في إطار معرضه نمشي على القصص (We Walk on Stories) والذي أغلق أبوابه في نهاية شهر نيسان (أبريل) 2026، قدّم الفنان خزيمة العايد عرضاً أدائياً ضمن «شهر الفن» في مجمع «السيركال أفنيو»، تناقلته صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة، وتباينت حول قيمته الفنية الآراء. كان العرض جزءاً من معرض الفنان الفردي الأول في دبي، الذي نظّمته القيّمة لينا ميقاتي في صالة «فيريتي كونتيمبوراري» لصاحبته مارا فيريتي. قدّم العايد فيه واحداً وعشرين عملاً في سلسلة حملت عنوان «مدن» جمعت بينها المادة الحديدية الصدئة المستوحاة من خرائط الطرق.

توسّطت القاعة كرة مُعلّقة في الفراغ، بقطر مترين ونصف، شكّلها الفنان في بُنى بدت متآكلةً، جمّعها حول محور مركزي. وارتفع إلى جانبها برجٌ من ألواح متباينة الحجم، وصل أطولها إلى ما يقارب خمسة أمتار، ثبّته العايد على الأرض فوق أضواءٍ صفراء عزّزت الإحساس بضخامته. وعُلّقت بقية الأعمال على جدران القاعة؛ فبعضها ارتكز على خلفيات خشبية غير متناسقة الأطراف وبعضها ألواح معدنية رباعية الأضلاع، محفورة ومطوَّعة.

تظهر في معرضه الأخير مواد طبيعية مثل الخشب، ومواد مصنّعة مثل الحديد والورق والأصباغ، بدت في لوحاته المُعلّقة على هيئة طبقات أشبه بالنماذج الطبوغرافية التي يستعملها الجغرافيون. أراد الفنان أن تعكس كل مادة أثر العمل فيها؛ فأحرق الخشب وترك الحديد يصدأ، مُرمّزاً إلى آثار الزمن والهوية والانتماء للجماعة في المدينة. واستعان في رسم مدنه بخرائط حقيقية؛ تحدَّث مع أساتذة ومختصين في التنظيم العمراني عن العلاقات بين الكتل والفراغ وعن ضرورة كون المدن بُنى حيّة لا رسوم هندسية على ورق. وحذف لاحقاً من الخرائط الحقيقية، وفكّكها وأعاد بناءها وكتب عليها، ليؤكد أن الأمكنة في عملية تشكيل وولادة مستمرة، مُركزاً في محترفه على أهمية الصيرورة المادية أو الـ«Process» في قيمة العمل المنتج، ومؤكداً رغبته في أن يرى الناظر إلى عمله أثرَ البناء والتركيب والتطبيق، وعمليةَ التحوّل التي مرَّ بها على يد الإنسان لا الآلة. لا يُقدّم الفنان مدينة مُحدَّدة يمكن التعرّف إليها بسهولة، بل يخلق تكويناً مفتوحاً يسمح للمشاهد بأن يتنقّل بعينه داخله كما لو أنه يبحث عن ذاكرة أو أثر.

قال لي خزيمة العايد إن علاقته بالفن بدأت عندما كان طفلاً تدهشه مرونة الأشياء التي تُحيط به وقابليتها للتحول، وكيف يمكن لليد أن تغيّر المادة لتُعطيها حياة جديدة. اشترى له والده أول مرسم خشبي حين كان في الصف الثالث وحينها شعر أن لديه عالمه الذي يستطيع فيه بناء ما يتخيله. تعلّم العايد التصميم والطباعة والحفر والنحت والنجارة والحدادة والنسيج والزخرفة والخط العربي في معهد الفنون التطبيقية والحرف اليدوية، وتخرّج فيه عام 2002، وهناك تعزّزت لديه علاقة حقيقية مع المادة والتقنيات واليد. يقول: «لكن النجارة والحدادة تحديداً تركتا أثراً كبيراً داخلي. لم تكونا مجرد مهنتين أو حرفتين بالنسبة إليّ، بل كانتا أقرب إلى اكتشاف لعلاقة الإنسان بالمادة والتحوّل. في النجارة كنت أشعر أن الخشب يحمل حياة وذاكرة خاصة، وفي الحدادة كنت مبهوراً بفكرة أن الحديد القاسي يُمكن أن يتحول بالنار واليد إلى شكل جديد بالكامل، تعلمت كيف أتعامل مع القياس، والتوازن، والتركيب، وكيف يمكن لتفصيل صغير أن يُغيّر شكل العمل بالكامل، كما بدأت أفهم أن لكل مادة شخصيتها الخاصة؛ فالخشب ليس كالحديد، والنسيج ليس كالحجر، وكل مادة تفرض عليك طريقة مختلفة في التفكير والعمل والتعامل معها». التحق العايد، لاحقاً، بكلية الفنون الجميلة في دمشق، حاملاً معه تجربة عملية وحباً للمادة، باحثاً في الوقت نفسه عن جواب لأسئلة مثل: لماذا نصنع الفن؟ ما هي الرؤية الفنية؟ وما الذي يمكن أن يحمله العمل الفني خلف شكله الظاهري؟

