
روائي وصحفي.. جريدة الثورة السوري
في المشهد الختامي الاستثنائي من فيلم seven، إنتاج 1995 يقف براد بيت، الذي يقوم بدور محقق يلاحق مجرماً متسلسلاً، أمام المجرم المقيد «كيفن سبيسي» الجاثي على قدميه، بعد أن نفذ ست جرائم، ليكتشف أن جريمته السابعة ليست سوى زوجة المحقق نفسه، يقف المحقق شاهراً مسدسه، تتنازعه حالات متناقضة، يظهر ذلك في ملامحه، في بكائه وصراخه، في نظراته المسكونة بالخيبة والقهر والغضب، فيما زميله المحقق الآخر «مورغان فريمان» يطلب منه أن يضع مسدسه جانباً، وأن يترك العدالة تقتص له من قاتل زوجته وستة آخرين، لكنه لا يفعل.
في مشهد معاصر، من لحم ودم، كما يقال، يقف عاطف نجيب، ضابط الأمن السابق، وابن خالة رأس النظام الساقط، في قفص الاتهام، فيما القاضي يتلو عليه لائحة الاتهام، ويواجهه بالحقائق والأدلة، عن الجرائم التي ارتكبت إبان فترة توليه إدارة فرع الأمن السياسي في مدينة درعا، خلال الأيام الأولى للثورة السورية، يبدو عاطف نجيب بريئاً كحمل، فهو لم يكن يعلم، ولم ير، ولم يسمع، وكل ما قيل عنه هو عبارة عن منشورات فيسبوك، حتى لتكاد تصدق طيبته وبراءته، فيما قلوب ملايين السوريين تغلي غضباً، ويتمنى واحدهم أن ينقض عليه.
هذه على الأقل المشاعر التي وصلتني من خلال قراءة بعض المنشورات الغاضبة، والتي تطالب بـ«تعليقه» هكذا حرفياً، ويذهب بعضها أبعد من ذلك ليقول إن المحاكمة كلها غير ضرورية، وإن على الدولة أن تنصب المشانق فوراً، ومن دون تأخير، لأن هذا فقط ما سوف يشفي صدور الناس، ولكن.
كتب محام وقور أن القاضي كان متساهلاً مع عاطف نجيب، لدرجة أنه لو توافر له محام جيد، فسوف يتمكن من الدفع ببراءته، ومع أن ما رأيناه من المحاكمة هو أقل من ساعة حتى الآن، إلا أن ثمة آراء متضاربة بدأت تتشكل، وإن كان البعض استقبل ردود عاطف نجيب بالسخرية، إلا أن آخرين ربما فكروا ماذا لو كان عاطف نجيب غير مسؤول بشكل مباشر عما حدث، فهل يمكن الدفع ببراءته، ومن ثم إطلاق سراحه؟ ولن أنشغل كثيراً بأولئك الذين هللوا لهذا الاكتشاف، واعتبروا أن الثورة برمتها بنيت على رواية كاذبة، فهذا كلام ينطلق من حقد، ولا يمكن التعويل عليه.
مع الأيام الأولى للتحرير، برز مصطلح العدالة الانتقالية، بوصفه قارب النجاة، الكفيل بإنقاذ سوريا من الانزلاق إلى دوامة عنف لا تنتهي، فحجم الجرائم التي ارتكبت طيلة عقود لا يمكن إغفاله، ولا يمكن، والحالة هذه، مواساة أهالي الضحايا بالكلمات فقط، واعتبار أن «النصر الذي لا ثأر فيه» بمثابة صفحة بيضاء جديدة، يفتحها السوريون، وينفتحون بعضهم على بعضهم وكأن شيئاً لم يحدث.
وقد بدأ الضغط الشعبي يطارد الحكومة، خاصة بعد انتشار أخبار مصالحات وتسويات تعقد سراً وعلانية، لبعض الشخصيات المتورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في المقتلة السورية، وهو أيضاً برز كمطلب أممي، تحدث فيه سياسيون وقانونيون دوليون، زاروا سوريا أو تحدثوا في شأنها خلال جلسات ومؤتمرات.
وقد تشكلت هيئة العدالة الانتقالية بموجب مرسوم رئاسي قبل سنة من الآن، وكنا نلتقط من الأخبار بشكل متقطع أخباراً عن اجتماعات تعقدها، ولقاءات تجريها، ومن دون أن نقلل من قيمة عمل من يعمل، إلا أن الناس ضاقت ذرعاً بالتسويف، وبدا أن الأمور ذاهبة إلى الرهان على أن الوقت كفيل بأن يجعل الناس تنسى، ولكن الناس لا تنسى، ومن دون أن نغفل طبعاً أن الأحداث المؤلمة التي وقعت في بعض مناطق الساحل، ثم ما حدث من مآس في السويداء، زاد على الملفات المتراكمة أصلاً ملفات إضافية، وبات لزاماً على العاملين في ملف العدالة الانتقالية أن يربطوا الأحزمة وينطلقوا، لأن أي تسويف إضافي لن يؤدي إلا لمزيد من الغضب، وهذا ما لا نتمناه ولا نريده جميعاً.
في تصريح أدلى به مؤخراً لإحدى القنوات التلفزيونية، قال نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر الطحان إن الوزارة وضعت خطة لإصدار قوائم علنية بأسماء مطلوبين للتحقيق، وأشار إلى أن عدد الأسماء في تلك القائمة قد يصل إلى 16 ألف شخص. وثمة أخبار غير مؤكدة تشير إلى أن وزارة الداخلية بأجهزتها المختلفة قامت بإلقاء القبض على قرابة ستة آلاف متهم، وهذا عدد كبير جداً، ويستغرق التحقيق معهم أياماً وأشهراً.
وبطبيعة الحال فنحن لن نفترض أن نرى كل واحد من هؤلاء واقفاً أمام قاض في محكمة، ولا أن تقوم وزارة الداخلية ببث جلسات التحقيق مع كل واحد على حدة، كما فعلت مع جزار الغوطة، أو مع سفاح التضامن، مثلاً، لكننا سوف نقبل أن تمضي العدالة الانتقالية في سبيلها، فتقتص للضحايا، وتجبر خواطر ذويهم، لعل سوريا أيضاً تمضي في سبيلها، وتتجاوز سنوات المرارة التي عاشتها.
ما بين صراخ المحقق الذي يريد أن تأخذ العدالة مجراها في فيلم seven، وما بين وجه الزوج المكلوم الذي نفذ العدالة بيديه، ولم ينتظر أن يمثل المجرم أمام قاض ليحاكمه، ليتحول من رجل قانون إلى قاتل. تقف سوريا اليوم، فما رأيناه في محاكمة عاطف نجيب من احترام في التعامل من قبل القاضي، ومراعاة لأصول المحاكمات، هو شيء لم يتح لآلاف السوريين الذين صدرت أحكام الإعدام بحقهم، واقتيدوا إلى المشنقة، ثم ألقيت جثثهم في مقابر جماعية، وتحولوا إلى قوائم يتم نشرها تباعاً، فتنكأ جراحاً لم تندمل.
ختاماً، ماذا لو أن المحكمة برأت، في آخر المطاف، عاطف نجيب من التهم المنسوبة إليه، هل سنقبل بذلك الحكم، ونعتبره عادلاً، أم سوف نفقد ثقتنا بالقضاء؟ وهل العدل ما نريده نحن، أم ما يقره القانون؟