-
مسلم عبد طالاس…. الجمهورية .نت
-
-
-
لا يُمكن النظر إلى تغيير حاكم البنك المركزي بوصفه مجرد تبديل إداري داخل مؤسسة مالية، سواء في الاقتصادات المستقرة أو المأزومة. فالمنظومة النقدية تُمثِّل، في جوهرها، الجهاز العصبي للاقتصاد؛ فمن خلالها تتحدَّد حركة السيولة والائتمان والاستثمار والأسعار وسعر الصرف، وتتشكّل الثقة بالعملة والأسواق. ولذلك، فإن موقع حاكم البنك المركزي لا يتعلق بإدارة مؤسسة مصرفية تقليدية، بل بإدارة أحد أكثر مفاصل الاقتصاد حساسية وتأثيراً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
من هذا المنطلق، يكتسب تعيين السيد محمد صفوت رسلان حاكماً جديداً لمصرف سوريا المركزي أهمية تتجاوز البعد الإداري المباشر، لأنه يفتح نقاشاً أعمق يتعلق بطبيعة السياسة النقدية السورية، وحدود استقلال المصرف المركزي، وطبيعة الكفاءات المطلوبة لإدارة السياسة النقدية في اقتصاد يُعاني من اختلالات بنيوية ونقدية عميقة.
وقد انصب جزء كبير من النقاش الدائر حول المحافظ الجديد على خبرته في القطاع المصرفي والعمل المالي والإداري، وهي خبرة مهمة بلا شك، خصوصاً في ملفات الإشراف المصرفي، والحوكمة، والامتثال، والعلاقات مع المصارف المراسلة، والتحوّل الرقمي. غير أن هذا التركيز يكشف، في الوقت نفسه، عن خلطٍ شائعٍ بين الإشراف المصرفي والسياسة النقدية، رغم أن كلًّا منهما يُمثّل مجالاً مختلفاً من حيث الوظيفة والأهداف والأدوات.
ففي الأدبيات الاقتصادية الحديثة، تُعرّف السياسة النقدية باعتبارها مجموعة الأدوات التي تستخدمها السلطة النقدية للتأثير في عرض النقود والسيولة والائتمان وسعر الصرف وأسعار الفائدة، بهدف تحقيق الاستقرار النقدي والمالي والحدِّ من التضخّم وتنظيم التوازنات الاقتصادية الكلية. وهذا يعني أن السياسة النقدية لا تتعامل مع قطاع مُحدَّد بعينه، بل مع الاقتصاد بأكمله، ومع العلاقات المُعقّدة بين النقد والإنتاج والتجارة والمالية العامة وتوقعات الأسواق.
ولهذا السبب، لا يُنظر إلى البنك المركزي في الاقتصادات الحديثة باعتباره مجرد هيئة تنظيمية للمصارف، بل باعتباره مؤسسة سيادية تُدير التوازن النقدي للاقتصاد كله. فقرار نقديٌّ واحدٌ يتعلّق بالفائدة أو السيولة أو سعر الصرف يُمكن أن ينعكس على الاستثمار والاستهلاك والبطالة والتضخم وسلوك الأسواق وثقة المواطنين بالعملة الوطنية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الشقَّين الأساسيين اللذين يقوم عليهما عمل البنك المركزي. فالإشراف المصرفي يُركِّز على سلامة المصارف، والامتثال، وإدارة المخاطر، وحماية المودعين، والاستقرار التنظيمي للقطاع المالي، وهي مجالاتٌ تحتاج بالدرجة الأولى إلى خبرة مصرفية ورقابية وإدارية. أمّا السياسة النقدية، فهي مجالٌ مختلفٌ وأكثرُ تعقيداً، لأنها تتعلق بإدارة التضخّم، والكتلة النقدية، والسيولة الكلّية، وسعر الصرف، والتوازنات الاقتصادية العامة، وإدارة توقعات الأسواق.
