تنطلق هذه المقالة من الفرضية التالية: حقوق المِلكية ليست مجرد أداة لتنظيم الاقتصاد، بل هي حدٌّ جوهري على سلطة الدولة والأفراد معاً. وعندما تتآكل هذه الحماية، لا تكون النتيجة مجرد اختلال اقتصادي، بل تفكُّك أعمق يَمسّ الكفاءة، والشرعية السياسية، والبنية الحقوقية للمجتمع.

تهدفُ هذه المقالة إلى تحليل التحولات الجارية في سوريا من خلال هذا المدخل، عبر ثلاث خطوات مترابطة: أولاً، تأصيل نظري لحق الملكية في أبعاده الاقتصادية والسياسية والحقوقية؛ ثانياً، قراءة هذه الأبعاد في ضوء معطيات ميدانية وتحليلية حديثة؛ وثالثاً، استخلاص النتائج المُتعلقة بالكفاءة الاقتصادية، والعقد الاجتماعي، وشرعية السلطة. ويستند التحليل إلى مقاربة الاقتصاد السياسي المؤسسي ونظرية التسوية السياسية، بما يسمح بفهم هذه التحولات بوصفها نمطاً بنيوياً لا مجرد حالات متفرّقة.

تُظهر أدبيات الاقتصاد المؤسسي أن وضوح حقوق المِلكية واستقرارها يُشكلان شرطاً أساسياً لكفاءة تخصيص موارد المجتمع. فحين تكون الحقوق مُحدّدة ومحمية، تنخفض تكاليف المعاملات، وتزداد القدرة على الاستثمار طويل الأجل، وتُستخدم الموارد بطريقة أكثر إنتاجية. غير أن هذه النتيجة تفترض وجود نظام قانوني قادر على حماية الملكية من التعدي، سواء أكان هذا التعدي صادراً عن أفراد أم عن الدولة نفسها.

وهنا تكمن نقطةٌ حاسمةٌ يجب التأكيد عليها: لا تكتمل وظيفة حقوق الملكية إلا إذا كانت محميةً من السلطة بقدر ما هي محميةٌ بها. فالدولة التي لا تُقيَّد في قدرتها على إعادة تعريف المِلكية أو التدخل فيها، تُقوِّض الشرط ذاته الذي يجعل هذه الحقوق منتجة اقتصادياً. وعليه، فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الحماية من الاعتداءات الفردية، بل أيضاً – وبشكل أعمق – في غياب الحماية من التوسع غير المُقيّد للسلطة واعتداءاتها.

من منظور العقد الاجتماعي، تُمثِّل حماية المِلكية أحد الأسس التي تقوم عليها شرعية الدولة. فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم لا تُبنى فقط على فرض النظام، بل على ضمان الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التملك والاستقرار. وعندما تُصبح هذه الحقوق عرضةً لإعادة التعريف أو الانتقاص دون رقابة أو مساءلة، فإن الدولة لا تفشل فقط في أداء وظيفة من وظائفها، بل تُعيد صياغة العلاقة مع المجتمع على نحو غير تعاقدي.

أمّا في البعد الحقوقي، فإن المِلكية تتجاوز كونها أصلاً اقتصادياً، لتُصبح شرطاً للكرامةِ والاستقلال. فهي ترتبط بالحق في السكن، والقدرة على إعادة بناء الحياة، والأمان المادي والقانوني، خصوصاً في سياقات النزاع والتهجير كما هي الحالة السورية. لذلك، فإن المساس بها – سواء عبر الاستيلاء المباشر، أو إعادة التوثيق الانتقائية، أو التدخلات التنظيمية غير المتوازنة – يُشكِّل انتهاكاً مُركَّباً يتجاوز الخسارة المادية.

غير أن هذه الأبعاد الثلاثة لا يُمكن فهمها بمعزل عن بنية السلطة. فمن منظور الاقتصاد السياسي، لا تُحدَّد حقوق الملكية فقط عبر القوانين، بل عبر موازين القوة، والشبكات، والقدرة على الوصول إلى الحماية. وفي هذا الإطار، تُصبح الملكية أداةً لإعادة توزيع الموارد والريع، وليست مجرد مؤسسة محايدة لضبط استخدامها.

