البَهيميّة…! تأويلاتٌ في سردٍ روائيّ (سَلَطة أصابع نموذجاً) خالد حسين المصدر: رامينا نيوز

img

بدايةً، وقبل ذلك، لابدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ الحقلَ الفلسفيَّ العربَّي المعاصرَ يُعاني من ضحالةٍ واضحةٍ فيما يتعلّق بهذهِ “الموضوعة” بخلافِ الفلسفةِ الغربيةِ التي أَحاطتْ ولاتزالُ تحيطُ بهِ على نحو ما تُومىء به مؤلفاتُ الفيلسوفِ الفرنسيّ جاك دريدا وتحتفي بها ولاسيما في المرحلةِ المتأخرةِ من اشتغالهِ الفلسفيِّ في الحديث عن الحيوان([1])The Animal That Therefore I Am والبهيمة والسيادة The Beast & the Sovereign.

 وإذا كان العملُ هنا يَنْحَصِرُ في مقاربةٍ محدودةِ المساحةِ لنصٍّ روائيٍّ ينجز سرديتَهُ باستثمارٍ لمفهوم “الإنسان ــ الحيوان”، وأقصد بذلك رواية” سَلَطة أصابع”([2]للروائيّ السُّوري ثائر الزعزوع، فإننا سنقتصرُ على معالجةٍ مختزلةٍ ومقتصدةٍ للمفهوم تسمحُ لنا بالانزلاق إلى عالم الرّواية.

إن المصدرَ الصّناعيَّ المستثمر هنا:(البَهِيْمَيّةُ من البَهِيْمَةِ) ههنا يَشْرفُ على مادةٍ لغويةٍ متنوعةٍ تَشْمَلُ الكائنَ، والشَّيءَ والحَدَثَ من خلال الجذر اللغوي (بهم) وبذلك يمكن أن توضّحَ لنا هذه المادةُ المسالكَ المعتمة: فعلى صعيدِ الكائنية [يُقال للدوابّ في البر والماء بَهْمَةٌ: لكونها مُسْتَبْهَمَةً عن الكلام أي ينغلقُ عنها الكلامُ أو تتلاشي قدرتُهَا على التَّمييز. إنما قيلَ لها بَهِيْمَةُ الأنعام لأنَّ كلّ حيٍّ لا يميّزُ فهو بهيمةٌ، لأنه أُبْهِمَ عن أن يُميّز. البهمةُ اسم للأنثى (ابن الأثير)] وفي سياق الحَدَثِيَةِ [اسْتَبْهَمَ عليهم: استعجمَ فلم يقْدرْ على الكلام. أمرٌ مُبْهَمٌ إذا كان ملتبساً لا يُعرف معناهُ ولا بابُهُ. ليلٌ بهيمٌ: اسودادٌ لا ضوءَ فيه] والأمرُ ذاته يستغرقُ الشّيئية/ المكانية [وطريقٌ مبهمٌ: إذا كان خفياً لا يستبينُ. البُهمة: الصَّخرة الصَّلدة: الملساء].

لاشكّ أنَّ التأمُّلَ في المساحةِ المعجميةِ للجذر سوف يكشفُ عن تحيزاتٍ ثقافيةٍ لصالح الذُّكورة والبياض كحدٍّ أسمى في الثنائية. وفي واقع الحالِ فالكلمةُ الإنكليزية the beast تعضدُ ذلك في دلالاتِها [بهيمةٌ: شخصٌ حقيرٌ تتحكّمُ به طبيعتُهُ البهيميّةُ. وحشٌ، فتاةٌ. امرأةٌ. شابةٌ]. كما يُلْحَظُ فالعلامةُ اللغويةُ اسماً، صفةً تستغرقُ فئاتِ الوجودِ المشار إليها آنفاً. ويأتي المصدرُ الصّنَاعيُّ في العربيةِ منها ليمركزَ الدلالاتِ والصّفاتِ الكائنةِ في الاسم أو الصفة ليؤكّدها من حيثُ إنَّ البهيميّةَ إمعانٌ في الغَرابة واستغلاقٌ على الفَهم أو غيرُ متاحةٍ للمعرفةِ أو تثيرُ الحيرةَ في الإحاطةِ بها كتصرفٍ أو حالةٍ أو حدثٍ، وهي بذلك لا تقتصرُ على الكائن ــ الحيوان/ الوحش وإنما تمتاز بالامتداد. البهيميةُ، بوصفها انفلاتاً، لاتخصُّ الحيوان ـ غير الناطق وإنما تتجاوزُهُ إلى الحيّ الّناطقِ، “الوجود المنفتح”، حتى الطبيعة تتلبّسها البهيميّةُ حين تخرجُ عن أطوارِهَا .

