ألقت وقائع الحرب والشتات السوري ظلالها على سيرورة إنتاج الأعمال السينمائية السورية وعرضها طوال العقد الماضي، فتوزّعت بين المهرجانات وفعاليات العرض الخاصة المبعثرة على امتداد العالم. واليوم تسعى بعض المساحات الموجودة في سوريا لتنظيم مساحة المشاهدة هذه، واسترجاع بعضٍ من أعمال العقد الفائت. ضمن هذا السياق عرضَ فضاءُ منزول في دمشق الشهر الماضي، ثلاثية المخرج إياد الجرود الوثائقية، دفاتر العشاق، والقربان، وفي مهب الريح. كما عرضت الأفلام الثلاثة في ملتقى هارموني الثقافي في حمص بحضور المخرج.

دوّنَ الجرود، وهو من مواليد سراقب 1987، في هذه الأفلام تسجيلاً ليوميات الثورة السورية منذ بداية الحراك السلمي وحتى العام 2014، وهي الفترة التي شهدت أشدَّ التغيّرات والتحولات البنيوية، بدءاً من تحوّل الحراك المدني نحو التسليح، إلى ظهور التنظيمات الدينية المتطرّفة، ومن الانشقاقات عن النظام وجيشه، إلى تصاعُد تأثير المواقف الدولية. كان ذلك من خلال مرافقة الناشطين ورصد الحياة اليومية في مدينة سراقب، التي كانت نموذجاً عن حال مناطق عديدة خرجت عن سيطرة نظام الأسد، ومنها مُنتقلاً إلى ريف الرقة في فيلمه الأخير في مهبّ الريح.

منذ بداية الحراك، كانت كاميرا الجرّود تعيش بين الناس وكأنها واحدة منهم، ترصد تطورات الأحداث وتسجل واقع المعاناة تحت القصف، وتتابع الاشتباكات مع النظام خلال محاولاته لاقتحام سراقب المُحرَّرة، نظراً لأهمية موقعها على الطريق (M5) الدولي. وقد اختار شخصياته بعناية، لتكون الشاهد والراوي، مُسلِّطاً الضوء على ذلك التميّز الذي جعل منهم رمزاً حتى لحظاتهم الأخيرة، فصاروا هم الحكاية.

رافقهم في يومياتهم وسجّلَ بوحَهم الذاتي وآراءَهم، والمشاعر التي يُكابِدونها والألم العام والخذلان والفقدان اليومي، وبين يوميات شخصياته والشارع، وثّقَ النقاشات الدائرة التي تعكس التناقضات في المناخ العام المشتعل والمضطرب المرافق لتلك التحولات المصيرية، من التسلّح إلى سيطرة التيارات الدينية المتطرّفة، ودخول داعش إلى مدينة سراقب، وبدء تكوّن ملامح هوية للفصائل الإسلامية ورموزها البصرية (أعلام وكتابات وشعارات)، وما تلا ذلك من مواجهات بينها على خلفية المشروع الذي تطرحه كلٌّ منها.

من هنا تأتي أهمية الثلاثية الوثائقية التي قدّمها الجرود، فلم تكتفِ بتأريخ الحدث بصرياً، لحفظ سردية الضحايا، بل كانت مُراجعة نقدية لتلك الفترة بكل ارتكاساتها وإرهاصاتها، وتوثيقاً لذاكرة الفقدان والألم والانكسارات، وذلك الزمن المُتسرّب من حياة شخصياته التي كانت تنتظر الحياة الحقيقية وتنتصرُ لها، فدفعت حياتها ثمناً لذلك.

دفاتر العشاق حيطان سراقب

يلعب فن الغرافيتي دوراً محورياً في الفيلم الأول، فكما تميّزت كفرنبل بلافتاتها تميّزت سراقب التي شاركت في الحراك منذ آذار (مارس) 2011 بالكتابات التي دونها الناشطون على جدرانها، حتى تحوّلت إلى تأريخ لمزاج الحراك العام وصورته.

