للمصادفة، كان أول فيلم شاهدته في قاعة سينما هو فيلم سينما باراديسو، فيلم عن السينما نفسها، من الأفلام القادرة على إعادة ترتيب علاقة المرء بتجاربه الشخصية واستعادة لحظاته المنسية، تجربة مشاهدة تُوضِّح كيف تتجاوز مشاهدة الأفلام الترفيه لتصبح طقساً إنسانياً خالصاً.

بالنسبة لكثيرين، وخاصة من جيل الثمانينيات والتسعينيات، لم تكن صالات السينما مجرد وسيلة لعرض الأفلام فقط، بل كانت أيضاً طريقتهم في إدراك العالم من حولهم، تجربة شكّلت وجدانهم وجزءاً كبيراً من وعيهم وثقافتهم وحتى هويتهم. اختبروا داخل قاعاتها معاً، مشاعر الألم، والظلم، والبطولة، والخذلان والحب.

مشهد اليوم مختلف ويكاد يكون انقلاباً على تلك الحالة؛ في ارتداد نحو الفردية، وزهداً في الحالة الاجتماعية والثقافية التي كانت تقدمها دور السينما. تتراجع إيرادات شبابيك التذاكر، في كل أنحاء العالم، ويظهر توجه متصاعد الوتيرة نحو رغبة المشاهدين في حضور الأفلام وحدهم في منازلهم. بعد سنين قد تُصبح فكرة مشاهدة فيلم في قاعة سينما ضرباً من الجنون.

فقدان المعنى

تحدث والتر بنيامين عن السينما بوصفها أداة أفرغت الفن من معناه، كان يرى أن الفن يفقد أصالته عند تحوله إلى فيلم، فإعادة إنتاج العمل الفني (عبر الصور أو الأفلام) تجعله متاحاً في كل مكان، وهذا يؤدي إلى «اضمحلال الهالة»، وللمفارقة، فإن ما نعيشه اليوم هو تطبيق لرؤية بنيامين، ولكن على السينما ذاتها؛ فإذا كانت السينما قديماً قد سحبت الهالة من اللوحة الفنية، فإن المنصات الرقمية والشاشات الصغيرة اليوم قد سحبت الهالة من السينما.

ربما، لا يتعلق الأمر بجودة الفيلم في حد ذاته، بل بطبيعة تلقيه؛ أي بهالة التجربة الإنسانية نفسها، ومشاهدة الأفلام وفقاً لطقسها السينمائي الخاص الذي لا يكتمل خارج السينما، ولا يمكنك صنعه وأنت في سريرك وأمام شاشة صغيرة. الأصالة تنبع هنا من مكان وزمان محددين، وفرادتها تأتي وفقاً لسياقها الجماعي، كفعل يقاوم ما تصنعه الحداثة من صدمات، تُقزِّم الإنسان وتمجّد الآلة.

يُعبِّر تاركوفسكي عن السينما بوصفها نحتاً في الزمن، فهو يختار، يُنظم، يقص، يُبطئ ويُسرّع لحظات من الزمن الحقيقي ليبني في النهاية تجربة زمنية متصلة، تحرك مشاعرك وتُثير فضولك نحو عالمك الداخلي والعالم الذي تعيش فيه.

هذا الزمن الذي تفرضه قاعة السينما على الجمهور بشكل قهري، يصعب فرضه خارجها، فالفيلم يتحول في عصرنا الحالي، من محاولة للعيش داخل الشعور والزمن كما أرادها تاركوفسكي، إلى مجرد محتوى دون هيبة، ويُصبح الفن جزءاً من تدفق مستمر للمواد الترفيهية، يفقد فيه قدرته على إحداث الأثر العميق. مجرد وسيلة لقتل الوقت، تشاهدها وأنت مشتت، تأكل، أو تتابع إشعارات فيسبوك. المخرج الذي صمم لقطة مدتها دقيقتان من الصمت، صممها لجمهور عالق في مقعده، لا لجمهور يملك خيار التخطي، والتفاصيل البصرية التي قضى فيها المصور السينمائي شهوراً في تنفيذها تختفي تماماً في الشاشة الصغيرة.