وفي حالةِ الكائن ــ الإنسان المعاصر يشير التصرّف البهيمي إلى الاختراق، اختراق عُرفٍ، قانون، ناموس. ولذلك يمكنُ القولُ إن تصرّف دونالد ترامب بدعوةِ مُناصريه إلى الهجوم على الكابيتول تصرّفٌ بهيميٌّ، وغبيٌّ في ظلّ دولة تؤمنُ بالانتقال السّلمي للسّلطة وتحكمُهُا مؤسساتٌ ديمقراطيةٌ راسخةٌ: أي محاولة فاضحة لتقويض ما اُتفق عليه من قانون ديمقراطي باستغلال القانونِ الديمقراطي ذاته! لكن سؤالنا المتحفِّز هو: كيف يعرضُ السّردُ الأدبيُّ هذه الظاهرة التي يفيضُ بها العالم راهناً؟ وإذ يعرضها فإنه يكشفُ عن الرُّشيماتِ العميقةِ التي تدير البهيميّةَ في تجلياتها على مستوى الكون الرّوائي. ومن هنا يمكنُ الحديثُ عن أثر للأدب في تقويضِ خِطاب البهيميّةِ وفضحِهِ بوصفهِ خِطاباً للشّر.

تقدّم رواية “سَلَطة أصابع” شخصية مركزية (مها جاد الرمح) في أربعة فصول على خلفية الجحيم الذي ابتلع سوريا [مها الأولى: عوالم غير مرئية. مها الثانية: 180درجة. مها الثالثة: المنفردة3. مها الرابعة: وجوه مستعارة]. واستناداً إلى هذه التحولات في كينونة (مها) وفي علاقتها بالعالم تتحدّدُ أشكالُ البهيميةِ التي تشكّل ثيمةً هذه السّردية، وأُوْلى أشكالِ البهيميّة، تلك التي تتّصلُ عن قربٍ بحياة الشخصية المركزية في الرواية:

I ـــ الإنسان ــ البهيم:

في الفصل الأول من الرّوايةِ (مها الأولى: عوالم غير مرئية) يضعُنا الكاتبُ على حافّةِ حادّةٍ للبهيميةِ كثيمةٍ تكتسحُ الرّوايةَ برمتها وذلك بعد قرار الزّوج أن يتزوجَ امرأة ثانية “أخبرها بالأمر وكأنه يخبرها بأنه سيتأخر في العودة من البيت هذا المساء مثلاً…(…) قالت له: لستَ سوى حيوان لا تستطيعُ أن تتحكّمَ في غرائزك. ص9ـ 10“. إنّ المعيار الضابط بالنسبة لـ”مها” هنا هو “التحكُّم” في الغرائز لنفي البهيميةِ عن “الإنسان”، من حيث إنّ البهيميةَ خروجٌ عن نواميس وأعراف تميّز مؤسسة الزّواج في ثقافةٍ ما، أي عبثٌ بعرفٍ محدّد فما يميّز الإنسان عن “الحيوان”، مع اشتراكِهِمَا في الكائنية، هو “التحكّم” في الأهواءِ والرّغباتِ ومن ثمّ السيطرة على الغزيزة، المنفلتةِ بدورها من أيّ معيار في عالم الحيوان، فلا فرقَ لحظتئذ حين ينهارُ معيار التحكّم في الغريزة بين الإنسان والحيوان، فيغدو النَّوعان برسم البهيميّةِ، فكلاهَما في هَذه الحال ضَرْبٌ من الكائن الملقى به، المنغلق على نفسهِ وفق هايدغر أي خارج مفهوم “الوجود المنفتح” الذي يميّزُ الإنسان، بوصفه المتخارج عن ذاته باتجاه الآخر، الكائن الذي يعي الزّمن، المستقبل والموت([3]). لكنّ هذه “الحيوانية” التي عليها “الزّوج” أدركتها “مها” مبكّراً حين تقدّم لخطبتها: فهو يتحدّث بطريقةٍ متعالية، يلوّح بقبضته ويطلق ضحكاتٍ همجية، لكنّها اضطرتْ إلى القبول به بعد وفاةِ أمها الرّسامة “سلوى الرمح”، لتتخلّص من صديقتها(ندى) ــ التي تزوجت أبيها”…! وفي القاهرة، حيثُ شهرُ العسل، وفي فندقٍ فخم، ستبدأ البهيميةُ نفيرَها الحقيقي:

” …فور وصولهما، أغلق باب الغرفة وانقضّ عليها مثل وحش، استغرق الأمر أربع أو خمس دقائق على الأكثر، رأته واقفاً بالقرب من النافذة يدخّن سيجارةً، بينما كانت الفوضى قد دمّرت عالمها الجديد، لا تستطيع أن تتذكر شيئاً مما حدث لها، تستطيع فقط أن تصغي إلى صوت لهاثه فوقها، وحركاته السريعة التي تشبه حركات الوحوش وهي تلتهم ضحاياها، استمر واقفاً قريباً من النافذة ولم ينظر إليها، لكنها استطاعت أن تستشعر من خلال حركاته الهادئة أنه كان يشعر بانتصار. ص26″.

لا شَكَّ أنّ الصُّورة السَّردية، هنا، تُهيكل لنا أبعادَ البَهيْميّة وحالتها؛ فثمة مضاهاةٌ، تشاكلٌ بين الإنسان والوحش (هو… مثل وحش) في إتيان الفعل المتمثل بوجه الشبه بلاغياً: (حركات سريعة، التهام الضحيّة، الشّعور بالانتصار، الصَّمت)، ومن ثمّ فـ”الزَّوج” ليس أيّ حيوانٍ وإنما ذاكَ “الوَحْشُ”، الوحشيُّ، العصيُّ، الدّاشرُ وهو “ما لايُستأنسُ”، أي لم يمرّ بحالةِ الألفةِ والاستئناسِ، الذي يثيرُ الهَلعَ والخوفَ وهو بذلكَ من “وَحْشِ النَّاس”، أي من “أَرَاذِلهِم”، حيث الدّناءةُ والخَسَاسَةُ والرّداءةُ في الخَلْقِ والخُلُق.

إن الإنسانَ ــ الوَحْشَ، وجودٌ ــ مغلقٌ بلغةٍ أنطولوجيةٍ (هايدغرية تحديداً) يفتقرُ اللغةَ بوصفها الثَّغرة التي تسمحُ للإنسان الحي العاقل بالانفتاح على الآخر، حتّى وهو يمتلك اللغةَ فهي ليستْ إمكانيةً للانفتاح بل تعبيرٌ عن البَهيميّة في حالةِ التحقُّقِ: لهاثٌ وهمهمةٌ! تتكرّرُ هذه الحالةُ البهيميةُ “في كلّ مرة ينقضُّ عليها، وبعدها يقف بقرب النافذة يدخّن. ص28″، حيث السُّلوكُ الوحشيُّ للحيوان بعد الفتكِ بالفريسة على وجه الدقة، هذا السُّلوكُ لاينفكُّ يتكرّرُ في سياق الفصل الأول المشار إليه.

وبمواجهة هذا الوجودِ المنغلقِ يَقدّمُ السّردُ مباشرةً صورةً نقيضةً لما سبقَ، صورة “مها” في حبّها الأول حيث الوجودُ ــ المنفتحُ أو الخروج عن الذات إلى الآخر أو استضافة الآخر في الذات:”واستطاع (حازم) أن يعرف أنّ صوتها جميلٌ، وأن مشيتها بتلكَ الطّريقة على أطراف أصابعها تشبه رقصةً أكثر منها مشيةً. وقال لها إن شعرها الأسود يجعلها غجرية، وكأنها هربت من حكاية، (…) لماذا هربت من الحكاية سألها، فقالت له: كي أراك…عندها، في تلك اللحظة أدارها إليه بنعومة وقبّلها على خدّها الأيمن قبلةً صغيرةً دافئةً…إلخ. ص26“.

السؤال والإجابة هنا (لماذا هربتِ من الحكاية سألها، فقالت له: كي أراكَ)، شكلٌ من الحوار، من حيث إنّ الحوار خروج من الذات المغلقة على ذاتها، سؤال وإجابة، انفتاح صوب الآخر، أنسنةٌ للانغلاق والصَّمت، السؤالُ يكمن للإجابة التي بدورها ترمي بالسؤال إلى سؤال آخر. وهكذا في الحوار ينهضُ عالمٌ آخرُ، أفق الحب، تجاوزٌ للبيهيمية لكنه تجاوزٌ لم يكتمل كمشروع إذ سيختفي حازم بعد هذا أو بالأحرى سًيُعْتقل، وهذا ما فتح كينتوتها صوب بهيميةٍ كانت تنتظرها.