غدت جدران المدينة هوية معلنة، نقرأ مثلاً: «النصر يُصنَع هنا.. ليس في تركيا»، «نحن طائر الفينيق»، «بابا عمرو / باب هود أبواب الحرية السورية»، «كالريح نحن لن يجرحنا سيفك».

يُخبرنا إياد الجرود كيف بدأت فكرة الكتابة على الحيطان قائلاً:

«أعتقد أنها تنتمي للظرف نفسه، وتُشكِّل امتداداً لذاكرة المدينة. تاريخياً، كانت المدينة تَعرِفُ بين حين وآخر ظهور عبارات احتجاجية على الجدران، لكن مع بداية الثورة حصلت حالة انفجار حقيقية في الكتابة على الحيطان، وكأن الجميع بدأ يكتب، وتحوّلت الحيطان إلى مساحة تعبير مفتوحة. في البداية كان بعض الناشطين يكتبون كلمات مثل «حرية» و«ارحل» على الأرض بين أقدام المتظاهرين، بحيث تظهر الكلمات بعد مرور المتظاهرين. وبعدها توسّعت الظاهرة بشكل كبير جداً، وصار تقريباً على كل حائط عبارة كتبها شخص مختلف عن الآخر، تتضمن شعارات وعبارات متنوعة، كثيرٌ منها حمل طابعاً احتجاجياً. أعتبر أن هذه المرحلة كانت أقرب إلى الكتابة العفوية أكثر من كونها كتابة منظمة أو مؤطرة، وتضمّنت أخطاء لغوية وشتائم سياسية. وبعد ذلك بدأت تظهر مرحلة أخرى، أخذت الكتابة فيها بُعداً بصرياً وفنياً أكبر، سواء من ناحية اللون أو الشكل، وظهرت لغة مختلفة على الجدران كانت أكثر قبولاً في الشارع بشكل أو بآخر مقارنة بالمراحل الأولى، بسبب الشكل البصري الذي كانت تظهر فيه. ومع الوقت تطورت هذه الحالة واتسعت حتى غطّت مساحات كبيرة من حيطان المدينة، وبدأت الكتابة تتحول من فعل احتجاجي مباشر إلى شكل من أشكال التعبير الحر».

يبدأ الفيلم وينتهي بظهور الناشط رائد رزوق وابنته، وهما يتجولان في شوارع المدينة، وهو من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالكتابة ذات البعد البصري والفني في تلك المرحلة، (يُذكِّرنا بشخصية ‘البخاخ’ التي عرفها السوريون في لوحة شهيرة من ‘بقعة ضوء’). في الخلفية نسمع صوته وهو يُلقي قصيدة درويش (وأريد أن أحيا) في معادلة تختصر الحكاية كلها، فكلُّ ما يحدث هدفه خيار الحياة. يتحدث رزوق عن تجربة الكتابة، فيقول إنها كانت أشبه بالبوح ثم انتقلت لتُصبِحَ شيفرة للتواصل كمن يضع يده على جبين مريض أو مصاب ليشدَّ أزره. كانت الكتابات توازي الأحداث في الشارع، وتأتي على ضوئها، فنالها ما نال الشارع من تغيُّرات، فمع دخول التيار الإسلامي ظهرت عبارات مختلفة، كما برزت أصوات حرّمت تلك الكتابات والفن والأغاني، والصحافة والثقافة والتصوير. يُنبِّه أحدهم في الفيلم إلى أن: «الكتابات الإسلامية لم تستمر كانت موسمية وتستخدم خطاطاً بأجر» كانت تلك الفترة نقطة فارقة بما تركه الصراع الداخلي على الإنسان، يقول رزوق: «صرنا أكثر معرفة بالتعامل مع الحيطان لكن أقلّ معنويات».

فكتب: «نحمل ألماً لم يحتمله الأولين، ونحمل أملاً لن يحمله الياسمين».