 

درس العايد الفنون الجميلة في دمشق في ظلّ الحرب السورية، وتخرّج منها في العام 2019، ليحصل بعد ذلك على دعوة رسمية من حكومة دبي للمشاركة في «إكسبو 2020 دبي» (Expo 2020 Dubai) وينتقل بعدها مع عائلته للاستقرار فيها. يقول إن الحرب لم تكن دماراً وفقداناً فقط بل تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية كلها: «كنت مطلوباً لمدة أربع سنوات، وكانت الحواجز جزءاً من الذاكرة اليومية القاسية في سوريا، لذلك أصبح الإحساس بالمكان نفسه مرتبطاً بالحصار والثبات القسري». غيّرت الحرب نظرته إلى الأرض والمدينة وعلاقة الإنسان بالمكان، فارتبطت أعماله، في تلك الظروف، بالدمار والفقدان والذاكرة والمعتقلين والحرب. وبعد انتقاله إلى الإمارات، تحوّلت القطع الفنية من كتل ثقيلة إلى أعمال أكثر ارتباطاً بالحركة والهواء والفراغ والتعليق، ويُضيف: «حتى عندما أستخدم الحديد، أحاول أن أجعله يبدو وكأنه يتحرك داخل الفراغ، وليس مجرد كتلة ثابتة. كما أنني تأثرت كثيراً بمدينة دبي نفسها؛ بتطورها العمراني السريع، وبالارتفاعات، وبالتغيير المستمر الذي يحدث فيها. شعرت أن المدينة هنا لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها، وهذا انعكس على طريقة بناء الأعمال وعلى ظهور الخرائط والشبكات والمسارات داخل القطع الفنية».

أمّا من أجل عرضه في «السيركال»، فقد ثبّت العايد قبل بدء العرض عملاً تشكيلياً غطّاه بلوحي مرآة موصولين بمفاصل سمحت للعايد بفتحهما كصفحتَي كتاب، لا كباب أو نافذة تسمح بالعبور نحو فضاء معماري، بل حتماً كلوحي مرآة، رأى فيهما الحاضرون، كلٌّ منهم، صورته وصورة الفنان وجميع من يقف إلى جواره، في لحظتهم الراهنة، بعيداً عن الماضي والمستقبل، حتى إذا أغلق الفنان، أو الراوي، صفحتي الكتاب، اختفت الصورة. قام العايد بتثبيت أحد اللوحين على الحائط وكتب عليه عبارة بالإنكليزية: (What you see is not you- deeper than you know) «ما تراه ليس أنت، -أعمق ممّا تعرف».

ينقل إلينا مقطع الفيديو القصير، بنسخه المصوّرة من زوايا مختلفة، كيف أغلق العايد اللوح الأيمن على الأيسر بحركة عنيفة أحدثت شرخاً بسيطاً في اللوح الأول. ثم كرّر الفنان الحركة مرتين وثلاثاً حتى أحدث فيه فوهة كبيرة في الوسط، تناثرت منها قطع المرآة المكسورة على الأرض محدثة ضجة متوقعة في الصالة. التقط الفنان على إثرها مطرقة كانت ملقاة إلى يمينه، وبدأ بتكسير اللوح الثاني، مُحدثاً فيه فوهات أصغر حتى ظهرت خلفه بنية من الحديد تشبه خريطة الطرق. مشى العايد فوق شظايا الزجاج المتناثرة، ثم قذف مطرقته في الهواء قبل أن يرميها على الأرض، معلناً إنتهاء العرض.