منصات العرض الجديدة

هل تَغيّرت تفضيلات الجمهور، أم غُيِّرت؟ أيّاً تكن الإجابة، هناك تحول واضح في صناعة السينما وشكل الأفلام المُنتجة يفرض نفسه على المشهد. فالمنصات المستحوذة على أدوات العرض في عصرنا الحالي تعتمد استراتيجية تجارية واضحة، وعلى رأسها نتفليكس. فقد أدركت هذه المنصات أن معظم جمهورها، يُشاهد المحتوى عبر الهواتف، وقد صرّح مسؤولوها أكثر من مرة أنهم لا يعتبرون أنفسهم «ستوديو سينمائي» بالمعنى التقليدي.

تُستخدم الخوارزميات لتحديد أنماط المشاهدة، ومعرفة اللحظات التي يفقد فيها المشاهد اهتمامه. ونتيجة لذلك، تتغير بنية الفيلم ذاته: إيقاع أسرع، لقطات أقرب، وبناء درامي يُركز على جذب الانتباه في الدقائق الأولى. بهذا المعنى، لا تُوزّع الأفلام عبر المنصات، بل يُعاد تشكيلها لتناسب شروطها، حتى هيكل الكتابة والسيناريو لم يسلم من هذا التحوّل، إذ تغيّرت المتطلبات لتناسب جذب الانتباه وإثارة التريند لا تحريك الوجدان وإثارة الأسئلة.

عند عرض فيلم (The Irishman) طلب المخرج مارتن سكورسيزي من جمهوره مشاهدة الفيلم على أكبر شاشة مُمكنة، فالعمل الذي يستعرض عدة عقود من حياة الأبطال بين الماضي والشباب ثم الكهولة، يحتاج أن يستشعر معه المشاهد مرور الزمن. لكن الميزانية الضخمة التي جازفت نتفليكس بدفعها جعلت العمل محفوفاً بالمخاطر، وخروج العمل للنور يعني عرضاً محدوداً في صالات السينما، ليُصبح بعدها متاحاً على شاشات نتفليكس.

بهذه الطريقة وأيّاً تكن الطموحات الفنية لصنّاع الفيلم وعلى الرغم من تكلفته الإنتاجية الباهظة، يتحول إلى سلعة، صناعة بأولويات محددة: منعك من إغلاق تطبيق المشاهدة.

ليس سكورسيزي وحده، بل كثير من السينمائيين البارزين، نولان وتارانتينو وفيلنوف وتود فيلد، رفضوا أيضاً التوجه إلى المنصات وتحويل الأفلام إلى محتوى، واشترطوا عرض أفلامهم في قاعات السينما. المخرج دينيس فيلنوف لا يقبل مشاركة روابط رقمية لأفلامه حتى للنقاد، مؤكداً على أن التجربة السينمائية الحقيقية لا يُمكن اختبارها إلا داخل القاعات، ففي هذه القاعات، يعيش المشاهد طقوس المشاهدة الجماعية، يختبر مشاعره وقدرته على التفاعل مع غيره.

التحول نحو الاستهلاك

لا يُمكن فهم هذا التحول في صناعة السينما، بمعزل عن سياقه الاجتماعي الأوسع. فالمسألة لا تتعلق بتغير وسائط العرض فقط، بل بتحول في علاقة الإنسان بالزمن وبنفسه، هذا التحول لا يطال طبيعة الحياة فقط، بل يتجاوزها إلى الطبيعة البشرية ذاتها، حيث يتجه العالم نحو نمط فرداني، يتراجع فيه الحضور الجماعي لصالح الاستهلاك الفردي السريع، أمّا لبُّ المشكلة فيكمن في تحويل الإنسان من مشاهد ومتذوق للفن إلى مستهلك.

ثمة سعي اليوم إلى «رقمنة» الفن وجعله متاحاً على نطاقٍ أوسع فيصير أقل فرادة، وفي المقابل يجد إنسان هذا العصر نفسه مدفوعاً نحو فضاءات فردية أضيق شيئاً فشيئاً، إذ تنحسر طقوسه الجماعية أمام أفكار تربط أصالته بانفصاله عن العالم، ويصير معزولاً ومنطوياً وخاضعاً لنفسه ولحربه الشخصية شيئاً فشيئاً، هشّاً أمام أدوات السيطرة الحديثة، منكفئاً على ذاته، فتتحول كوارث العالم إلى مجرد محتوى بائس بنظره.

