إزاحة رئيس حزب عن مقعده بقرار قضائي لامس مفهوم “البطلان المطلق”، مسألة لا تحصل كل يوم. لكنها حدثت مع رئيس “حزب الشعب الجمهوري” المعارض أوزغور أوزال، الذي أبعدته محكمة الاستئناف في أنقرة عن منصبه لصالح رئيس الحزب السابق كمال كيليشدار أوغلو، على خلفية اتهامات بالتلاعب في انتخابات الحزب التي حصلت قبل ثلاث سنوات.
لا تنهار الأحزاب الكبيرة من الخارج، بل تبدأ في التآكل الذاتي عندما تتحول معركة القيادة داخلها إلى صراع على الشرعية والنفوذ. وهذا هو التحدي الذي يواجه “حزب الشعب الجمهوري”، أكبر أحزاب المعارضة التركية.
لم يكن قرار محكمة الاستئناف، الذي اعتبر أنّ نتائج أنتخابات مؤتمر الحزب لعام 2023 كأنها لم تكن، مجرد حكم في نزاع قانوني، بل فتح ملف شرعية القيادة الحالية للحزب، وما إذا كانت البنية التنظيمية التي تشكلت خلال السنوات الثلاث الماضية تقوم على أساس قانوني متماسك أم على أرضية قابلة للطعن.
يعاني حزب الشعب الجمهوري، تلك الكتلة الطامحة للوصول إلى السلطة بصحبة رفاق الدرب في المعارضة التركية، من معضلة البقاء موحدًا أولًا، ثم من تحقيق وعود الوصول إلى السلطة ثانيًا. فمع تصاعد الانقسام الداخلي، لم يعد الصراع يقتصر على مستقبل القيادة، بل بات يمسّ مستقبل الحزب نفسه.
مفهوم “البطلان المطلق”
يشير مفهوم “البطلان المطلق” في الفقه القانوني إلى حالة يكون فيها التصرف معدوم الأثر منذ لحظة نشأته، نتيجة مخالفة جوهرية تتعلق بالنظام العام أو بأحد الأركان الأساسية اللازمة لصحته.
تطبيق هذا المفهوم على مؤتمر حزبي سياسي يفتح الباب أمام إشكالية حزبية وسياسية أكبر تنتظر الكثيرين في تركيا. نحن هنا لا نتعامل مع عقد قانوني بين طرفين، بل مع بنية سياسية كاملة أنتجت قيادة وشرعيات انتخابية وتوازنات تنظيمية امتدت لسنوات وصادقت الهيئة العليا للانتخابات عليها.
من هنا يواجه حزب الشعب الجمهوري معادلة غير مسبوقة: جناح يستند إلى شرعية المؤتمر وما تلاه من تمثيل فعلي داخل البلديات والبرلمان، وجناح آخر يستند إلى قرار قضائي يعيد تعريف نقطة البداية من جديد، وكأن الزمن الحزبي توقف عند لحظة 2023. لم يعد ما جرى خلافًا بين تيارين على إدارة الحزب، بل تحول إلى انقسام في تصور معنى القيادة ذاتها، ومن يملك حق تمثيل الحزب.
هكذا جاءت لحظة الحقيقة مع قرار محكمة الاستئناف التي عارضت محكمة البداية وألغت نتائج مؤتمر الحزب المنعقد قبل ثلاث سنوات، ودعت إلى تسليم الحزب مجددًا إلى كمال كليتشدار أوغلو، بعد سنوات من الجهد بذلته القيادة الجديدة بإشراف أوزغور أوزيل، الذي ذهب الى ثلاثة مؤتمرات حزبية ثبت فوزه فيها.
يواجه حزب المعارضة التركية الأول معضلة التفتت التدريجي مع تصاعد التباين بين القيادة التي مثلها كمال كليتشدار أوغلو، وبين تيار متصاعد داخل الحزب يدفع باتجاه إعادة إنتاج التموضع على أسس جديدة بقيادة وجوه شابة يحركها أوزغور أوزيل. فمن هو صاحب الشرعية داخل الحزب اليوم؟ الشرعية الانتخابية الداخلية؟ أم الشرعية القضائية التي تعيد تفسير الماضي؟
الانقسام يطال النواب والبلديات…
لم يعد الانقسام، مع اتساع دائرة التعبئة والاصطفاف الداخلي، محصورًا بين شخصين أو تيارين، بل امتد ليشمل جزءًا من الكتلة البرلمانية، وعددًا من رؤساء البلديات، وشرائح من القواعد الحزبية. فالخلاف الأخطر لم يعد مرتبطًا بمن سيقود الحزب، بل بتآكل الانضباط التنظيمي الداخلي وتحوله إلى معضلة تمسّ بنية الحزب نفسها وقدرته على الاستمرار ككتلة سياسية متماسكة.
لم تعد أزمة الحزب مجرد صراع على القيادة، بل تحولت تدريجيًا إلى معركة تتعلق بمصير حزب المعارضة الأول، وبقدرة المعارضة نفسها في تركيا على الحفاظ على تماسكها السياسي. ومع انتقال الأزمة من إطارها الحزبي الداخلي إلى المجال السياسي الأوسع، بدأت آثارها تنعكس على مؤسسات الدولة المعنية بالعملية الانتخابية، وعلى رأسها الهيئة العليا للانتخابات، التي باتت أمام معضلة غير تقليدية: كيف يمكن التعامل مع حكم قضائي من هذا النوع من دون أن يؤدي تطبيقه إلى تفكيك مؤسسة حزبية قائمة فعليًا؟
في الخلفية، تتسع دائرة الأسئلة أكثر: هل نحن أمام أزمة يمكن احتواؤها عبر تسوية داخلية جديدة تعيد إنتاج القيادة بشكل توافقي؟ أم أمام انقسام لا رجعة عنه ستكون ارتداداته أوسع على توازنات وخطط المعارضة التركية بأكملها؟
قفزة الموت
لا تتحمل محكمة الاستئناف في أنقرة أو رجال الأمن الذين دخلوا المبنى المركزي للحزب لإخلائه من المعتصمين، مسؤولية وصول حزب الشعب الجمهوري وقياداته إلى “قفزة الموت” التي اختاروها نتيجة مسار تراكمي من التعقيد الحزبي والتنظيمي. فالقضاء تريث ثلاث سنوات قبل أن يضرب بمطرقته، في لحظة بدا فيها أنّ الأزمة لم تعد مجرد خلاف داخلي، بل تحولت إلى ارتداد سياسي ينعكس على صورة الحزب أمام جمهوره وعلى توازنه داخل المشهد الانتخابي التركي ككل.
أما موعد المواجهة الحزبية القادمة فهو في الثاني من شهر حزيران تحت سقف البرلمان حول من سيتحدث أمام كتلة نواب الحزب: اوزال الذي انتخب قبل أيام رئيساً للكتلة بالأغلبية المطلقة أم كيليشدار أوغلو العائد مسلحاً بقرار عدلي؟
سيناريوهات سوداوية تنتظر حزب الشعب وربما المعارضة التركية بأكملها إذا ما اشتدت الأزمة وتعقدت أكثر من ذلك ولم يدخل عقلاء الحزب والسياسة على خط الوساطة والتهدئة.
