات تفرض معايير الظهور، والجمهور الافتراضي يتحكم في قيمة الفرد عبر أرقام ومؤشرات، لتغدو الذات مشروطة دوماً بما يُنتظر منها لا بما تريده هي. من الناحية النظرية، اعتمد كريستوفر لاش على تقاطعات عميقة بين التحليل النفسي الفرويدي وما بعد الفرويدي، ونقد الثقافة كما بلورته مدرسة فرانكفورت. النرجسية هنا بناء اجتماعي يعكس أزمة القيم الحديثة؛ ففي لحظة تتراجع فيها المؤسسات الوسيطة (الأسرة، المدرسة، الجماعة السياسية) تتحول الذات إلى مرآة متصدعة تبحث عن اعتراف خارجي دائم. هذا التعريف يجد صداه في مفاهيم موازية؛ فإريك فروم في الهروب من الحرية يرى أن الفرد الحديث، وقد تحرر من الروابط التقليدية، يجد نفسه معلقاً في فراغ يدفعه إلى أشكال جديدة من التبعية. وزيغمونت باومان في الحداثة السائلة يصوغ المأزق نفسه بلغة أخرى، من حيث إن الروابط الإنسانية السائلة، التي لا تثبت ولا تمنح استقراراً، وإنما تعكس هشاشة بنيوية في تكوين الذات.
لقد كان المجال العام، في لحظاته التاريخية الأولى، مساحة يتواجه فيها الأفراد لتبادل الحجج وصوغ قيم مشتركة. أما اليوم فإن هذا الفضاء قد انقلب إلى واجهة مرئية فارغة، تُعرَض فيها الذوات كسلع رمزية لا أكثر. ما يُسمى نقاشاً عاماً لم يعد سوى سباق في الانتشار، حيث تُقاس قيمة الفكرة بعدد الإعجابات، وتُختزل المشاركة في قابلية الرسالة، لأن تصبح «ترنداً». إن هذا التحول جعل الفضاء العام، خاصة في المنطقة العربية، يفتقر إلى وظيفته الأصلية بوصفه حاضناً للتداول العقلاني، وغدا مجرد سوق رمزي، يعكس منطق الاستهلاك أكثر مما يعكس إمكانات التواصل. في مثل هذا الفضاء، يتأسس المعنى على قوة الصورة وسرعة التوزيع فقط.
غياب الأفق الجماعي وإعادة إنتاج الذات الهشّة
في المجتمعات العربية، حيث المجال العام هشّ بفعل الانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية، تبدو أطروحة لاش أكثر إلحاحاً. هنا لا تُختبر النرجسية فقط عبر نزعة استهلاكية مستوردة، وإنما عبر غياب البنى المؤسسية التي تتيح إنتاج «أنا جماعية». في ظل هذا الغياب يطفو على السطح نموذج الذات الممزقة؛ فرد يلهث وراء الاعتراف عبر الاستهلاك والانكشاف الرقمي، دون أن يمتلك إطاراً قيمياً أو سياسياً يعيد توجيه رغبته. هذه المفارقة تجعل النرجسية في السياق العربي أكثر ارتباطاً بالتفكك الاجتماعي، وأقل ارتباطاً بمجرد الاستعراض الثقافي كما في الغرب. إذا كان لاش قد حذّر من تحوّل الاعتراف إلى سلعة، فإن بطاطو وحمودي يذكراننا بأن المجتمعات لا تبنى على اعتراف فردي هشّ، وإنما على صيغ أوسع للتمثيل والقيم المشتركة. من دون هذا الأفق سيظل الاستهلاك هو اللغة الوحيدة الممكنة للذات العربية، وسيظل الفضاء الرقمي هو السوق الذي يحدد قيمتها. غير أن التفكير في بدائل يتطلب إعادة تأسيس مفهوم الاعتراف نفسه، كحقل قيمي يتيح للفرد أن يرى ذاته جزءاً من جماعة أوسع، وليس مجرد صورة عابرة على شاشة.
إن ما يكشفه لاش، حين يُقرأ بعدسة عربية، هو أن الذات لم تعد تُفهم بمعزل عن بنيتها الاجتماعية ـ الاقتصادية. فالهشاشة ليست عيباً فردياً، لكنها انعكاس لبنية ثقافية تُعيد تشكيل الوعي. هذا ما يجعل مراجعة كتاب «ثقافة النرجسية» أكثر من مجرد قراءة في كتاب؛ إنها تفكيك لعلاقة متشابكة بين الفرد والسوق، بين الاعتراف والقيمة، بين الاستهلاك والهوية. إننا لسنا إزاء «مرض نفسي جماعي» بالمعنى التقليدي، فنحن أمام إنتاج اجتماعي للذات الممزقة، حيث تصبح الحرية نفسها خاضعة لمنطق السوق.
من منظور ميشيل فوكو، لا يمكن النظر إلى النرجسية فقط كنتيجة لمنطق السوق، بل أيضاً كجزء من آليات «تقنيات الذات»، فالفرد حين يعرض ذاته على المنصات الرقمية، لا يمارس حرية مطلقة، بقدر ما يخضع لشبكة من القواعد والمعايير التي تحدد كيف يُظهر نفسه، وكيف يُقيّم الآخرون حضوره. النرجسية إذن ليست انكشافاً عفوياً، إنها ممارسة مُؤطرة بقوى معرفية وثقافية تُعيد إنتاج الذات على نحو منضبط ودقيق. فيما قدّم يورغن هابرماس فكرة «الفضاء العام» كمجال للنقاش العقلاني الحر، لكن في زمن الاستهلاك الرقمي، يتفكك هذا الفضاء ليغدو مجرد سوق رمزي، تُقاس فيه القيمة ليس بعمق الفكرة، وإنما بقدرتها على الانتشار والظهور. في السياق العربي يضاعف هذا من هشاشة الذات؛ فهي لا تجد مجالاً حقيقياً للتفاعل القيمي، لكنها تنحصر في تبادل سريع للرموز والصور، دون تأسيس لنقاش مشترك.
لقد كان الاعتراف في جذره الأخلاقي، تعبيراً عن علاقة متبادلة تمنح الفرد شعوراً بالانتماء وتثبّت موقعه ضمن الجماعة. لكن مع هيمنة منطق السوق، تحوّل الاعتراف إلى سلعة رمزية تُقاس وتُتداول مثل أي منتج استهلاكي. لم يعد الاعتراف مرهوناً بعمق التجربة الإنسانية، بل بقدرة الذات على حصد إشارات رقمية عابرة. هكذا يغدو الاعتراف أشبه برصيد في بنك رمزي، يعلو ويهبط وفق حركة السوق، دون أن يستند إلى قيمة وجودية أو إلى شبكة من العلاقات الحقيقية. في هذه اللحظة، ينكشف الطابع السلعي للاعتراف؛ كعلامة قابلة للتسويق والاستهلاك، شأنها شأن أي سلعة أخرى.
كاتب وباحث سوري… المصدر القدس العربي