في حديث مع الفنان، صرّح لي بأنه أراد من أدائه أن يدعو المشاهد ليكون جزءاً من تجربة العمل الفني. فحين وقف المتفرجون منتظرين بداية العرض، رأوا أنفسهم أولاً في المرآة، واستطاعوا أن يراقبوا مَن حولهم والغرفة أيضاً. أراد الفنان أن تكون تلك: «لحظة مواجهة حقيقية بين الإنسان وصورته وذاكرته والمكان الذي يقف داخله». وأضاف: «المرآة بالنسبة إليّ لم تكن مجرد سطح يعكس الجسد أو الشكل، بل مساحة تكشف هشاشة الإنسان أيضاً. فعندما يرى الإنسان نفسه داخل المرآة، يشعر للحظة بأن الصورة كاملة وواضحة ومستقرة، لكنني كنت مهتماً بما يحدث عندما تتشظى هذه الصورة فجأة». وعند سؤالي عن اختياره الكسر بوصفه فعلاً عنيفاً لمواجهة الحقيقة/الوهم، أشار الفنان إلى أن علاقته بالخوف والانكسار والدمار في بلده سوريا جعلته يرى الأمور بطريقة مختلفة، وأنه لم يُرِد من تكسير المرآة عرض التدمير كفعل عنيف بحد ذاته بل إظهار البنية المختبئة وراء سطح لامع، وأضاف أن العمل أثّر فيه شخصياً لأنه اختبر للمرة الأولى كيف يصبح الجسد، والصوت، والانفعال، والخوف، جزءاً من العمل نفسه، لا الفكرة البصرية وحدها.

لا شك أن عمل تكسير المرآة هذا أحال لدى العارفين إلى أعمال الفنان الإيطالي الشهير مايكل أنجيلو بيستوليتو (1933) المعروف كأحد رواد (Arte Povera) أو الفن الفقير، الذي أدخل المرآة كوسيط ومادة في لوحاته منذ عام 1962، طارحاً أسئلة تتعلق بصورة الإنسان وعلاقته بالفراغ، وواقعه بين الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة النظر إلى الصورة-المرآة، جاء ذلك في زمن كان فيه النقاش المحتدم في عالم الفن الغربي حول التشخيصية وتمثيل الذات والجسد وعلاقتهما بالنُظم الاجتماعية المُسيّسة في أوجِه. لاحقاً بدأ الفنان بتكسير المرآة أمام الجمهور، داعياً إلى تجاوز فكرة تحطّم الصورة (أو صورة الحقيقة) والتفكير بدلاً من ذلك في تعدُّدها، وفي كون شظاياها أجزاءً من صورة أكبر، كل يعكسها من مكانه.

يتحدث العايد عن تأثره بتجربة بيستوليتو لكنه يُضيف بأن عمله أخذ سياقاً آخرَ: «لم أكن أبحث فقط عن انعكاس الإنسان داخل المرآة، بل عن اللحظة التي يفقد فيها هذا الانعكاس استقراره. فالمرآة عندي ليست مجرد سطح عاكس، بل طبقةٌ تُخفي خلفها ذاكرةً أخرى، وخريطة أخرى، وبنية داخلية غير مرئية. وعند انكسارها، لا يظهر انعكاسٌ متشظٍ للإنسان فقط، بل للمدينة المختبئة خلف السطح. كنت أفكّر كثيراً بفكرة مرتبطة بجلال الدين الرومي، مفادها أن الحقيقة تُشبه مرآة تحطّمت إلى أجزاء كثيرة، وأن كل إنسان يحمل جزءاً صغيراً منها ويظن أنه يرى الصورة كاملة».

وعند سؤالي الفنانَ عن رأيه في ردود الفعل التي أثارها عمله الأدائي في «شهر الفن» أجاب بأنه يرى فيها أمراً إيجابياً وجزءاً من تطور الحوار حول العمل، متفهماً الجدل، خاصة أن كثيرين ممّن شاهدوا لحظة الكسر رأوها منفصلة عن التجربة الكاملة للعمل، ولأن هذا النوع من العمل الفني ما يزال جديداً نسبياً في العالم العربي. وأضاف: «في النهاية، ما كان يهمني ليس أن يتفق الجميع مع العمل، بل أن يخلق لحظة حقيقية وصادقة، وأن يفتح مساحةً للتفكير والحوار. بالنسبة إليّ، حتى الاختلاف حول العمل كان دليلاً على أن التجربة بقيت حيّة ولم تمرّ بصمت».