صارت المعاناة مضاعفةً؛ فالصراعُ المستمر مع النظام كان يوازيه صراعٌ داخل المدينة بين التيارات المتناقضة التي تَمظهرت واكتملت ملامحها. يُوثّق الجرود كيف عاشت المدينة تلك الفترة، والنقاشات التي كانت تدور في المنتدى الثقافي الاجتماعي، وتأكيد الناشطين على الحوار كأسلوب، وعلى التعايش مع الآخر ونبذ التعصب، ويُشير أحدهم إلى تجربة الإخوان المسلمين في الثمانينيات، وكيف تعامل النظام معها بغباء وقسوة مفرطَين، ويقول لو أنه منحهم وزيراً للأوقاف لكان جنّبَ البلاد الكثير.

استمرت المظاهرات في سراقب، لكنها أخذت شكلاً آخر، أي شارع ضد شارع؛ أحدهما ينادي بالعلمانية، والآخر بالخلافة الإسلامية. وبالمقابل، كانت العبارات على الجدران تعكس رؤية كل تيار. ويُصارحنا رزوق بأنه رغم إصراره على مطلب إسقاط النظام، كان يحمل مخاوف كبيرة، إذ يقول: «إسقاط النظام سيكون مرحلة يليها مراحل من ظلم سيمرّ، ومراحل من الثورات». يُضيف أن العبارات كانت مدروسة وليست اعتباطية، ويعترف بأن بعض الكتابات تجاوزته. كان حقيقياً في ألمه؛ فسوريا التي كتب لها «أحبك خضراء» قد احترقت.

تتابع الكاميرا جدران سراقب يوماً إثر يوم، وحماس الناشطين ونقاشاتهم العفوية، التي كانت بمثابة مُكاشفة ذاتية عميقة للأخطاء التي ارتُكبت.

يضطر رزوق لمغادرة سراقب تحت وطأة التهديد، لكنه لا يُطيق العيش في تركيا، فيعود إلى بلدته ليستأنف الكتابة على جدرانها، وكأنها وسيلة للتواصل أو رسالة للرفاق وللعالم.

ظهر في الفيلم سومر كنجو، وإياس قعدوني، وليث العبد الله، يرسمون لوحات على جدران المدينة ومع أصوات القصف والطائرات يظهر منذ بداية الفيلم سومر كنجو وهو يؤسس لوحة لديَّ حلم، لتكتمل في النهاية، بينما كُتِبت على الحائط المجاور عبارة «تسقط المحكمة الشرعية»، في إشارة مهمة للتعبير عن ذلك الصراع بين الحلم والواقع. وتُظهِرُ هذه اللقطات المميزة عينَ المخرج الذي لم تغب عنه اللمسات الفنية رغم قسوة الحدث؛ كاختيارهِ مقطعاً من أغنية لفيروز أثناء كتابة إحدى العبارات على الجدران، أو المفارقة الفنيّة الواضحة حين تقع الكاميرا على لوحة سومر كنجو بالتزامن مع القصف، وكأن الطائرات كانت تقصف حلم الإنسان نفسه.

القربان (حارس الطريق) 

في فيلمه القربان يرصد الجرود واقع الأحداث وتطوراتها، عبر نشاط شابين معروفين في المدينة، تركا أثراً في الوجدان الشعبي والذاكرة. محمد حاف والداعور، وكان الأخيرُ يتولى حماية الطريق العام الدولي (M5)، إضافة إلى مشاركته في المظاهرات والاشتباكات المسلحة. يبدأ الفيلم بمشهد النقر على رخام شاهدة قبر، وكأنه يُنبّه العالم إلى ما يجري. وقد عمدَ المخرج إلى تجزئة ذلك المشهد، فمع كلمة «الفاتحة» يبدأ الفيلم، ثم يتصاعد صوت النقر خلال العرض بالتوازي مع سقوط الضحايا، إلى أن ينتهي باستشهاد الداعور، فتكتمل الشاهدةُ باسمه، في لقطة فنية تُحوِّلُ القربانَ إلى رمز يختصر كل الذين سقطوا في المقتلة السورية.

