عمار عبد اللطيف.كاتب سوري
عمار عبد اللطيف
غابت التعددية السياسية في سوريا منذ عدة عقود، بعد أن عاشت البلاد فترة قصيرة من الحرية السياسية عقب خروج الانتداب الفرنسي، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي، وانتهى ذلك بوصول حزب “البعث العربي الاشتراكي” إلى مقاليد السلطة عبر انقلاب سياسي في الثامن من آذار/ مارس 1963.
وشكل هذا التاريخ نقطة تحول حاسمة بالحياة الحزبية والسياسية في سوريا، إذ أدى إلى إضعاف الأحزاب القائمة حتى حلها نهائياً وملاحقة أبرز أعضائها وفرض هيمنة الحزب الواحد على المشهد الوطني، واستمر ذلك حتى سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
وشهدت الحياة السياسية في سوريا منذ ستينيات القرن الماضي سيطرة حزب البعث، الذي هيمن على مؤسسات الدولة والمجتمع عبر أجهزة أمنية مشددة، وحول العمل السياسي إلى أداة للضبط والسيطرة بدلاً من أن يكون وسيلة للتعبير والمشاركة.
وقد تشابهت هذه التجربة مع النماذج الشمولية التي عرفها العالم خلال القرن العشرين، مثل النازية والفاشية والستالينية، حيث اعتمدت جميعها على الأدلجة الصارمة، ورفض التعددية، وتقديس الزعيم الفرد.
وأدى هذا النهج إلى تغييب السياسة الحقيقية، وإفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها، وتكريس ثقافة الإقصاء واحتكار الحقيقة، الأمر الذي جعل المجتمع السوري عرضة للانقسامات الطائفية والدينية والمناطقية، وتحولت شعارات مثل “الوحدة والحرية والاشتراكية” إلى مجرد غطاء لممارسات القمع والفساد والنهب، بينما غابت قيم المشاركة والشفافية والمساءلة.
اقرأ أيضاً: تطور وتراجع الأحزاب في سوريا: من المشاركة الفردية إلى الهياكل الشكلية تحت سيطرة العسكر – 963+
تعديلات شكلية
رغم إدخال تعديلات دستورية خلال دستور 2012 نصّت على مبدأ التعددية، بقيت الحياة الحزبية شكلية، إذ ظل الحزب الحاكم وأجهزته الأمنية يسيطرون فعلياً على القرار السياسي.
لكن في المقابل، يظل تأثير الأيديولوجيات المختلفة للأحزاب على الهوية الوطنية محل جدل، خصوصاً في بلد متعدد الطوائف والإثنيات كسوريا، فقد ساهم غياب التعددية الحقيقية في عقود ما قبل الثورة في تعميق هشاشة الهوية الوطنية، حيث طغى خطاب الحزب الواحد على التنوع الاجتماعي، ما جعل المجتمع عرضة للانقسامات.
لقد كان غياب الحياة السياسية المتوازنة من أبرز العوامل التي جعلت الانتماءات الدينية والعشائرية والمناطقية تتقدم على الانتماء الوطني الجامع، وهو ما انعكس بشكل واضح خلال سنوات الحرب الأخيرة، حيث تفكك النسيج الاجتماعي وتراجع حضور الدولة المركزية لصالح قوى محلية أو عابرة للحدود.
واليوم، تطرح الأسئلة نفسها حول قدرة التعددية السياسية، إن استطاعت الظروف التي تمر بها سوريا إفرازها، على ترميم ما تصدّع من الهوية الوطنية السورية وإعادة اللحمة بين المكونات.
والآن هل تعيد الأحزاب السياسية ما خربته الحرب والحزب الواحد في سوريا، وهل تمتلك التعددية السياسية في البلاد إن وجدت، قدرة على تعزيز الهوية الوطنية وتمتين التماسك الاجتماعي وتمثيل المكونات السورية بالشكل الأمثل وتلبية مطالبها واحتياجاتها ضمن إطار الوطن السوري.
غياب الأحزاب.. غيّب النخبة
يقول أحمد عابدين، المحلل السياسي المقيم في باريس، إن غياب الأحزاب السياسية الفاعلة جعل النظام السياسي غير قادر على إنتاج نخبة متنوعة، وهو ما انعكس مباشرة على ضعف التماسك الاجتماعي وضعف القدرة على استيعاب الاختلافات داخل المجتمع السوري.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن الأحزاب السياسية، عندما تكون قوية ومعبرة عن مختلف أطياف الشعب، تلعب دوراً محورياً في بناء هوية وطنية جامعة، وتوفير بدائل سياسية تمكّن المواطنين من المشاركة الفاعلة في رسم مستقبلهم.
ويشير عابدين إلى أن الانتماءات الحزبية لا تسبب الانقسام، بل على العكس، فإن الاختلاف في السياسات والأفكار يوفر خيارات متعددة أمام المواطنين، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويرى أن تجربة الانتخابات الدورية، في حال توافرت حياة حزبية حقيقية، تتيح اختبار السياسات ومساءلة النخب، وهو ما يعزز ثقة المواطنين بالدولة ويقوي التماسك الاجتماعي.
