عبده وازن. كاتب
.عبده وازن
ملخص
في الذكرى الأولى لرحيله أحيت وزارة الثقافة اللبنانية والمكتبة الوطنية “يوم إلياس خوري”، وتوزع بين معرض لصوره وكتبه بالعربية والترجمات الأجنبية، وطاولة مستديرة وندوة أكاديمية حول تجربته الروائية. وسلم في المناسبة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أهل الروائي وسام الأرز الذي منحه إياه رئيس الجمهورية جوزاف عون.
لو قدر للروائي إلياس خوري أن يقاوم المرض وينتصر على الموت، فهل كان ليكتب رواية هذا الاختبار الممض والقاسي؟ هذه التجربة التي خاضها بعينين مفتوحتين وعقل صاح ووعي حاد، ولكن بجسد مهيض كاد يصبح في الفترة الأخيرة طيف جسد، هي من أقسى التجارب التي يواجهها الإنسان، عبر انفصال أوصال الجسم عن ثنايا الروح، حتى ليشعر بأنه واقف على الشفير بين موت وشيك ورغبة في العيش تندفع من صميم طويته.
في نص له في صحيفة “القدس” حمل عنوان “سنة من الألم” كتب إلياس عن مخامرته أقسى لحظات الألم الممض، عندما أدخل إلى طوارئ مستشفى “أوتيل ديو” في الـ12 من يوليو (تموز) 2023 وصادف هذا اليوم يوم ميلاده، فقال: “ضربني ألم لا قدرة للإنسان على تحمله، فصرت أطلب المورفين من الممرض، ثم طلبت الموت، ثم غبت عن الوعي”.
الوجع المستديم
ليست هذه سوى لحظة من لحظات الوجع المستديم الذي عرفه إلياس على طريق جلجلته الأخيرة، وقد خضع لست عمليات جراحية، أعمل الجراحون خلالها مباضعهم في منطقة وعرة من جسمه. حارب إلياس المرض الممزوج بخل الألم 14 شهراً، وكانت جبهة المحاربة هذه من أشد الجبهات عنفاً، فهو وحده يقاوم هنا، داخل السرير، فارغ اليدين، منهكاً، وقرب سريره، نجلا وعبلة، النجمتان اللتان أغدقتا عليه أعذب أنوارهما، لكن إلياس ظل في حال من الرجاء الممكن، ظل يصر على الأمل، وعلى الحب الذي صار “ند الألم”، الند الذي يمهد للانتصار عليه، كما أملى على عبلة حرفياً، وأضاف: “أنا أكتب هنا لأشهد لنور الحب”. هذا كلام إلياس الممدد على سرير المرض، ولكن غير المستسلم، وغير الخائف، على رغم مجابهته ظلال النهايات.
رئيس الحكومة نواف سلام يسلم العائلة وسام الجمهورية بحضور وزير الثقافة غسان سلامة (أ ف ب)
لم يصرخ إلياس كما صرخ كافكا اليهودي اللاأدري والعبثي، في وجه طبيبه روبرت كلوبستوك: “اقتلني وإلا ستكون مجرماً”، مصراً على الموت الرحيم وسط انكساره الجسدي والوجودي. طلب إلياس المخدر ليرسم حداً للألم، وفي يقينه أنه سيصحو ويعود إلى حياته.
ما كان تراه سيكتب إلياس لو تسنى له أن ينهض من كبوته، عن هذا الاختبار القاسي؟ أطرح السؤال مرة أخرى وفي ظني أن صاحب “غاندي الصغير” كان سيقف أمام مرآة نفسه، على غرار أيوب في العهد القديم، ويسوع الناصري في العهد الجديد، أو يسوع الفلسطيني كما سماه إلياس أكثر من مرة، ولكن ليس ليعاتب الخالق على ما أنزل به، أو ليقول له “لماذا تركتني؟”، بل ليغوص في معنى الجسد المعذب الذي اختبره على طريقته، فيستخلص بصفته روائياً، مفهوم المرض الشخصي.
