-
صادق عبد الرحمن…. الجمهورية .نت
-
-
-
تحفل السوشيال ميديا السورية بحملات ومنشورات تحريضية ضد العلويين، تلتقي على نزع الأنسنة عن أفراد الجماعة العلوية وربطهم جميعاً بالإجرام الأسدي، مع مزيج من التكفير الديني وخطاب الكراهية الطائفي والدعوة إلى الانتقام الجماعي. يُرادف هذه الدعوات إعلامٌ رسمي وشبه رسمي موالٍ للسلطة أو يعمل على ضفافها، يتراوح بين تمرير هذا الخطاب وتبريره والصمت عنه، فيما تبدو مؤسسات «الدولة السورية الجديدة» غير معنية بمقاومته، ما يُعطي ضوءاً أخضر لأصحابه.
يُسمّى هذا خطاباً إبادياً سواء كان صريحاً في الدعوة إلى القتل أو مسانداً لها عبر خفض قيمة حياة أفراد الجماعة المُستهدفة، لأنه يأتي دائماً رديفاً للمجازر والإبادات، يُمهِّدُ لها أو يُرافقها أو يأتي بعدها لتبريرها. والخطاب الإبادي معروفٌ في سياق دراسات الجينوسايد، وهو في القانون الدولي أحد عناصر جريمة الإبادة الجماعية. وقد ارتُكبت فعلاً مجازر إبادية الطابع بحق العلويين في آذار (مارس) 2025، الشهر الذي يُسميه أنصار الإبادة «آذار المجيد».
في الأيام والأسابيع الأخيرة تفتقت أذهان أصحاب الخطاب الإبادي عن أفكار مثيرة للاهتمام، من حملات تدعو إلى مقاطعة العلويين وعزلهم، إلى منشورات تربط إجرام سفّاح التضامن أمجد يوسف بـ«جيناته العلوية»، إلى تكفير العلويين والاحتفاء باستعادة فتوى ابن تيمية بشأن قتلهم، إلى دعوات لتهجيرهم من المدن مع تسمية أحيائهم في حمص ودمشق بالمستوطنات، وصولاً إلى أشكال مثيرة للسخرية والتقزز معاً مثل حملة «أنت لست شجرة»، التي تنشر خطاب كراهية صريحاً ضد الأقليات السورية كلها.
وبينما ينشر كثيرون خطابهم التحريضي بمصطلحات صريحة، يلجأ آخرون إلى المواربة والإيحاء، إما خشية التبعات القانونية إذا كانوا مقيمين خارج البلد، أو نتيجة قُربهم من السلطة بما يفرض عليهم بعض المُداراة، أو لتجنب قيود وسائل التواصل الاجتماعي على خطاب الكراهية الصريح، أو استئنافاً لعادة سورية قديمة في تسمية الأشياء بغير أسمائها مع استخدام ما يلزم من إيحاءات تساعد على إيضاح المقصود.
إذا كانت مخاطبة المجرمين والمحرضين أمراً عبثياً، وإذا كانت مخاطبة السلطة بهذا الشأن أيضاً أمراً عبثياً لأنها تعرف ما يجري أصلاً وبوسعها مواجهته لو أرادت، ولأن منفّذي هذه الحملات جزءٌ منها أو من جمهورها، فإن ما قد يكون مفيداً هو مخاطبة أشخاص حَسَني النية منحدرين من مجتمعات سنّية؛ بعضهم يرفض خطاب الكراهية لأسباب أخلاقية أو وطنية لكنه لا يرى في التصدي له أولوية ملحّة، وبعضهم الآخر يطمح إلى بلد مستقر قابل للنمو دون أن ينتبه إلى استحالة ذلك في ظلِّ أوضاع كهذه. وهم ينظرون غالباً إلى حملات التحريض الإبادية باعتبارها أمراً جانبياً على هامش مرحلة انتقالية بالغة التعقيد، ولذلك لا ينشغلون بإنتاج مقاومة اجتماعية أو سياسية فاعلة لخطاب إجرامي بالغ الوحشية يجري إطلاقه باسمهم.
يعتبر كثيرون أن خطابات الكراهية والتحريض مجرد ردّ فعل على تأييد غالبية العلويين لنظام الأسد، أو مجرد انفعالات رعناء فوضوية في فقاعات فيسبوكية، أو أن السلطة تُداريها مؤقتاً دون أن تكون راضية عنها ما يعني أنها لن تسمح بانتقالها إلى تنفيذ عملي، أو أنها تستخدمها لتعزيز سيطرتها لكنها قادرة على لَجمه ساعة تشاء.
تُستَخدم هذه الاعتبارات المُتباينة في أوساط كثيرة للتهوين من شأن هذا الخطاب وإعفاء النفس من تبعات مواجهته، وهو موقف بالغ الخفّة والرعونة لثلاثة أسباب:
– الأول أنه حتى لو كان صحيحاً أن هذا الخطاب لن ينقلب إلى مجازر كبرى في المدى المنظور، فإنه يخلق أساساً متيناً لمجازر قد تحدث بمجرد أن تتوافر ظروفها الميدانية والسياسية. المجازر لا تحدث لأن أصحاب الخطاب الإبادي قادرون أو راغبون في ارتكابها الآن، بل لأنهم يخلقون الأساس الخطابي النفسي لها.