لاتجد “مها” في مقاومة هذا الاندفاع الوحشي سوى تصويره بكاميرا موضوعة في مكانٍ طارئ لترصد “هذا التصرف الوحشي، الحيواني”، وفي هذا الرّصد “لم يظهر وجهُهُ أبداً، وكأنه بلا وجه أصلاً. ص31″، كائن بلا وجه، أي بلا لغةٍ، بلا سمة مميزة، يفتقد “الهوية”، موجود فحسب داخل العالم كأيّ شيءٍ آخر ويقتصرُ على الكائنية، حي غير ناطق، وهذا هو الفارق حسب هايدغر بين الإنسان بوصفه “وجوداً في العالم” نتيجةَ انفتاحه والشيء كـ”موجودٍ داخل العالم”. ستصلها رسالةٌ من صديقة أمها “صولانج رحمة الناقدة الفنية” بعد مشاهدة ترصيدةِ الكاميرا بأن “اتركيه”، الكلمة التي تأتيها مع سخونة الأحداث في سوريا أو بالأحرى بعد إيقاد اشتداد سعيرُ الجحيم، لكنها تضع الكلمة(اتركيه) موضع التنفيذ وتنجحُ في مغادرة البيت لزيارة والدها في دمشق لتبدأ (مها الثانية: 180درجة).

ستكتشف مها منذ أن وطأتْ قدمُها منزل الطفولةِ أنّ زوجة الأب ندى (صديقة مها ذاتها!) قد غيّرت في كل شيءٍ، فلوحاتُ أمها “سلوى الرّمح” قد أُزيلت من على الجدران وتحوّلت (غرفتها) إلى إسطبل حيث صورُ الخيول، وسرجٌ وكؤوسٌ وصورٌ تذكارية تخصّ الفارسة ــ زوجة الأب. حوار قصير وتغادر مها إلى بيت عمّتها الخرساء كنوع من الاحتجاج على ما حصل لإرث الأم؛ لبيدأ فصلٌ جديدٌ من الحياة الصّحفيةِ والمشاركةِ في “الأحداث” والتّخفي عن أعين السُّلطة وكذلك بزوع حبّ جديد “أنت تشبهين حبة الكرز” يقول لها يوسف ابن عمتها، “يوسف، لقد بعثرتني” تردّ عليه مها. لكنها ستُعتقل، لتكون شاهدةً على بهيميةٍ من نوع آخر(مها الثالثة: المنفردة 3)!

II ــ السُّلطة ــ البهيمة:

في النُّظم الاستبدادية حيث السُّلطة “بهيمية” و”البهيمية” هي السُّلطة! فلا يمكن للمرء أَنْ يسندَ ممارسات هذه السُّلطة أو تلك إلا إلى حقل “التوحش”، الحقل الذي يتيح للبهيميةِ أن تكون حدثاً اعتيادياً وشائعاً بل من غير من الاعتياديّ ألا تتجسّد “البهيميةُ” كممارسةٍ بحقّ “الآخر المختلف”. في ظلّ هذه البهيمية الممتدة، التي تفيضُ عَلى ذاتِهَا يكتسبُ “المكان” صفات البهيمية أيضاً ويتهيكلُ في كائنٍ بهيميٍّ؛ إذ يعودُ المكانُ إلى وحشيتهِ (وُحِشَ المكانُ: كثُرت فيه الحيوانات الوحشيَّة)، وهذا شأن المكان الزنزانة:” تقف[مها] في الزاوية بلا حراك، تشعر بالخوف، الجوع، البرد، الهواء الذي تتنفّسه ثقيل بما يكفي ليجعلها تختنق، الروائح التي تستنشقها قاتلة أيضاً، وتلك الأصوات التي تصلُ إلى مسامعها، كم هي مخيفةٌ هل هي نداءات استغاثة أم هو صوت الموت؟ ص87″. المكان هنا يُومىء بالتّهديد، يلوّح بأنّ ثمة حدثاً على وشك الوقوع، يمارس بهيميته، فجأةً تأتي الأوامر: ” انزعي ثيابكِ…أنت أيتها العاهرة…انزعي ثيابك (…) هيا قبل أن أحطّم عظامك(…) عاهرة…أنا لا ألعب معك، انزعي ثيابك، وإلا مزّقتها تمزيقاً. ص87،88“. إن الأفعال الواردة في خِطَابِ السّلطة من قبيل (انزعي، أُحطّم، مزّقتها) تكشف عن الممارسة البهيمية المرتقبة وكلها تشير إلى ممارسة القوة بوصفها عنفاً فائضاً ضد “الآخر”، وتؤسّس في الوقتِ ذاته لمعجم البهيمية القائم على التّدمير والإسكات والتمزيق، فهنا البهيمية تستند إلى السّلطة الكليانية، الشّمولية وليست حالةً فرديةً منفلتةً يمكن التعاملُ معها، أنها السّلطة التي تشترعُ للبهيمية قانونها وتبريرها، ومن ثمّ فلا قانونَ يمنعها من العبث بقدسية الجسد الإنساني: ” …لكنها تتذكر جيداً، كيف أحسّت بأصابعه تتحسس جسدها، وهو يتمتم: شرموطة محترمة…ثمّ تقتربُ أصابعه من كلسونها الداخليّ، وتسمع صوته يقول ضاحكاً: وهذا أيضاً. ص 88، 89“.