التجربة الأيوبية
استعار إلياس اسم أيوب في بعد إيحائي مضمر، وأطلقه على شخصيات في رواياته كما في مسرحية عنوانها “مذكرات أيوب”، أخرجها روجيه عساف، وفي نص لا يزال مخطوطاً عنوانه “أيوب في المرآة”، لكن أيوب إلياس خوري خصوصاً في المسرحية، لم يدن من سميه الكتابي أو التوراتي، فكان مناضلاً شاباً حيناً، ومناضلاً متقدماً في العمر حيناً، شهد حرب 1948 أو رجلاً مجهولاً في وسط الحرب الأهلية، لكن إلياس، شخصاً أو إنساناً، طوال عام الألم هذه، لم يكن في منأى عن شخص أيوب في افتقاد الله إياه وسومه أشد ضروب العذاب الجسدي حتى صرخ أيوب في وجه بارئه: “ما عسى قوتي حتى أنتظر وكم بقائي حتى أصبر نفسي، أقوة الحجارة قوتي أم لحمي من نحاس؟”، وقال أيوب أيضاً: “لا أحبس فمي بل أتكلم في ضيق روحي وأشكو في مرارة نفسي”، مضيفاً: “فلا طمأنينة لي ولا قرار ولا راحة”.
في الذكرى الأولى لرحيله (المكتبة الوطنية)
أما إلياس فاجتاز ما يشبه هذا الاختبار ولكن في منحى غير ديني أو نبوي، كما لدى أيوب، وقد كتب في الـ15 من يوليو 2024 نصاً أليماً جداً، وفريداً، لم يخل من الشكوى والتأمل في آن واحد، ومن التماهي الكلي مع آلام أبناء غزة وفلسطين. يستهل إلياس النص بما يشبه المفاجأة، بعدما وجد نفسه قابعاً في سريره في المستشفى منذ عام كامل. عام كامل عبرت خارج حسبان الزمن، زمنه، عام أو “حياة من الألم الذي لا يتوقف إلا أمام ألم جديد” كما يعبر. ويعترف بصلابة وترفع كثيراً ما عرف بهما: “أنا لا أشكو”، ويضيف: “لكن كمية الألم تفتت الصخر وتجعل الحياة تفتقد المعاني”، “كمية من الألم لا تنتهي”، ويضيف بلهجة أيوبية عبثية كما لو في لحظة إنكار أو احتجاج: “كأنني ارتكبت كل الخطايا وكل الجرائم منذ فجر التاريخ”.
ويمعن في مواجهة هذه الحال قائلاً: “ثم حين يتخلى عنك الألم للحظات يتركك أشلاء عاجزة عن الحياة”. وإن ألفى إلياس نفسه بجسده الجريح يصرخ، فإنما في انتظار الوقت “الوقت بطيء، ثقيل، سمج لا يأتي”، كما يعبر. قد يكون هذا البطء، هو الأشد وطأة وقسوة، فهو انعدام الوقت في قلب الوقت، بل لعله انعدام الموت في قلب الموت. هنا أتذكر ما قاله سيوران في هذا الصدد: “الإنسان يرتضي بالموت ولكن لا يرتضي بساعة موته. الموت في أي وقت، ما عدا عندما يحين الموت”. ولئن تحدث إلياس عن افتقاد المعاني في نصه الرهيب هذا، فلأنه لمس لمس اليقين أن “في حياة الألم علينا أن نصنع المعنى”، لا بد، في رحلة العذاب التي يخوضها وحيداً، بحسب تعبيره، من أن يصنع المعنى، وهذا المعنى لا يجترح إلا في الإصرار على عدم “فقدان الأمل والشجاعة”، كما يقول، لكنه يعي ولو قسراً، أن ما من أحد بقادر على وصف الألم أو كتابته، كما يعبر: “نحن في ما لا يكتب”، ويضيف: “هل أستطيع أن أفكر برأسي بينما جسدي يتمزق؟”.