حمل الداعور تأمين الطريق أمانةً في عنقه، وفق وصية الناشط الشهيد محمد حاف، الذي جذبه إلى المشاركة في الحراك المدني بخطابه البسيط والواضح، كما يقول في الفيلم. وحين استشهد حاف، أخلص الداعور للأمانة فواصل حمايةَ الناس، وتَفهُّمَ أحوالهم.

فتصدّى لقطّاع الطرق الذين يستخدمون سلاحهم لإرهاب العابرين وسرقة السيارات بحجة أن أصحابها يتعاملون مع النظام أو أنها تخص أتباعه، كما تحدّى اللصوص والحواجز التي كانت تتحكم في مرور المركبات وتُحيل السائقين إلى المحكمة الشرعية، حتى صار عبور الطريق مغامرةً تفصل بين الحياة والموت. بقي الداعور العين الساهرة، رغم أنه بعد استشهاد محمد حاف، لم يعد يملك سنداً يحميه.

يدور جزء كبير من زمن الفيلم داخل سيارة الداعور التي تجوب الطريق العام، وقد شكّلت أغاني مارسيل خليفة وسميح شقير، التي كان يستمع إليها أثناء تجواله، الموسيقى التصويرية للفيلم في تلك اللقطات.

يتابع المُشاهد الأحداث في المنطقة والمظاهرات المستمرة، التي كانت تتحوّل إلى ما يُشبه الأعراس والأفراح الشعبية، إذ كان الداعور يضرب على الطبل، ويدبك الناس، ويُغنون أغانيهم التي حُوِّرَ بعضها ليتضمن شعارات سياسية، رغم الموت اليومي، وكأنهم يكرِّسون انعتاقهم وتحررهم. كما يرصد الفيلم المظاهرات المُتقابلة، أو ما عُرف بـ«شارع لشارع». في الوقت الذي استمر فيه النظام بقصف المدينة ومحاولة اقتحامها مراراً، شبَّه أحدهم الأمر بدخول هولاكو. ومع تصاعد العنف، واصل الأهالي حفر القبور، وتغيّرت الشعارات، وارتفع سقف المطالب.

حافظ ناشطو سراقب على شعاراتهم التي تُنادي بوحدة الشعب السوري ونبذ التفرقة والطائفية، على الرغم من تباين المواقف. إذ يظهر الناشط أحمد الستي قائلاً: «السلمية أقوى سلاح وتكسر ظهر الدولة»، لذلك لا يبرر التسليح، بل يراه خدعة من النظام الذي وفّرَ السلاح بسعر رخيص لدفع الناس إلى حمله، في الوقت الذي كان يزيد من عنفه ضدهم.

بالمقابل، يتجلى شعور الخذلان في سخرية الشباب المُرّة، كما يظهر في قهر الناس وهم يخسرون حصاد عمرهم حين تقصف طائرات النظام بيوتاً قضَوا سنين في بنائها، لتدمِرها في لحظة واحدة.

هكذا تلتقط كاميرا الجرود اختلاط المشاعر واضطراب الخيارات وتناقضها، كما توثّق معارك للجيش الحر، واستشهاد أحد أبرز الناشطين، محمد حاف، الذي تزيّنت جدران سراقب بتحية له، كأنه يختزل جميع الشهداء، بينما يتعالى صوت نقر الرخام كأنه طَرقٌ في ضمير الإنسانية.

ترك استشهاد حاف أثره على شباب سراقب، وعلى الداعور بشكل خاص، إذ ازدادت معاركه شدة بعد رحيله. فقد نزل اللصوص (المشلحين) إلى الطريق، ويبدو أن حاف كان يُشكّل رادعاً لهم، فتصدّى لهم الداعور مخلصاً لمبادئه ووصية رفيقه، رافضاً ما عُرِضَ عليه من رشاوى، ومتحدياً الحاجز التابع للمحكمة الشرعية، ساخراً مع أصدقائه من لصوص يتخفون باللحى. كانت سراقب تشتعل بالحدث السياسي والمواجهات بين نشطاء الثورة المتمسكين بخيار العلمانية والمدنية، وبين التيار المُتشدّد والمتطرف المنادي بالخلافة الإسلامية.