قد يكون من الإجحاف تجاهل الإيجابيات الكثيرة التي قدمتها منصات العرض، وعلى رأسها تسهيل حضور الأفلام لفئات أوسع، ولا يُمثّل هذا الموقف رفضاً ساذجاً للحداثة، بل هو نقد للتحول المرافق لها، والذي يُساهم في خلق شكل بشري لاهث، فاقد للقدرة على ممارسة نشاطاته خارج سياق العمل والرغبة بالإنجاز، لمجرد أنه لم يعد يملك الوقت. وهنا تُصبح استعادة الطقوس الجماعية فعلاً للمقاومة السياسية والأخلاقية، ومحاولة لاستعادة الزمن من فم الخوارزمية ومنطق الربح والخسارة.

استعادة الطقوس الجماعية كفعل مقاومة

في مواجهة هذا التحول، تظهر محاولات لإعادة إحياء البعد الجماعي للسينما، سواء عبر نوادٍ سينمائية أو عروض مستقلة في المقاهي والتجمّعات الثقافية. لا تهدف هذه المبادرات فقط إلى عرض الأفلام، بل إلى استعادة التجربة المشتركة التي تمنح العمل الفني عمقه، أو ربما التمسك بشكل العالم قبل أن يبتلعه التنميط الرقمي.

بحر راعي، شاب في التاسعة عشر من عمره، يُقدِّم ضمن مشروع «مساحات» المُمول من منظمة اتجاهات، سلسلة عروض لأفلام سينمائية «عربية مستقلة» من خلال نادٍ سينمائيٍّ احترافيٍّ على الصعد كافة.

يقول بحر إن الهدف الأساسي لمشروعه هو عرض الأفلام العربية لجمهورها العربي محلياً ليكون على اطلاع مستمر بما يُنتَج عربياً من سينما. ويسعى المشروع خاصة إلى الحفاظ على هوية العرض السينمائي الأصلية؛ أي العرض ضمن صالة سينما وبمعدات كلاسيكية «أصلية» كجهاز العرض (بروجكتر) وشاشة العرض، بعيداً عما هو شائع في يومنا هذا من مشاهدة عبر الأجهزة الذكية.

تاريخياً، كان العمل الفني يزدهر دائماً عبر وجود جمهور يمنحه كمال معناه، ويُحوله إلى تجربة اجتماعية غير رسمية تُحافظ على مشاهدين يتقاسمون الشعور.

وهذا أحد أهداف مشروع بحر أيضاً، فهو يرى أن تأثير طبيعة المشاهدة على الفيلم في حد ذاته أمر يظهر بوضوح ضمن جلسات النقاش بين الجمهور، كما أن برمجة عرض سينما مجتمعي وإدارة نقاش عن الفيلم مع الجمهور يُفكك الفيلم ويُعطيه أبعاداً مختلفة عند كل شخص من الحضور، وربما يُضفي  عليه أكثر عمقاً. كما يُسهم في إظهار جوانب سلبية من الفيلم أكاديمياً أو فنياً.

تُظهر هذه التجارب أن السينما لا تزال قادرة على خلق فضاء جماعي للحوار والتأمل، وأن الجمهور ليس مجرد متلقٍ سلبي، بل شريك في إنتاج المعنى. فتلك النقاشات التي تلي العروض، وتعدد القراءات، تُعيد للفيلم أبعاده التي قد تضيع في المشاهدة الفردية.

في نهاية المطاف، قد يبدو الحديث عن انحسار دور السينما ضرباً من المبالغة أو النوستالجيا في نظر كثيرين ممن يرون السينما مجرد تجارة، أو صناعة ترفيهية، وعلى العكس قد يرون أن المنصات نجحت في إيصال الأفلام لكل بيت؛ ولكن، حين ننظر إلى السينما بوصفها أداةً لترقيةِ الوعي تمتلك القدرة على هزّ أعماقنا وتغييرنا، أو كمرآة تعكس وجدان الشعوب، ومعاناتهم، طموحاتهم وأحلامهم، ندرك أننا لا نبالغ.

علينا على الأقل أن نعترف بأن الأفلام اليوم تُصنع لمزاوجة قسرية بين الشاشة الكبيرة والمنصة الرقمية. السينما لم تمت كلياً، بل هي تتكيّف بصعوبة في ظلِّ نظام الترفيه الحديث، قد تظلُّ دور السينما في المستقبل مكاناً تجريبياً أو احتفالياً، لكن يبقى التساؤل الحقيقي: هل ستبقى قادرة على الوصول إلى «غرف أرواحنا المظلمة»؟