ولذلك، تفصل كثيرٌ من الدول المتقدمة، كلياً أو جزئياً، بين وظيفة الإشراف المصرفي ووظيفة إدارة السياسة النقدية. ففي المملكة المتحدة، تُدار السياسة النقدية عبر لجنة مُستقلة داخل بنك إنجلترا، بينما تتولى أُطرٌ تنظيميةٌ مختلفةٌ مهامَّ الرقابة المصرفية. كما تُمارِس ألمانيا الرقابة المصرفية عبر الهيئة الاتحادية الألمانية للرقابة المالية بالتنسيق مع البوندسبنك، في حين تُدار السياسة النقدية ضمن منظومة البنك المركزي الأوروبي. ويعكس هذا الفصل إدراكاً مؤسساتياً بأن النجاح في إدارة المصارف أو الإشراف عليها لا يعني بالضرورة امتلاكَ الخبرة الكافية لإدارة السياسة النقدية الكلية.
في ضوء هذه الخلفية النظرية، يُصبح السؤال الحقيقي المطروح في الحالة السورية أكثرَ وضوحاً. فالمسألة لا تتعلَّق بالتقييم المباشر للخبرة المصرفية للمحافظ الجديد، بل بتحديد طبيعة التحديات التي يواجهها مصرفُ سوريا المركزي اليوم. فالاقتصاد السوري لا يعاني من مشكلة مصرفية تقنية فقط، بل من أزمةٍ نقديةٍ واقتصادية كلّية شديدة التعقيد، تتداخل فيها معدلات التضخّم المرتفعة، وتراجع قيمة العملة، وتعدُّد أسعار الصرف، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف الثقة بالمؤسسات النقدية، والاعتماد الواسع على السوق الموازية والتحويلات الخارجية.
وهذه الاختلالات لا يُمكن معالجتها عبر الأدوات المصرفية التقليدية وحدها، لأنها ترتبط ببنية الاقتصاد نفسه، وبالعلاقة بين النقد والإنتاج والتجارة والمالية العامة. ومن هنا، تبدو الخبرة المصرفية، رغم أهميتها، غير كافية وحدها لإدارة السياسة النقدية، لأن هذه الأخيرة تحتاج قبل كلِّ شيء إلى رؤية اقتصادية كلّية مُتماسكة، وإلى معرفة عميقة بالاقتصاد الكلي والنقدي تسمح بفهم العلاقات المُعقّدة بين التضخُّم والسيولة وسعر الصرف والنمو والطلب.
ولهذا السبب، كان كثيرٌ من حكام البنوك المركزية في التجارب النقدية المُستقرّة اقتصاديين متخصصين في الاقتصاد الكلِّي والسياسة النقدية قبل أن يكونوا مصرفيين أو إداريين ماليّين. فإدارةُ السياسة النقدية ليست إدارةً تقنيةً لمؤسسة، بل هي إدارةُ التوازن النقدي للاقتصاد بأكمله.
لكن التأهيل العلمي والخبرة الفنية، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما. فنجاح حاكم البنك المركزي يرتبط أيضا بقدرته على الحفاظ على درجة من الاستقلال المهني والمؤسساتي في مواجهة الضغوط السياسية والشعبوية قصيرة الأجل. إذ إن السياسة النقدية كثيراً ما تتطلب قرارات غير شعبية تتعلق برفع الفائدة، أو ضبط السيولة، أو تعديل سعر الصرف، وهي قرارات قد تتعارض مع الحسابات السياسية الآنية لكنها تكون ضرورية لحماية الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
ولهذا، تحرص الاقتصادات المتقدمة عادة على منح محافظي البنوك المركزية درجة مرتفعة من الحصانة والاستقلال المؤسسي، سواء عبر مدد ولاية ثابتة، أو صعوبة الإقالة، أو الفصل النسبي بين السلطة التنفيذية والقرار النقدي. ويستند هذا التوجُّه إلى قناعة اقتصادية راسخة بأن السياسة النقدية تفقد فعاليتها عندما تتحوَّل إلى أداة خاضعة للحسابات السياسية قصيرة الأجل.