إنها بهيميةٌ السّلطة وقد تجلت في بهيمية “المكان السجن” لترويض “المختلف” من خلال تعرية الجسد، ولاسيما أنّ الجسد الأنثوي المعرّى هنا عنوةً له خصوصيتُهُ في سياق سوسيو ــ ثقافي مشرقيّ، كلُّ ذلك لإعادته إلى حالة الإذعان والخضوع لمنطق الصّمت، لمنطق سيادة السلطة المنفلتة من كلّ قانون وذلك لفرض قانون واحدٍ هو قانون التماثل والتطابق، أن يصبحَ الكائن نسخةً، سيمولاكر عن كائن السُّلطة! تستمرّ البهيمية بإنجاز مقاصدها عبر أمر آخر: “قرصفي…(…) لاتتبولي ياشرموطة، انهضي وقرفصي مرة أخرى، نريد أن نتأكد إن كنتِ قد أخفيت شيئاً في مؤخرتك. ص89″، سينتهي التحقيق مع مها وتستمر البهيمية في تدمير “المختلف”، وهو التدمير الذي تتقنه الأنظمة الدكتاتورية “بدم بارد، تدمير كل شيءٍ، وترك البلاد خراباً”. وهكذا في دولةٍ متخمةٍ بالاستبداد ومحاصرة به فإنَّ البهيميّة هي القانون المهيمن، هي القانون الأسمى، وهي العرفُ السَّائد، فالبهيميّة هي كينونتها/ خاصيتها المتلازمة معها.

هذه البهيمية تمارسها السُّلطة، السيادة في حلٍّ من أي قانون أو دستور وهذا ما يجمع تماماً الوحش (الحيوان ـ الوحش) وصاحب السّيادة في هذه الخاصية: إحداث الرّعب والتدمير والألم! سَيُطلقُ سراح “مها” بعد مساوماتٍ مع والدها الذي لم تلتق به أبداً وها هي تعبر الحدود إلى لبنان ومن ثمّ إلى مصر ليبدأ الفصلُ الأخير “مها الرابعة: وجوه مستعارة“.

III ـــ بهيمية المناكف: 

في القاهرة ستنضم “مها” إلى صحفيين وناشطين بقصد استمرار الكينونة فتمارس الكتابة المسرحية “وجوه مستعارة”، وبعد عرض المسرحية يكتبُ الصّحفيُّ (مصطفى أمان) مقالةً، تكشف عن رؤية “مها” للنظام والمعارضة: “لاتكتفي المؤلفةُ بلعن النظام الديكتاتوري لكنها أيضاً تلعن المعارضة، ترى الطرفين مجرمين بحقّ الشعب السّوري الذي ثارَ لأجل كرامته وحريته فصارتْ قضيتُه لعبة بأيدي السياسيين. ص145”.