يُسجَّل للجرود أنه كان في قلب الصراع، لكنه لم يبحث عن الدم، بل عن الصورة ذات الدلالات، وعن إشارات بصرية تمنح الفيلم قيمة جمالية ولغة فنية عالية؛ كصورة الدجاجات التي تركض حائرةً بلا اتجاه تحت القصف، وكأنها حال المدنيين. وتظهر المرأة في القربان على خلاف الفيلم السابق، وهي تُهلّل لعودة رجال الجيش الحر من المعركة، ممّا يعكس البيئة العامة للمكان.

تكتمل شاهدةُ القبر باستشهاد الداعور، فتحمل اسمه، مع تتابع صوت النقر، وكأن المخرج أراد لموته أن يوقظ العالم على معاناة السوريين.

يخطف الداعور قلب المُشاهد بسماته الدمثة واللطيفة، وبأسلوب إدارته للعمل، ووفائه لمبادئه، فيترك خبر وفاته أثراً عميقاً، وكأن الإزميل ينقر في أعماقه.

يقول المخرج عن الداعور: «ارتبط الداعور لاحقاً بلقب ‘حارس الطريق’، لأنه كان يتبنى حماية الطرق المحيطة بالمدينة في فترة شهدت انتشاراً للفوضى وعمليات السلب والانتهاكات». لكن معنى الطريق داخل الفيلم لا يبقى طريقاً بالمعنى الحرفي فقط، بل يحمل أيضاً أثر وصية صديقه حاف، الذي يرحل في منتصف الفيلم، ويترك له وصية أخلاقية تستمر في مرافقته. كما يروي الداعور: «حاف وضع إيده على رقبتي وأوصاني بالطريق، وقال لي: إذا بتشوف حدا مظلوم ساعده، ولا تظلم حدا على الطريق».

وفي سؤالنا للجرود عن المعركة التي قتل فيها الداعور قال: «لم يكن السؤال الأساسي بالنسبة للفيلم هو من كان العدو بقدر ما كان: ما الذي يدفع شخصاً إلى اتخاذ هذا الخيار بإرادته، رغم معرفته بما قد يقوده إليه؟ وكيف يمكن للإنسان أن يبقى متمسكاً بقيمه، وأن يحافظ على قدرته على حمايتها، رغم ما يحيط به من خطر وتحولات وضغوط؟ وكيف تتحول التجربة الفردية إلى جزء من تجربة جماعية عاشها جيل كامل.

وإذا كانت المعركة الأخيرة تحمل معنى داخل الفيلم، فليس لأنها تُحدِّد هوية الخصم بقدر ما ترمز إلى صراع مستمر بين القيم التي يُمثّلها الداعور، والتي تتقاطع مع قيم البدايات الأولى للثورة، وبين التحولات والتعقيدات التي مرّت بها الثورة لاحقاً وأعادت تشكيل مسارها، ومن هذا المعنى، لا تأتي مكانة الداعور داخل الفيلم من حالته الفردية فقط، بل من كونه انعكاساً لقيم وتجربة أوسع، ومن كونه شخصية تفتح سؤالاً عن معنى التضحية والخسارة والتحول والثمن الذي دُفع خلال سنوات الثورة والحرب. مع ترك مساحة للمُشاهد كي يبني قراءته الخاصة لهوية الطرف المقابل بناءً على مجمل المسار الذي تتكشف من خلاله الأحداث والصراعات داخل الفيلم».

في مهب الريح

يمتد الفيلم الثالث لأكثر من ساعتين، يبدأ بمشهد سيارة معطلة، منسجماً مع مقولة الفيلم والعبارة التي يفتتح بها عرضه:

«بعد سنتين من اندلاع الاحتجاجات في سوريا، ومع تصاعد العنف الوحشي من قبل النظام، أُجبِر الحراك السلمي على التراجع، وباتت البلاد سؤالاً مفتوحاً في مهب الريح».