المسيح الفلسطيني
قد يكون التأويل الأيوبي للاختبار الذي عاشه إلياس مدخلاً إلى التماهي المسيحي الذي أعرب عنه علانية أكثر من مرة، إذ قال في النص نفسه: “لن أعود بكم إلى آلام السيد المسيح، لكني سأقول لكم إنها تجربة كبرى وأنا أعيش وسطها”، وهو كان استعاد في مقال سابق خلال المحنة، مقولة “في البدء كان الكلمة”، قائلاً إن الكلمة العربية مشتقة من “كلم” أي جرح، فصارت الكلمة هي الجرح، كما يكتب، و”عادت إلى معناها الأصلي، لأن المقصود في الكلمة كان المسيح، فالمسيح هو جرحنا وهو جرح الله في اللاهوت المسيحي”.
لا محل هنا للبحث في مسيحية إلياس وطبيعة مسيحيته، وهل هي مستقيمة أم مهرطقة، أم إنسانوية أم يسارية، أم اشتراكية أم ملتزمة… فهو لا يلبث كما عرف عنه، أن يجمع بين الجرح المسيحي والجرح الفلسطيني، وكان أصلاً خلال رحلة العذاب هذه، يتابع من كثب، عبر الشاشة الصغيرة، كلما سمحت له “هدنة” الجسد، ما يحدث في غزة وفلسطين اللتين تضربان ضرباً وحشياً منذ ما يقارب العام، العام الذي يبدو موازياً لعامه هو، لكن غزة وفلسطين بنظره، “صامدتان لا تتزحزحان”، ويضيف”: “إنهما النموذج الذي أتعلم منه كل يوم حب الحياة”. ولعل إلياس المهيض الجسد والمتألم كان يتماهى مع أطفال غزة ونسائها وعجائزها، مع جرحاها وجائعيها ومعذبيها الذين فاق عذابهم كل تصور.
عندما أوشك إلياس على الالتحاق بحركة العمل الفدائي في الستينيات، خلال صعود التيار العربي الوطني، بغية الجمع بين النضال على الأرض والنضال على الورق، طرح الفكرة على المطران جورج خضر، الذي كان يرعى حركة الشبيبة الأرثوذكسية التي تخرج فيها كتاب ومثقفون يساريون ومنهم إلياس نفسه، قال المطران له: “المسيح هو الفدائي الأول”.
لم يتوان إلياس إذاً عن إسباغ الصفة الفلسطينية العربية على يسوع الناصري، مردداً عبارة “لاهوت الأرض”، متجاوزاً نسب يسوع إلى نسل داوود كما ورد في إنجيل متى، حتى ليقول: “لو قرر المسيح أن يولد اليوم في وطنه فلسطين لولد في غزة، ملفوفاً بالكوفية الممزقة وهو يرتجف برداً تحت ركام البيوت”. وفي مقال له في الفترة نفسها، يعود إلى فيلم المخرج الإيطالي بازوليني الشهير وعنوانه “الإنجيل بحسب متى” متحدثاً عن الهيئة الشرقية والعربية واليسارية التي أحلها بازوليني على يسوع، ومما قال: “كان المسيح غريباً فاحتضن الغرباء والفقراء والمشردين، وكان ثائراً فانتفض ضد الظلم”.