التعددية تعزز الهوية الوطنية
أدى غياب التعددية السياسية في سوريا إلى زيادة هشاشة الهوية الوطنية، إذ أن الاحتكار السياسي أحاط عملية صنع القرار بالانغلاق، ومنع المجتمع من التعبير عن نفسه عبر مؤسسات سياسية حقيقية، وساهم هذا الوضع في تهميش قطاعات واسعة من الشعب وفتح المجال لاحتدام الانقسامات على أسس اجتماعية ومناطقية ودينية، بحسب ما ذكره عابدين.
ويخلص عابدين، إلى أن إعادة بناء الحياة الحزبية في سوريا ستكون خطوة أساسية لإعادة إنتاج توازن سياسي واجتماعي، فالأحزاب إذا أُعيد تأسيسها على أسس حقيقية تمثل مختلف المكونات السورية والتوجهات السياسية، يمكن أن تعزز الانتماء الوطني وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع في بناء الدولة، مما يقلل من حدة الصراعات الداخلية ويقوي الهوية الوطنية الجامعة.
ونهاية كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلن الناطق باسم إدارة العمليات العسكرية آنذاك العقيد حسن عبد الغني، عن حلّ جيش النظام المخلوع، وحزب البعث الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر.
وكان قد قال عبد الغني في بيان إعلان انتصار الثورة السورية: “نعلن حل حزب البعث، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، ويحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، على أن تعود جميع أصولها إلى الدولة السورية”.
الأحزاب كانت بلا تأثير
يقول الصحفي السوري عبد الناصر القادري، المقيم في تركيا، إن سوريا لم تعش منذ عقود حياة حزبية أو سياسية حقيقية، رغم وجود عشرات الأحزاب التي عملت بين عامي 1963 و2024، على اعتبار أن حزب “البعث” ظل يحتكر الساحة السياسية تحت سلطة الأجهزة الأمنية، ما جعل بقية الأحزاب بلا تأثير فعلي في الحياة العامة.
ويضيف القادري في حديث لـ”963+”، أن سوريا كانت تتميز بتنوع حزبي منذ تأسيس الدولة، وحتى في فترة الاحتلال الفرنسي، حين لعبت أحزاب الكتلة الوطنية دوراً بارزاً في إثراء الحياة الوطنية.
ويوضح، أن الأحزاب الإسلامية والقومية واليسارية التي نشطت لاحقاً لم تخرج في بوصلتها عن الإطار الوطني، رغم تأثرها بالظروف الخارجية مثل جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر، أو الاتحاد السوفيتي، أو المد القومي العربي والناصري على وجه الخصوص.
ويشير، إلى أن الأحزاب السورية التقليدية، وكذلك تلك التي تشكلت بعد اندلاع الثورة، لم تتمكن من خلق حالة سياسية فاعلة، بسبب غياب حضورها على الأرض وهيمنة العمل العسكري والفصائل المسلحة على المشهد.
ويرى القادري أن المرحلة الحالية تمثل بداية تجربة جديدة كلياً، تحمل ملامح تأسيس “جمهورية مختلفة”، تتسع فيها مساحة الحريات، وأن الأمل معقود على تأسيس أحزاب سياسية ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني قادرة على خلق أجواء من التدافع السياسي والنضال الوطني، بما يسهم في تعزيز اللحمة الوطنية بعيداً عن الأيديولوجيات والانقسامات الأهلية.
أسباب ضعف الهوية الوطنية
ويختم القادري بالقول: “إن بناء حياة حزبية حقيقية لن يكون مهمة سهلة في بلد أنهكته الحرب، لكنه ضرورة تاريخية لتجاوز آثار الاستبداد والصراع، ولبناء هوية وطنية سورية جامعة تقوم على الحرية والمواطنة والعدالة”.
وكشفت التجربة السورية الممتدة لعقود أن غياب التعددية السياسية وهيمنة الحزب الواحد كانا من أبرز أسباب ضعف الهوية الوطنية وتفكك التماسك الاجتماعي، وجعلا البلاد أكثر هشاشة أمام الحرب والانقسامات.
واليوم، ومع سقوط المنظومة القديمة وحلّ مؤسساتها، تقف سوريا أمام استحقاق تاريخي يتمثل في إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس جديدة تقوم على المشاركة والاعتراف بالتنوع، ورغم صعوبة الطريق وتعقيداته، فإن تأسيس أحزاب حقيقية تعكس مصالح مختلف المكونات السورية يمكن أن يكون المدخل الأهم نحو ترميم النسيج الوطني وصياغة مستقبل يقوم على المواطنة والحرية والعدالة، بعيداً عن الاستبداد والإقصاء الذي طبع الماضي.
تصفح أيضاً