دُفِع الناشطون السلميّون إلى التسلّح، مع تصاعد العنف، وبدأوا طريق اللاعودة، في ظلِّ غياب رؤية واضحة للنتائج. وفي الوقت نفسه لم يتوقف قصف الطيران، بينما أخذت معاناة السكان في المدينة المحررة (سراقب) تتكشف  في مواجهة العزلة وانقطاع المواد. وتلتقط الكاميرا الطوابير الطويلة للحصول على مواد أساسية للحياة، فيما لم يكن الموت يتوقف. وكان الأهالي ينشرون الأقمشة البيضاء لتُستخدَم كأكفان، وصارت عمليات الدفن تُجرى ليلاً تجنباً لاستهداف الطيران للتجمعات، وامتدت المقابر بين البيوت. هكذا وُلدت فكرة المساهمة في حصار مطار الطبقة، الذي كانت تنطلق منه الطائرات لقصف المدن.

فتبدأ مجموعة من شباب سراقب رحلتها نحو ريف الرقة، مُتسللةً عبر طرق آمنة، مروراً بأحياء حلب الواقعة تحت سيطرة فصائل إسلامية.

يبدو أغلب الشباب في المجموعة من المراهقين، فقد كبر الأطفال في الحرب قبل الأوان، وحملوا السلاح. بينما يعترف من هم أكبر سناً بالتعب والملل.

وثقت الكاميرا حجم الدمار في قرى الشمال السوري، وحين وصولهم إلى الفرات تصدح الأغاني الرقاوية. لكنهم يصطدمون منذ البداية بقلة الأسلحة والذخائر، وأزمة التنسيق بين الفصائل المُشارِكة في الحصار، وعدم الاتفاق على خطة، كما يختلفون حول طريقة التعامل مع الجنود المنشقين عن جيش النظام.

وبينما يمتد الحصار، يعيشون ظروفاً صعبة تتمثّلُ في انقطاع الكهرباء والبرد والنوم في العراء وقصف الطيران. ليبدو كأن الحصار ينالهم كما ينال الذين داخل المطار. ويظهر الندم والإحساس باللاجدوى، فيسخر أحد الشباب قائلاً: «نحن أجحش خلق الله لما إجينا لهون، نحنا لسنا مرابطين، نحنا مربوطين».

يُوثِّق الجرود التكتيك العسكري الذي اتبعه الشباب لتحقيق أفضل النتائج رغم قلة القذائف، كما يوثق حالة التعب المسيطرة، وتطوّرَ لغة الخلاف بين التيارات. فيتوعد أحدهم العلمانيين بالذبح، ويقول آخر: الصف الأول من الثوار الشرفاء راحوا، ولا نعرف لمن ستؤول البلاد في النهاية. يلوم البعض أنفسهم في مهادنة الآخر، لأنهم فعلياً يُربُّون أمراء حرب يجعلون المستقبل مخيفاً. كما يُوثّق الموقف الدولي وأوضاع المناطق السورية الأخرى تحت القصف والعنف، من خلال تسجيله مقاطع من نشرات الأخبار.

ينتهي الحصار ويؤول المطار إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ويختتم الفيلم بمشهد يُصوِّرُ كميات كبيرة من الأسلحة الغارقة في النهر أو المُلقاة فيه، والتي كان من الممكن أن تحسم الموقف، بينما كانوا في الأعلى على مقربة منها، يُعانون من قلة الذخيرة، أهي الخيانة أم سوء الحظ أم…؟

يوازي زمن الفيلم الطويل امتداد الحصار وطول أمده، كما يُبرِّر المخرج هذا الاستغراق في المَشاهد بقوله إنه أراد للمتلقي أن يعيش اللحظة كما عاشها الشباب، وأن يشعر بعمق معاناتهم وطولها.

تسير الكاميرا في مدينة الرقة على وقع أصوات الغربان، فيما يعقد الجرود موازاة بين صيد السمك من النهر وبين فعل إطلاق الصواريخ القليلة ذات النتائج غير الملموسة، فهي تُشبِه الصيد، إذ قد تُصيب وقد تَخيب.