تُشير مجموعة من المواد التحليلية والتحقيقات الحديثة إلى وجود نمط متدرّج في إعادة تشكيل حقوق الملكية. يبدأ هذا النمط على المستوى الميداني، كما يظهر في تحقيق منشور في موقع الجمهورية.نت حول سلب المساكن في حمص، حيث تُوثَّق حالات سيطرة على العقارات عبر آليات وضع اليد واستغلال الفراغ القانوني، بما يؤدي إلى إعادة توزيع فعلية للأصول خارج الأطر الرسمية. ولا تتوقف العملية عند هذا الحد، بل تتبعها محاولات لإعادة تعريف هذه الملكيات ضمن أطرٍ قانونية أو تاريخية، وهو ما يَتضِح أيضاً في ما أصبح معروفاً من تصريحات مسؤولي وزارة الأوقاف حول السعي للحصول على سجلات عثمانية عبر التواصل مع رئاسة الشؤون الدينية التركية، بما قد يفتح المجال لإضفاء طابع رسمي لاحق على تحولات جرت في الأصل خارج القانون، ويُشكِّل في الوقت ذاته مدخلاً محتملاً لإعادة ترتيب واسعة لحقوق الملكية، عبر إعادة فتح معايير إثباتها وحدودها، بما قد يؤدي إلى خلط بنيوي في منظومتها القانونية القائمة.

وعلى مستوىً أوسعَ، تترافق هذه التحولات مع إعادة تنظيم النشاط الاقتصادي عبر شبكاتٍ ووسطاءَ، كما تُناقش ذلك مجموعة من المواد المنشورة في الجمهورية.نت، بحيث لا تختفي الدولة، بل تُعيد توظيف هذه الشبكات ضمن بنية مؤسسية هجينة. وفي هذا السياق، يكتسب التحكم في بوابات الاقتصاد – كالمنافذ التجارية – أهمية خاصة، بوصفه وسيلةً لإعادة توزيع الوصول إلى السوق والريع، كما يظهر في تحليل دور الجمارك ضمن الاقتصاد السياسي. ويكتمل هذا المشهد حين يُفهَم الفسادُ، كما تطرحه إحدى هذه المواد، لا كحالة استثنائية، بل كآلية تنظيمية تُستَخدم لإدارة توزيع الامتيازات وضبط التوازنات بين الفاعلين.

ويظهر هذا المنطق أيضاً في ما يجري تداوله حول إبرام تسويات مع بعض رجال الأعمال الكبار المرتبطين بالنظام السابق، خارج أطرٍ قانونية واضحة وشفافة. فهذه التسويات، التي لا تستند إلى قواعدَ عامةٍ أو إجراءات قضائية مستقلة، لا تُمثِّل فقط معالجة لحالات فردية، بل تطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة حقوق الملكية نفسها. إذ تتحول الملكية في هذه الحالات من حق محكوم بقواعد عامة إلى موضوعِ تفاوضٍ انتقائي، تُحدّده موازين القوة والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار. وفي هذا السياق، لا تقتصر آثار هذه الممارسات على إعادة توزيع الثروة، بل تمتد إلى تقويض استقرار منظومة الملكية ككلٍّ، عبر تكريس سابقةٍ مفادُها أن الحقوق يُمكن إعادة ترتيبها أو تسويتها خارج الإطار القانوني العام.

وبذلك، لا تبدو هذه الظواهر حالات منفصلة، بل مراحل ضمن عملية واحدة لإعادة توزيع الملكية والريع، بما يعكس منطق التسوية السياسية أكثر مما يعكس منطق التنظيم المؤسسي المحايد.

يُعزّز هذا النمط إمكانية إجراء مقارنة تحليلية مع نماذج أخرى، لعل أبرزها الحالة الإيرانية، حيث تعمل الدولة أيضاً عبر هياكل هجينة تجمع بين المؤسسات الرسمية وشبكات اقتصادية موازية، تلعب فيها جهات مثل الحرس الثوري دوراً محورياً في إدارة قطاعات واسعة من الاقتصاد. وفي كلا السياقين، لا تنسحب الدولة من المجال الاقتصادي، بل تُعيد تنظيمه عبر وسطاء وشبكات، بما يسمح بإعادة توزيع الريع وضبط التوازنات بين الفاعلين.