هذه ليست بيروت
في الـ29 من يوليو 2024 كتب إلياس مقالاً استهله بسؤال طرحته عليه عبلة: “أين سنذهب بعد الخروج من المستشفى؟”، فقال لها: إلى بيروت، أجابته: “نحن في بيروت”، قال “لا هذه ليست بيروت، هذه أحد أشباح بيروت، إنني أريد المدينة لا أشباحها”. ليس من حاجة إلى استعادة ما كتب إلياس منذ أول شبابه حتى آخر رمق من حياته، عن بيروت، وهو الذي كان رائد رواية الحرب الأهلية التي انطلقت في بيروت، وقسمتها بيروتين مع خط تماس، مرئي ومضمر، وهو الذي أسهم في تأسيس “مسرح بيروت” في عين المريسة، وقاوم بشراسة مع رفاق له، مشروع سوليدير القاضي بهدم ذاكرة بيروت، المكانية والتاريخية، بل هو الذي شارك، عقب انضمامه إلى حركة اليسار الديمقراطي، في تنظيم انتفاضة ربيع بيروت وتظاهر وهتف وأقام في الخيم.
الياس خوري روائي لبنان وفلسطين يرحل عن 76
“ملحمة” الياس خوري الفلسطينية تخاطب القارئ الفرنسي
ولئن حضرت بيروت حضوراً مركزياً، وجودياً وفلسفياً، في رواياته ومثلت الخيط الداخلي الذي يربط بين المحطات والمراحل والشخصيات والوقائع طوال الحروب المتوالية، فهي حضرت مرات لا تحصى في مقالاته بين “السفير” وملحق النهار” وصحف ومجلات أخرى، حتى أصبحت بيروت وفق أسلوبه في التعبير، المرآة والصورة، الوجه والقناع، الجسد والظل بل “المبتدأ والخبر” لو استعرنا عنوان كتابه. ولعل العلاقة بين بيروت وإلياس، التي شهدت أوج مأسويتها في انفجار مرفئها، تحتاج إلى بحث مستفيض ليس محله هنا. وكم بدت بيروت تفتقد إلياس منذ اللحظة التي غاب فيها، افتقاد معنى وشكل، افتقاد موضوع وذات، فقلم إلياس كان لا يزال من الأقلام القليلة التي ما برحت صامدة، في مدينة تفقد كل يوم علامة مما بقي من علاماتها الفريدة.
عام 1980 نشر إلياس في مجلة “مواقف” فصلاً أول من رواية كان يكتبها عنوانها “وصف الربيع”، أما عنوان الفصل هذا فهو “الورقة البيضاء”. تذكرت هذا الفصل عندما كان إلياس في المستشفى، وأتذكره الآن بخاصة، فهو كأنه يرد مسبقاً على ما أملاه على عبلة: “في وحدتي وألمي لست بطلاً ولا أدعي البطولة”. ولعلها مصادفة مستغربة حقاً، أن يستهل إلياس روايته التي لم تكتمل – ولن – بحديث أو مونولوغ يتفوه به بطله، الممدد على السرير في مستشفى الجامعة الأميركية في عز الحرب الأهلية قائلاً: “كل شيء أبيض، المستشفى أبيض، كل شيء في المستشفى كان أبيض، ولم أكن أسمع سوى صوت السكوت. الممرضة تمشي وأمامها عربة مليئة بالعقاقير. كنت أرتجف وأسناني تصطك”، ولئن كان هذا المشهد حلماً أبصره البطل وهو أستاذ ثانوي، فالمفارقة أن هذا الأستاذ يحاول أن يكتب تحت وطأة استشفائه، معانياً حالاً من العجز عن الكتابة، كأن يقول: “أمامي تجلس الورقة البيضاء، تنام على الطاولة، وأنا أجلس أمامها، هي تنام وأنا لا أنام…”.
ختاماً، أعتقد أن لا بد من العودة إلى المقالات والنصوص الأخيرة التي كتبها إلياس في المستشفى أو في البيت، لا سيما النصوص الشخصية، ومنها نص يستعيد فيه صورة أمه، ليصرخ “يا أمي” ولكن بصمت وكبرياء، لا بد من جمع هذه النصوص، المرتبطة بلحظات الجسد المتألم، فهي تمثل لمحات عما كان يخالجه من أوجاع وأحوال وتأملات، ومن رغبة في الكتابة وإصرار عليها، على رغم الوهن الذي أصاب الجسد وأضناه.
المصدر اندبندنت عربية