تتميز كاميرا الجرود بغنى بصري مؤثر جمالياً وفنياً. بمهارة يدسّ مجاز الصورة في يد المُشاهد ووجدانه المضطرب، لتأخذه اللقطات التي تظهر فجأة إلى معانٍ عميقة وبعيدة؛ كالريح التي تحرك الثياب على حبل الغسيل، كأنها تشرح عنوان الفيلم. أو تلك الموازاة بين أطوار القمر ومراحل المهمة، إذ كان هلالاً حين وصلوا. أمّا صورة القمر خلف الأسلاك الشائكة، فتُقابلها صورة مقاتل يقف خلف تلك الأسلاك.

كما استخدم أغاني الرقة في الخلفية التي تجري فيها الأحداث، أمّا حين وصول الشباب فكانت أغنية فيروز: «والأيام شو ضيعنا أيام، والأحلام شو كبرنا أحلام» تعبيراً حقيقياً عن حالتهم.

صعوبات العمل في الفيلم التسجيلي

في سؤالنا للمخرج الجرود عن الصعوبات التي واجهها يقول:

«أعتقد أن الصعوبات تختلف من فيلم إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى، لكن إذا كان هناك شيء مشترك بينها جميعاً، فهو محاولة إيجاد المسافة المناسبة بين أن تكون داخل الحدث وأن تكون قادراً على تأمله في الوقت نفسه.

أنا في النهاية لست شخصاً جاء لتصوير هذه الأحداث من الخارج، بل أنا ابن هذا الظرف نفسه، وعشت كثيراً من هذه التحولات عن قرب. لذلك كان هناك دائماً تحدٍّ يتعلق بكيفية تحويل تجربة تحمل هذا القدر من الحمولة الإنسانية والفكرية والعاطفية إلى فيلم، من دون أن تتحول إلى شهادة مباشرة أو إلى موقف مغلق. وكان هذا ينسحب أيضاً على طريقة الاقتراب من الشخصيات داخل الأفلام: كيف يُمكن الاقتراب من  أشخاص نعيش معهم هذا القدر من القرب من دون تحويلهم إلى رموز جاهزة أو إطلاق أحكام نهائية؟ بالنسبة لي كان من المهم أن تبقى الأفلام وفية لتعقيد الأشخاص، وأن تترك مساحة للأسئلة أكثر من تقديم إجابات مغلقة.

ومن التحديات الحاضرة دائماً في مراحل صناعة الفيلم الوثائقي الأسئلة الأخلاقية التي ترافقه: كيف تقترب من حدث تملك تجاهه موقفاً أو ارتباطاً شخصياً من دون أن تُصادِره؟ وكيف توازن بين الحاجة إلى صناعة الفيلم وبين حق الأشخاص في صورتهم وفي الطريقة التي يظهرون بها؟ خصوصاً عندما يجري العمل داخل ظروف مُتحوِّلة ومفتوحة لا تسمح دائماً بالوضوح أو المسافة أو الشروط المثالية المعتادة للإنتاج.

كما كان هناك سؤال يتكرر مع كل فيلم: لماذا يجب أن يُصنَع هذا الفيلم أصلاً؟ وما الذي يجعله ضرورياً؟ بالنسبة لي، كل فيلم كان يحتاج أن يجد مبرره الخاص، وشكله الخاص، والطريقة التي تسمح له بأن يوجد من دون أن يُكرِّر ما سبقه.

ومن جهة أخرى، كانت هناك أيضاً تحديات مرتبطة بالإنتاج والاستمرار. في كثير من الأحيان كان هناك إصرار على الحفاظ على استقلالية العمل ورؤيته، حتى لو جعل ذلك الطريق أطول أو أكثر تعقيداً، لأن السؤال لم يكن فقط كيف يُنجَز الفيلم، بل كيف يبقى وفياً لما يريد أن يقوله».