ولا يرتبط استقلال البنك المركزي بالبنية القانونية فقط، بل أيضاً بطبيعة الخطاب الذي تُدار به السياسة النقدية نفسها. وقد سبقَ أن ناقشنا هذه المسألة في مقال سابق، في موقع الجمهورية.نت بعنوان «استقلالية مصرف سوريا المركزي والفتوى: خطاب المصرف بوصفه جزءاً جوهرياً من السياسة النقدية». حيث جرى توضيح أن استقلالية المصرف المركزي لا تتآكل فقط عندما تُفرَض عليه أوامر مباشرة، بل أيضاً عندما يفقدُ لغته الاقتصادية التقنية، ويستبدلها بخطابٍ رمزي أو أخلاقي أو سياسي لا يملكُ أدواتٍ لتفسيرِ السياسة النقدية أو مساءلتها.
وترتبط هذه الفكرة مباشرة بالنقاش الحالي، لأن بناء الثقة بالنقود لا يتحقَّق عبر الطمأنة الرمزية، بل من خلال وضوح الأدوات النقدية، وقابلية القرارات للتفسير والمساءلة، ووجود مؤسسة نقدية قادرة على شرح سياساتها بلغة الاقتصاد، لا بلغة التبرير السياسي أو الاجتماعي.
ومن هنا، لا يمكن الحديث عن استقلال فعلي للسياسة النقدية من دون التوقف عند دور مجلس النقد والتسليف بوصفه الإطار المؤسسي المُفترَض أن يُشارك في رسم التوجهات النقدية والائتمانية، وأن يمنح القرار النقدي طابعاً مؤسساتياً وجماعياً يحدُّ من شخصنتهِ أو تسييسِه.
ففي التجارب النقدية المُستقرة، لا تُدار السياسة النقدية باعتبارها قراراً فردياً للحاكم وحده، بل ضمن بنية مؤسساتية تضمُّ مجالسَ وهيئات نقدية تسمح بتعدُّد الرؤى الاقتصادية، وتُخفِّف من مخاطر خضوع القرار النقدي للاعتبارات الظرفية.
وفي هذا السياق، تكتسب إقالة المحافظ السابق نفسها دلالةً مهمةً، لأن استقرار قيادة البنك المركزي يُعدُّ جزءاً من مصداقية السياسة النقدية. فالتغييراتُ المفاجئة أو المتكرِّرة في قيادة السلطة النقدية غالباً ما تزيد من حالة عدم اليقين، وتُربِك توقعات الأسواق، وتُعمِّق الشكوك حول حدود استقلال القرار النقدي عن الاعتبارات السياسية.
وفي الحالة السورية، جاءت إقالة المحافظ السابق بعد فترة قصيرة نسبياً من تعيينه وفي ظلِّ استمرار التدهور النقدي، ومن دون تقديم تفسير اقتصادي واضح للتغيير، الأمر الذي جعلَ القرار يبدو أقرب إلى إعادة هيكلة سياسية ومؤسساتية أوسع، أكثر من كونه نتيجة مراجعة واضحة ومُعلنة للسياسة النقدية نفسها.
في المحصلة، لا تكمُن أهمية النقاش الحالي في الأشخاص بقدر ما تكمن في طبيعة الفهم السائد لوظيفة البنك المركزي وحدودها. فإدارة البنك المركزي ليست مجرد وظيفة مصرفية أو تنظيمية، بل مسؤولية تتعلق بإدارة الاستقرار النقدي والاقتصادي للدولة بأكملها. ولذلك، فإن الخبرة المصرفية والرقابية، مهما كانت قوية، تبقى غير كافية وحدها ما لم تقترن بمعرفة عميقة بالاقتصاد الكلِّي والسياسة النقدية، وبقدرة مؤسساتية حقيقية على حماية استقلال القرار النقدي وإدارته ضمن رؤية اقتصادية كلية مُتماسكة.
وفي اقتصاد يُواجه اختلالاتٍ بنيويةً ونقديةً عميقةً كالاقتصادِ السوري، تبدو هذه المسألة أكثر حساسيةً وإلحاحاً من أيِّ وقت مضى.
-