غير أن هذا التشابه في الآليات لا ينبغي أن يَحجب الفروق في السياق المؤسسي، إذ تعمل هذه الترتيبات في الحالة الإيرانية ضمن إطار أكثر استقراراً نسبياً، مع وجود مؤسسات شكلية للتمثيل والرقابة، حتى وإن كانت محدودة. أمّا في الحالة السورية، فإن ضعف القيود المؤسسية وطبيعة السلطة الانتقالية يمنحان هذه الشبكات هامشاً أوسع من عدم الضبط، ويجعلان آثارها على حقوق الملكية والكفاءة الاقتصادية والحقوق الأساسية أكثر حدة وخطورة.

ولا يُمكن فهم هذا النمط أيضاً بوصفه قطيعة تامة مع النموذج البعثي التقليدي، بقدر ما هو إعادة تشكيل له. فمن جهة، تستمر مركزية القرار السياسي وتسييس الاقتصاد كسمات موروثة، ومن جهة أخرى، يظهر تحول نحو نمط أكثر اعتماداً على الشبكات والوسطاء في إدارة النشاط الاقتصادي، بما يخلق بنية هجينة تجمع بين السيطرة السياسية المركزية والتفويض العملي للفاعلين المرتبطين بها.

تكتسب هذه العملية خطورتها مضاعفة عند وضعها في سياقها المؤسسي، فالتصرفُ في حقوق أساسية كحق الملكية يجري ضمن إطار تفتقر فيه السلطة إلى آليات تقييد فعالة: لا رقابة تشريعية مستقلة، ولا فصل واضح بين السلطات، ولا مؤسسات قادرة على مساءلة القرارات التنفيذية. في مثل هذا السياق، تتسع السلطة التقديرية إلى حدٍّ تُصبح فيه قادرةً على إعادة تعريف الحقوق دون ضوابط كافية.

وهنا يُصبح السؤال ليس فقط: كيف تُعاد صياغة الملكية؟ بل: من يملك شرعية إعادة صياغتها، وتحت أيِّ قيود؟ فعندما تغيب هذه القيود، تتحول الملكية من حق عام إلى امتياز قابل لإعادة التوزيع، وتُصبح الحماية القانونية غير متكافئة، بل مرتبطة بالموقع داخل شبكات النفوذ.

يُمكن فهم بعض هذه الديناميات ضمن منطق أوسع يرتبط بسياقات ما بعد الصراع، حيث يُعاد توزيع الأصول كجزء من إعادة تشكيل موازين القوة. وفي هذه الحالات، لا تكون إعادة توزيع الملكية مجرد أداة اقتصادية، بل وسيلة لتثبيت التحالفات وإعادة بناء النظام السياسي. غير أن هذا المنطق، حتى وإن كان يخدم اعتبارات الاستقرار على المدى القصير، يأتي بكلفة عالية.

اقتصادياً، يؤدي عدم استقرار حقوق الملكية إلى بيئة عالية المخاطر، حيث يتراجع الاستثمار طويل الأجل، وتُستَخدم الموارد بشكل غير كفؤ، وتُخصَّص الفرص بناءً على القرب من السلطة لا على الإنتاجية. سياسياً، يُساهم ذلك في إضعاف العقد الاجتماعي، إذ تفقد الدولة دورها كضامن عام للحقوق، وتتحول إلى موزّع انتقائي للحماية والامتيازات. أمّا حقوقياً، فيُقوِّض هذا المسار مبدأ المساواة أمام القانون، ويجعل الحقوق الأساسية – وفي مقدمتها الملكية – قابلة للتفاوض والتعديل بل ويُشرعِن الانتهاك.

في ضوء ما سبق، يُمكن القول إن المسألة لا تتعلق فقط بإدارة الاقتصاد أو إعادة تنظيمه، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والحقوق. فحين لا تكون الملكية محميةً من تعديات الدولة بقدر ما هي محميةٌ بها، تفقد وظيفتها الاقتصادية، ويتآكل مضمونها الحقوقي، وتضعف قدرتها على دعم عقد اجتماعي مستقر.

إن حماية حقوق الملكية ليست مسألة تقنية أو إجرائية، بل هي شرطٌ أساسيٌّ لقيام اقتصاد كفؤٍ، ودولة شرعية، ومجتمع قائم على حقوق متساوية. وأيُّ مسار يُعيد تشكيل هذه الحقوق دون قيود مؤسسية واضحة، ودون ضمانات قانونية عامة، يحمل في طياته مخاطر تتجاوز الحاضر، وتمتد إلى بنية النظام الاقتصادي والسياسي على المدى الطويل.