– السبب الثاني أنه عندما يأتي الردّ على المجازر الإبادية الأسدية على شكل دعوات لإبادات انتقامية، فإن هذا يُضعِفُ القضية الأخلاقية في مواجهة الأسدية وقادتها ومجرميها وأسلوبها في الحكم. يُخاطِر السكوت على الخطاب الإبادي ضد العلويين بإهدار كلّ معاني نضال السوريين الدامي ضد الأسدية، ويُسهم فوق ذلك في إغراق سوريا في مناخات حرب أهلية مستمرة، ما يدفن أي إمكانية لتعافي المجتمعات التي دمرها نظام الأسد ببراميله ومجازره.
– أمّا السبب الثالث، والأهم، فهو أن أصحاب «القلوب الباردة» لم يأخذوا علماً، على ما يبدو، بأن هذا الخطاب يترافق مع حوادث قتل متواترة ضد أفراد علويين في وسط سوريا خصوصاً، آخرها كان أول أمس في ريف حماة عندما قتل مسلحون على دراجة نارية شابين علويين. أو أنهم لم يأخذوا علماً بأن السلطة التي يراهن كثيرون عليها لم تعتقل أي واحد من قتلة أكثر من 300 علوي في شوارع حمص منذ سقوط النظام، وكأن مرتكبي هذه المجزرة المفتوحة مجرّد أشباح.
ثمة أجواء مجزرة تُخيِّم على وسط سوريا وغربها، ومن يغمض عينيه عنها إنما يُضلِّل نفسه في المقام الأول. تتزايد موجات التحريض ويصبح خطابها أكثر عدوانية وعلنية يوماً بعد يوم، وهي تتصاعد بالذات مع كل كشف عن جريمة جديدة من جرائم نظام الأسد ومع كل إلقاء قبض على أحد المجرمين المنحدرين من الطائفة العلوية. يُفترَض نظرياً أن يُخفِّف اعتقال المجرمين وكشف الحقائق من الغضب والرغبة بالانتقام، لكن ما يحدث في سوريا هو العكس، ما يعني أن هناك من يعملون باجتهاد كي يحدث هذا «العكس»، وما يعني أيضاً أن السلطة شريكة في هذه الحملات أيّاً تكن أهدافها أو دوافعها أو مستويات شراكتها.
ولا يعني هذا أن هناك إجماعاً أو حتى غالبية سُنّية تسعى إلى مجازر جديدة، ولا يعني أنه ليس هناك أصوات سنّية ضد هذا الخطاب الإجرامي، بل ثمة أصوات كهذه أكثر من أن تُحصى، لكنها ما تزال قليلة الفاعلية، مبعثرة أو منشغلة بما تعتقد أنه أكثر أهمية، تاركة فرصتها التاريخية تتسرب من أيديها على يد حفنة من المجرمين الشرهين للسلطة أو الثروة أو فرض عقيدتهم على خلق الله.
ليس الكلام أعلاه تبشيراً بمجازر جديدة وشيكة بحق العلويين في سوريا، والأرجح أن هذا لن يحدث الآن في الظروف الراهنة، لكن المشكلة في هذا التحليل أن كثيراً من أصحابه يستخدمونه لتهدئة خواطرهم، وإقناع أنفسهم بأن هذه مجرد «زوبعة في فيسبوك»، متجاهلين أن هذا مجرد تحليل قد يصيب أو يخطئ، ومتجاهلين أنه يستند إلى معطيات راهنة قد تتغير في أي لحظة.
أما عن العلويين، فإنهم يدافعون عن أنفسهم ضد هذه النزعة الفاشية بما يقدرون عليه، وسط ضعف شديد في التنظيم والخطاب والقوى السياسية بعد عقود من حكم الأسدية واستيلائها على كل فعاليتهم الاجتماعية والسياسية، ووسط غياب تام لأي مشروع وطني عام أو مشروع سياسي خاص يحميهم أو يؤسس لمخرج معقول. ولعلّ ذروة ما يمكن أن نأمله الآن هو أن يتسع وينتظم دفاعهم السلمي السياسي عن أنفسهم، وأن ينجحوا في الابتعاد عن الأسدية ومنطقها وخطابها ورموزها ومجرميها، وأن لا يندفع بعضهم إلى ردود فعل مسلحة لن تعود عليهم ولا على غيرهم بالخير.
ولكن أيّاً يكن ما سيفعله العلويون، فإن الرهان الأساسي اليوم لمواجهة هذه النزعة الإبادية يقع على عاتق القوى الاجتماعية والسياسية السُنية، التي سيكون فشلها على هذا الصعيد وبالاً عليها وعلى غيرها. ستعني ضربة إبادية جديدة للعلويين، بلا أدنى شك، نهاية طموح السلطة الراهنة لحكم بلد مستقر حتى لو توهمت أو توهم بعض جمهورها غير ذلك، وستعني على الأرجح نهاية الكيان السياسي السوري الذي تأسَّسَ قبل نحو مئة عام من الآن.
في رواية قصة موت معلن لغابرييل غارسيا ماركيز، أبلغَ بيدرو وبابلو فيكاريو جميع سكان البلدة أنهما سيقتلان سانتياغو نصّار، وقد كان تهديدهما علنياً إلى درجة أن أحداً لم يأخذهما على محمل الجد، حتى وجدا نفسيهما أمام نصّار فقتلاه. ليس الأمران متشابهان بالتأكيد، لكن العبرة أن الجريمة كان يُمكن تفاديها لو أن «عُقلاء البلدة» أخذوا تهديدات الأخوين على محمل الجد.
-