تقوم رؤية “مها” على تجريم النّظام والمعارضة، ولكن ينبغي علينا التمييز هنا بين “المعارضة” و”المناكفة” من حيث إنّ الأولى تملك مشروعاً مستقبلياً واستراتيجياتٍ في حين تفتقد “المناكفة” لأي برنامج سردي أو لأي سردية مقنعة، ومن ثمّ فإنّ الوصفَ الملائم للمعارضة هنا يكمن في مفهوم “المناكفة”، أي المعارض بوصفه مناكفاً ليس إلا، بهيمية “المناكف” في مواجهة بهيمية السّلطة! وقد عبّر “المناكف ــ المعارض” عن ممارساتٍ سياسيةٍ وقتاليةٍ غاية في البهيمية كتلك التي طالت “المختلف” إثنياً وطائفياً”، بل إن المناكفين لم يُظهروا أية أصالةٍ وإنما فاشية ممزوجة بنكوص تاريخيّ انتهت باستقدام الغزاة إلى عدة مدن سورية وارتكاب أفظع الانتهاكات فيها. وبهذا التفريق يمكن أن نفسّرَ عنوان الفصل “وجوه مستعارة”، فهذه الوجوه المستعارة هي وجوه المناكفين، المتلاعبين بمصائر البشر الذين ابتلعتهم البحار والمنافي وكوارث الطبيعة.

في سياق الفصل يتصل بمها سياسيٌّ كهل عارضاً عليها أن تكون متحدثةً إعلامية باسم تجمعه السياسيّ، لكن “مها” ترفض العرض رغم المغريات المادية وتكشف في غضون الحديث مع الكهل السياسيّ المستنقع الذي تغوصُ فيه ما يسمى بالمعارضة(المناكفة) ولاسيما “الطبيب” الذي يدير مكتباً مشبوهاً هناك في القاهرة. وبعد ظهور يوسف(الثائر)، يوسف الذي أحبته، على تلفاز النظام وهو يقدّم التوبةَ تأتيها رسالةٌ قصيرةٌ (خمس كلمات فقط كانت كفيلة بزلزلة كيانها: نحن نراقبك. وسوف نصل إليك. ص 163″.

هكذا تجد مها نفسها مع صديقتها هدى الطريق إلى المنفى الأوروبي. وبذلك ينتهي الفصلُ الأخيرُ بشذرةٍ قصيرة: ” يمكن للحياة أن تتغير دائماً. ص169″ وهي تغيير بسيطٌ للعبارة ذاتها التي انتهى بها الفصل الثالث بعد إطلاق سراحها من السجن: ” يمكن للحياة أن تتغير إذاً…ص132″. بين “إذاً” و”دائماً” تتغيرُ الحياةُ وتتقلّبُ، بين الحالتين ثمة “مكان” لايزال محاطاً بفاشيتين، وبين الفاشيتين ثمة أملٌ مستحيلٌ لكنه مستحيل ممكن…!

في نهاية هذه القراءة لا بدّ من التوقف إزاء أمور ثلاثة في هذه الرواية الجريئة، الأول يخصُّ عنوان الرّواية، المستلَّ من المتن والمعبّر عن السلوك البهيمي بحذافيره: “قال لها مهدداً سأقطع هذه الأصابع وأُطعمها للكلاب…هل سمعتِ سأجعلها سلطة للكلاب. ص112”. لكنّ العنوان على هذه الصياغة منذ البداية يكشف عن أسراره مع العلم أنّ الرواية تقدّم خيارات كثيرة وقوية للعنونة إذ كان من الإمكانية بمكان رفع تأويلية التسمية باختيار عنوان أكثر عتمةً ومجازفةً.

أما الملاحظة الأخرى فتتعلق بصفحاتٍ طارئة أثبتها الروائيُّ في نهاية الرواية بعنوان(دمشق2030) لكنني من الوجهة البنائية لم أجد أية تسويغاتٍ فنية لهذه الشّذرات في خدمة الفعل الروائي بل إنني عجزت عن الرّبط بينها وبين جسد النص المكتمل. وتأتي الملاحظة الثالثة لتتعلق بتقنيات الكتابة السّردية إذ استغل الروائي تقنية الإيهام بأننا بمواجهة تقرير صحفي ينزع نحو التوثيق بمهارةٍ مع المحافظة على جماليات السّرد الروائي وكذلك توظيف “الميتاسرد” كوعي بالعملية السردية ذاتها(ولذلك معالجة أخرى).


([1]) ـــ أمدني الصديق إبراهيم محمود بترجمته المخطوطة عن كتابات جاك دريدا حول الحيوان والبهيمة والسيادة ..فجزيل الشكر له.

([2]) ــــ ثائر الزعزوع: سلطة أصابع، ط1، (د.م: منشورات بيجز Pages )2018. (جرى التوثيق في متن القراءة تحاشياً للتكرار).

([3]) ـــ ينظر كتاب الوجودية: جون ماكوري، إمام عبد الفتاح إمام(مترجماً)، سلسلة عالم المعرفة ع(58)، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، 1982). الفصلان 4و5.

المصدر: رامينا نيوز

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة