ملخص
لم يكُن المشروع النووي الصيني مجرد محاولة لامتلاك “سلاح ردع” يملكه الآخرون، بل كان مشروعاً، وفق كثير من المؤرخين والعسكريين، لإعادة تعريف مكانة بكين نفسها، بعدما عكست عقود تطوره، تحولات الدولة “من قوة ثورية معزولة محاطة بالأخطار والتهديدات إلى منافس استراتيجي عالمي”.
مع تفجير الصين أول قنبلة ذرية لها في صحراء لوب نور الواقعة في عمق إقليم شينجيانغ غرب البلاد عام 1964، لم يكُن هدف بكين مجرد الانضمام إلى النادي النووي الذي احتكرته بعض القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية، بل عكس “التفجير” محاولة صينية لكسر معادلة الهيمنة الاستراتيجية التي فرضها النظام الدولي آنذاك، إذ يقول كثر أن البرنامج النووي لـ”التنين” الآسيوي خرج بصورة رئيسة من “رحم شعور عميق بالتهديد والعزلة”، في ظل توترات مع الولايات المتحدة خلال الحرب الكورية (1950-1953) وبسبب تايوان، عززت من قناعة القيادة الصينية باعتبار السلاح النووي ضمانة أساسية لـ”بقاء الدولة وحماية استقلال قرارها السياسي”.
دخول بكين إلى نادي الدول النووية لم يكُن وليد لحظة تفجير لوب نور في منتصف ستينيات القرن الماضي، إذ خاضت الصين مساراً طويلاً بدأ بمساعدة ودعم سوفياتيين ثم لاحقاً اعتماد مطلق على النفس، بعدما أعلن زعيمها في ذلك التوقيت ماو تسي تونغ قراراً مصيرياً خلال خريف عام 1955، بضرورة امتلاك بلاده القنبلة الذرية “حتى لا يعاملنا أحد كدولة ضعيفة”، لمواجهة الأخطار المحدقة والإعداد لإمكان مواجهة عسكرية مباشرة مع الأميركيين، وهو سياق اعتبره المؤرخون والاستراتيجيون، بأن الحصول على القنبلة الذرية تم على رغم “حال الفقر والمجاعة” التي كانت تعيشها الدولة بـ”دافع قومي من الخوف والكرامة الوطنية”.
والآن وبعد مرور أكثر من ستة عقود على التجربة النووية الأولى، أصبحت بكين الدولة الأكثر تخزيناً للرؤوس النووية بأسرع وتيرة في العالم، في تحوّل جعل برنامجها النووي مرآة لصعودها السياسي والعسكري، وتجسيداً لعقيدة تمزج بين “الردع والحذر والطموح نحو توازن عالمي جديد”، حيث تطور برنامجها على مدى تلك العقود من مشروع دفاعي محدود يهدف إلى تحقيق “الردع الأدنى” إلى أحد أكثر برامج التحديث العسكري طموحاً في العالم، نظراً إلى ترسانتها الضخمة وبنيتها التكنولوجية وانتشارها الجغرافي.
فما هي قصة النووي الصيني، وكيف طورت بكين درعها الأكثر خطورة في العالم، بعيداً من أعين الغرب، محققة في ذلك معادلة الاعتماد على الذات، من أجل تحقيق طموح يتجاوز مجرد الدفاع عن الحدود إلى تأمين مكانة الصين كقوة عظمى، ولا سيما بعدما لم يعُد الحديث عن النووي الصيني مقتصراً على عدد الرؤوس الحربية أو مدى الصواريخ والقدرات التي تملكها، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول قدرة الصين على إعادة تشكيل قواعد الردع النووي والتوازنات العسكرية الاستراتيجية التي استقرت لعقود بعد نهاية الحرب الباردة.
كيف بدأ النووي الصيني؟
لم يكُن المشروع النووي الصيني مجرد محاولة لامتلاك “سلاح ردع” يملكه الآخرون، بل كان مشروعاً، وفق كثير من المؤرخين والعسكريين، لإعادة تعريف مكانة بكين نفسها، بعدما عكست عقود تطوره، تحولات الدولة “من قوة ثورية معزولة محاطة بالأخطار والتهديدات إلى منافس استراتيجي عالمي”.
وعلى رغم أن فكرة تطوير سلاح نووي بالنسبة إلى الصين لم تكُن بعيدة من تخطيط قادتها لحظة إعلان قيام الدولة عام 1949، وسعيها في ذلك التوقيت إلى تكوين جيش قوي بأسلحة حديثة بما في ذلك النووية، فإن المسيرة الحقيقة نحو ذلك الهدف انطلقت بعد اعتبار الزعيم ماو تسي تونغ عام 1955 أن القنبلة الذرية “شرط للاستقلال الوطني”، مروراً بعقيدة الردع الأدنى التي وصفها عالم السياسة وأستاذ العلاقات الدولية أفيري غولدشتاين بأنها “استراتيجية بكين للبقاء لا للمنافسة العددية”، وصولاً إلى التوسع الحالي الذي بات جزءاً من صراع النفوذ العالمي مع الولايات المتحدة.
وبحسب ما تقول الموسوعة البريطانية، فإن وتيرة تطوير بكين لسلاحها النووي، ارتبطت في جانب كبير منها بالتهديدات الأميركية والتلويح باستخدام السلاح النووي ضد بكين خلال خمسينيات القرن الماضي، في سياق التوتر بين البلدين حول الحرب الكورية (1950-1953) وكذلك حول تايوان ومضايقها. فأثناء الحرب الكورية، شهدت العلاقات بين البلدين توتراً كبيراً على خلفية إرسال الصين مئات آلاف المتطوعين لقتال الأميركيين في الكوريتين، وحينها هددت واشنطن بكين بإلقاء قنابل نووية عليها لإبعاد خطرها والانتقام منها بإقامة “منطقة ميتة” تعزلها عن شبه الجزيرة الكورية، وهي تجربة كانت حاضرة ولا سيما أن الولايات المتحدة كانت استخدمت للمرة الأولى في التاريخ السلاح النووي في اليابان نهاية الحرب العالمية الثانية.
في تلك الأثناء وبعد انتهاء الحرب الكورية، وفي خضم الحرب الباردة التي قسمت الدول إلى معسكرين متقابلين (الرأسمالي والشيوعي)، وبقاء التدخل الأميركي في شؤون تايوان، أدركت بكين أهمية الحصول على سلاح نووي، مما تجلى في إعلان الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في خريف عام 1955، أمام قادة جيشه قراره المصيري قائلاً “علينا أن نمتلك القنبلة الذرية حتى لا يعاملنا أحد كدولة ضعيفة”، لتقرر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في أعقاب ذلك، تحديداً بداية عام 1956 تطوير الطاقة النووية والعمل على صناعة صواريخ استراتيجية وأسلحة نووية، ثم تقر السلطة في العام ذاته تأسيس “الوزارة الثالثة للهندسة الميكانيكية”، وتكلفها تنفيذ البرنامج، بدافع من “إحساس قومي بالتهديد”.
وتشير المراجع والكتب التاريخية إلى أن بزوغ العصر النووي الصيني كان بدعم ومساعدة السوفيات (آنذاك)، إذ تلقت بكين دعماً تقنياً من موسكو عبر تزويدها بتصميم المفاعلات والمعدات الأساسية لإنتاج البلوتونيوم بين عامي 1950 و1960، فضلاً عن إرسال نحو 10 آلاف متخصص في الصناعة النووية السوفياتية، وإبرام أول اتفاق حول التعاون في هذا المجال في أبريل (نيسان) 1956 الذي بموجبه بُني خط سكة حديد يربط منطقتي أكتوغاي ولانتشو، مما سمح بتسليم المعدات الضرورية إلى أول موقع لاختبار الأسلحة الذرية قرب بحيرة لوب نور (غرب الصين).
لكن هذا الدعم السوفياتي لم يدُم طويلاً، فعام 1959 قطع الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف كل أنواع التعاون النووي مع بكين إثر الخلافات الأيديولوجية، تاركاً المشروع الصيني في منتصف الطريق، وبحسب الإذاعة الروسية، فإن التدهور غير المسبوق الذي شهدته علاقات البلدين أواخر خمسينيات القرن الماضي، قاد إلى انقطاع دعم موسكو في مجال الأبحاث النووية، كما اتجه الاتحاد السوفياتي لإبرام اتفاقات مع واشنطن حول الحد من الانتشار النووي والتجارب النووية، وعلى الإثر توقفت المساعدات الفنية السوفياتية للصين نهائياً في يوليو (تموز) عام 1960 مع سحب الخبراء النوويين السوفيات.
في الأثناء واصلت بكين طريقها نحو تطوير سلاحها النووي، إذ قررت الاستعانة بمئات من مواطنيها المتخصصين الذين كانوا يعيشون في الخارج، واستقطبتهم للمرحلة الأولى للعمل على تطوير برنامجها النووي، وتقول الموسوعة البريطانية إنه منذ أبريل عام 1960، كان الصينيون يباشرون إنشاء مركز تجارب نووية ومنشآت سرية عند بحيرة لوب نور، عُرفت باسم “القاعدة 221″، تحت قيادة الفيزيائي دينغ جياشيان الذي عرف لاحقاً بـ”أبو القنبلة الذرية الصينية”، مشيرة إلى أن الجهود استمرت في هذا الموقع لنحو أربعة أعوام اضطر خلالها عشرات آلاف العمال الصينيين والمساجين إلى العمل وسط ظروف قاسية، وخلال السنوات التالية، اتجهت السلطات لتوسيع هذا الموقع الذي أضحى في ما بعد أكبر موقع تجارب نووية بالعالم، وأطلق الصينيون اسم “المشروع 596” على برنامجهم النووي نسبة ليونيو (حزيران) 1959 وهو الشهر الذي اتجه خلاله الصينيون للعمل بصورة منفردة على برنامج القنبلة الذرية عقب تخلي السوفيات عنهم.
ومع بداية ستينيات القرن الماضي، تسارعت الخطى الصينية نحو تطوير السلاح النووي، إذ شرع معهد بكين لأبحاث الأسلحة النووية (يعرف باسم “المكتب التاسع”) تصميم الذخيرة النووية عام 1960، وقررت القيادة الصينية عام 1962 تسريع بناء محطة للرؤوس الحربية النووية في مقاطعة تشينغهاي وهي “القاعدة 20” من أجل تجميع أول قنبلة ذرية صينية عام 1963، وتشير الوثائق والمراجع التاريخية إلى أن تخصيب اليورانيوم الصيني بدأ في مصنع لانتشو المعروف باسم “المصنع رقم 504” عام 1962، فيما قام مجمع “جيوتشيوان” للصناعة النووية عام 1964 بتصنيع المكونات اللازمة لتجميع قنبلة ذرية، كذلك أجرى الفيزيائيون الصينيون بين عامي 1960 و1964، أكثر من ألف تجربة واسعة النطاق في مجال فيزياء الانفجار، لمحاكاة تفجير ذخيرة نووية، لتنجز المهمة خلال صيف عام 1964، وتُسلم أول ثلاث عبوات نووية جمعها متخصصون صينيون في موقع اختبار “لوب نور”.
وبعد جهد مكثف في اتجاه تطوير السلاح النووي، تمكن الصينيون من تفجير أول قنبلة نووية في الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وأطلقوا عليها اسم “596”، بينما سماها المسؤولون الأميركيون “شيك 1” (Chic 1)، وبلغ وزن القنبلة نحو 1550 كيلوغراماً وكان الانفجار بقوة 22 كيلوطناً، أي بمستوى تلك القنبلة التي ألقاها الأميركيون على هيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية، وفي اليوم ذاته، أبلغ رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي، نيابة عن الزعيم ماو تسي تونغ، الشعب بإجراء تلك التجربة الناجحة، ومنذ ذلك الحين دخلت بكين “النادي النووي”، وأصبحت من بين الدول القليلة في العالم التي تملك هذا السلاح الاستراتيجي (تسع دول فقط تملك السلاح النووي حول العالم).
ومع تقدير الخبراء الغربيين لكلفة البرنامج النووي الصيني بنحو 4.1 مليار دولار في ذلك الوقت، إلا أن بكين لم تكتفِ بتفجير أول قنبلة، فشهد عقد الستينيات مزيداً من التجارب النووية لها، انطلاقاً من أول تجربة بإسقاط قنبلة ذرية من طائرة في الـ14 من مايو (أيار) عام 1965، ثم في 1967، استكمال تطوير أول شحنة نووية حرارية، مع الوصول إلى أول اختبار ناجح لقنبلة نووية حرارية “هيدروجينية” تعتمد على اليورانيوم 235 واليورانيوم 238 والليثيوم 6 والديوتيريوم، في الـ17 من يونيو من العام ذاته، أي بعد 32 شهراً فقط من اختبار قنبلتها الذرية الأولى، وهو التطور الذي كان قياسياً على مستوى الزمن المطلوب للوصول إليه مقارنة بالدول الأخرى.
ولفهم سياقات تطوير بكين لسلاحها النووي، يقول الكاتبان جون لويس وتشي ليتاي في كتابهم “الصين تبني القنبلة” إن المشروع النووي الصيني لم يولد من سباق التسلح مع الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي فقط، بل من شعور تاريخي عميق بالهشاشة الاستراتيجية، موضحين أن “القيادة الصينية كانت مقتنعة في ذلك الوقت بأن الدولة التي لا تمتلك سلاحاً نووياً ستظل عرضة للضغوط والابتزاز من القوى الكبرى”.
وبحسب لويس وليتاي، فإن “أزمات خمسينيات القرن الماضي، بخاصة أزمة مضيق تايوان والتهديدات الأميركية باستخدام السلاح النووي، رسخت لدى الرئيس ماو تسي تونغ اقتناعاً بأن امتلاك القنبلة ضرورة وجودية”، مشددين على أن بناء الصين لسلاحها النووي لم يكُن بهدف الهيمنة وإنما “خشية من أن تبقى خاضعة لهيمنة الآخرين”.
والفكرة ذاتها كتب عنها مستشار الأمن القومي الأميركي الشهير هنري كيسنجر في كتابه “عن الصين”، حين تناول الملف النووي الصيني ضمن إطار أوسع يتعلق بالثقافة الاستراتيجية الصينية، قائلاً إن “بكين تختلف عن الاتحاد السوفياتي السابق في نظرتها إلى القوة النووية، فبينما سعت موسكو إلى تحقيق توازن عددي مع واشنطن، نظرت بكين إلى السلاح النووي على أنه أداة تمنع الإكراه الخارجي وتؤمن حرية الحركة السياسية”، مشيراً إلى أن “الفكر الصيني التقليدي يركز على تجنب الحروب المباشرة المكلفة، ولذلك تبنت بكين لعقود مفهوم ’الردع الكافي‘ بدلاً من السعي إلى أكبر ترسانة ممكنة”.
وضمن قراءته لفهم السياسة الصينية، ذكر كيسنجر أن بكين “لم تتواصل طوال قرون طويلة مع مجتمعات من وزن كبير أو مجتمعات متقدمة. وكانت تعد الدول المحيطة بها، بمثابة كيانات تدور في فلكها، إضافة إلى اعتبار الدولة الصينية أنها كانت معرضة للتهديدات الخارجية، فضلاً عن النزاعات الكثيرة بين الفئات الداخلية المتنازعة”، ورأى أن “التاريخ القريب والبعيد للصين، كان باستمرار عاملاً حاسماً في تحديد سياساتها الخارجية، وكذلك تحديد مواقفها من الغرب بصورة خاصة، والتأكيد على أن التاريخ الصيني عرف دورات متعاقبة طويلة من الانكفاء على الذات وتبنّي سياسات واستراتيجيات دفاعية وانعزالية حيال بقية العالم”.
يشار إلى أنه في سبعينيات القرن الماضي، ومع الزيارة التاريخية للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى بكين (1972)، بدأت الصين تخرج من عزلتها السياسية، وخلال هذه المرحلة، أعادت بكين هيكلة برنامجها النووي العسكري ليصبح أكثر انضباطاً وارتباطاً بالقيادة السياسية العليا، لا بالمؤسسة العسكرية وحدها.
لكن بعد وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عام 1976، تبنّت قيادة دنغ شياو بينغ سياسة “التركيز على الاقتصاد”، مما جعل النشاط النووي أكثر بطئاً، لكنه لم يتوقف، إذ حافظت الصين على ترسانة تراوح ما بين 200 و250 رأساً نووياً حتى مطلع القرن الـ21، ضمن مفهوم “الحد الأدنى الكافي” للدفاع في عقيدتها النووية، بعدما أعلنت في الـ29 من يوليو 1996 وقفاً اختيارياً للتجارب النووية، ووقعت لاحقاً على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، إلا أنها لم تصادق عليها.
مسار التطوير والعقيدة النووية
وفق كثير من المؤرخين والاستراتيجيين العسكريين، فإن مسيرة البرنامج النووي الصيني كشفت عن تداخل معقد بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فمن جهة، سعت بكين إلى حماية نفسها من الضغوط والتهديدات الخارجية، ومن جهة أخرى استخدمت قوتها النووية كأداة لتعزيز مكانتها الدولية وترسيخ صورتها كقطب رئيس في النظام العالمي. كذلك، ارتبط تطور برنامجها هذا ارتباطاً وثيقاً بصعود الصين الاقتصادي والتكنولوجي، إذ وفرت الطفرة الصناعية والعلمية الموارد والخبرات اللازمة لتحديث القدرات النووية وإدماجها ضمن استراتيجية عسكرية أشمل تهدف إلى تعزيز النفوذ الصيني في آسيا والعالم.
وعلى رغم تباطؤ النشاط النووي الصيني مع مطلع الألفية الجديدة، فإنه ومنذ صعود الرئيس تشي جينبينغ إلى السلطة عام 2013، دخل البرنامج النووي الصيني مرحلة مغايرة، مع بدء بكين عملية تحديث شاملة لأسلحتها النووية، بما يشمل منصات بحرية وجوية وصاروخية، مما عكس “تحولاً جذرياً” في عقيدتها النووية، بعد الانتقال من التركيز على “الحد الأدنى من الردع”، إلى “بناء قوة ردع مرنة وشاملة ومتعددة الوسائط”، وفق ما يقول الخبراء والمعنيون.
وجاء أبرز تلك التحولات في ما كشفت عنه صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في يونيو عام 2021، وفقاً لصور أقمار اصطناعية، أن الصين بنت أكثر 100 صومعة صواريخ نووية جديدة قرب مدينة يومن في صحراء قانسو (شمال غربي)، ونقلت عن محللين لدى “معهد ميدلبيري” قولهم إن الصين “تتجه نحو نظام إنذار مبكر دائم”، مما يشير إلى نية الانتقال من سياسة “الضربة الثانية” إلى إمكان “الإنذار والرد السريع” نووياً.
وجاء كشف “واشنطن بوست” قبل نحو شهر من إعلان “اتحاد العلماء الأميركيين” (FAS) عن وجود حقول مشابهة في مدينتي هامي ويولين (تقعان على بعد 380 كيلومتراً تقريبا إلى الشمال الغربي من يومن)، مما رفع العدد الإجمالي للصوامع الجديدة إلى أكثر من 350، لافتين إلى أن صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة من مقاطعة شينجيانغ تشير إلى أن الموقع يمكن أن يستوعب نحو 110 صوامع للصواريخ عندما يكتمل بناؤه.
وعلى مدى الأعوام الأخيرة، عكست محاولات الصين لتوسيع ترسانتها النووية وبناء الصوامع الصاروخية، محاولات عسكرية لـ”ضبط موازين الردع الاستراتيجية” مع الولايات المتحدة، مع استمرار المنافسة بين البلدين.
فضمن تقريره السنوي عام 2025، حذر “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (سيبري) من تصاعد سباق التسلح النووي في 2024، مع تحديث الدول النووية التسع لترساناتها، مشيراً إلى نمو ترسانة الصين النووية بوتيرة أسرع من أية دولة أخرى، مقدراً بأن ترسانة بكيين النووية تزداد بنحو 100 رأس نووي جديد سنوياً منذ عام 2023.
ووفق “سيبري”، فإنه بحلول يناير (كانون الثاني) 2025، كانت الصين أنجزت، أو شارفت على إكمال، نحو 350 منصة جديدة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات في ثلاثة حقول صحراوية واسعة شمال البلاد وثلاث مناطق جبلية شرقها، مضيفاً أنه “بناءً على هيكلة قواتها، من المحتمل أن تمتلك الصين عدداً من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات يعادل في الأقل ما تمتلكه روسيا أو الولايات المتحدة بحلول نهاية العقد”. وأشار في الوقت ذاته إلى أنه حتى لو وصلت الصين إلى الحد الأقصى المتوقع وهو 1500 رأس نووي بحلول عام 2035، فإن ذلك سيظل يمثل نحو ثلث المخزونات النووية الحالية لكل من روسيا والولايات المتحدة.
وحذر تقرير “سيبري” كذلك من الانزلاق نحو صراع نووي، في ظل مواصلة كافة الدول النووية التسع تقريباً (هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان، إضافة إلى كوريا الشمالية وإسرائيل) تحديث برامجها بصورة مكثفة عام 2024 وإضافة إصدارات أحدث، بعد عقود من الهدوء شهدت تراجعاً في حجم الترسانات النووية حول العالم.
وقدّر تقرير وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لعام 2024 بأن الصين قد تمتلك بحلول عام 2035 أكثر من 1500 رأس نووي مقارنة بنحو 600 اليوم، بعد تحذير سابق لـ”البنتاغون” عام 2000 من أن الصين بصدد مضاعفة مخزونها من الرؤوس الحربية النووية، مما يؤكد التكهنات التي قالت إن بكين ستنضم قريباً إلى روسيا والولايات المتحدة لتصبح في صدارة القوى النووية الكبرى معهما. كذلك ذكرت “مجلة علماء الذرة” خلال تقريرها السنوي العام الماضي أن البحرية الصينية أصبحت تمتلك غواصات نووية عدة، بعضها من طراز جين (Type 094) قادرة على إطلاق صواريخ JL-2 بمدى يتجاوز 8000 كيلومتر، في وقت تعمل الصين على تطوير الجيل الجديد من الغواصات النووية Type 096 المزودة بصواريخ JL-3 بعيدة المدى.
وعلى رغم تأكيد الصين في أكثر من مناسبة على أن تحديث ترسانتها “لا يستهدف التفوق على أحد، بل ضمان بقاء التوازن” في وجه التهديدات الأميركية، فإن العقيدة النووية الصينية تبقى محل جدل بين الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين، فيفسر توماس كريستنسين في كتابه “التحدي الصيني: تشكيل خيارات القوة الصاعدة”، التوسع النووي الصيني الحالي، مجادلاً بأن “الصين لا تسعى بالضرورة إلى التفوق النووي على الولايات المتحدة، وإنما إلى ضمان ألا تستطيع واشنطن تحييد قوة الردع الصينية عبر أنظمة الدفاع الصاروخي والتفوق التكنولوجي”.
ورأى كريستنسين أن بكين تنظر إلى الردع النووي على أنه جزء من معركة أكبر تتعلق بمستقبل النفوذ الأميركي في آسيا، مشيراً إلى أن “الهدف الصيني ليس الفوز بحرب نووية، بل منع الخصوم من الاعتقاد بإمكان الفوز بها”.
بدوره، يرى عالم السياسة أم تايلور فرافيل ضمن كتابه “الدفاع النشط: الاستراتيجية العسكرية للصين منذ 1949” أن العقيدة النووية الصينية اتسمت تاريخياً بدرجة عالية من الثبات مقارنة بالقوى النووية الأخرى، معتبراً أن “الصين منذ أول تجربة نووية عام 1964، أعلنت التزامها مبدأ ’عدم البدء باستخدام السلاح النووي‘”، كما تجنبت الدخول في سباقات تسلح واسعة. لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن البيئة الاستراتيجية الجديدة، خصوصاً التنافس مع الولايات المتحدة، دفعت الصين إلى توسيع قدراتها النووية ليس لتغيير العقيدة بالكامل، بل لضمان استمرار فاعليتها.
ويعتقد فرافيل بأن “التوسع النووي الصيني الحالي يعكس القلق من تآكل الردع أكثر مما يعكس تحولاً نحو عقيدة هجومية”، موضحاً أن عقيدة بكين اليوم وقدراتها تركز على ما يسمى “الضربات الدقيقة والحاسمة” المصممة لـ”شل قدرة العدو على القتال، بدلاً من مجرد القضاء على قواته”. والآن أصبحت الأسلحة الدقيقة البعيدة المدى في ترسانة الصين مناسبة تماماً لهذا الغرض، بخاصة ضد القوات الأميركية في غرب المحيط الهادئ التي تتميز بأنها مرئية ومكشوفة للغاية وتعتمد بصورة كبيرة على بنى تحتية ثابتة قريبة من البر الرئيس الصيني.
وبحسب فرافيل، فإن الصين راجعت توجهاتها وإرشاداتها الاستراتيجية نحو تسع مرات منذ تأسيس الجمهورية، وعلى رغم المحافظة على مفهوم “الدفاع النشط” كإطار جوهري لجميع هذه الإرشادات، لكنها أعادت تفسيره مراراً أيضاً تبعاً للمتغيرات في البيئة الدولية والتطور التكنولوجي وطبيعة التهديدات. وأوضح أن التحولات الكبرى برزت خصوصاً في أعوام 1956 و1980 و1993، حين رأت القيادة الصينية أن “نماذج الحرب في العالم” تغيّرت بصورة جوهرية، في حين شكلت تعديلات 2004 وما بعدها تطويراً تدريجياً ضمن المسار نفسه وفي السياسات المستحدثة مثل “استراتيجية عقد اللؤلؤ” التي تشير إلى شبكة المنشآت والعلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية الصينية على طول خطوط الاتصال البحرية التي تمتد من البر الرئيس الصيني إلى القرن الأفريقي، لتأمين خطط الانتقال من الدفاع الساحلي إلى أعالي البحار والانتشار العسكري البحري البعيد المدى، مع تركيز متزايد على الحروب المحلية عالية التقنية والمعلوماتية والمنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة.
ووفق مؤرخين وباحثين، فقد مرت العقيدة العسكرية الصينية عبر أربع محطات رئيسة منذ قيام جمهورية الصين الشعبية، الأولي خلال عهد ماو تسي تونغ (1949-1976)، إذ تبلور نموذج “حرب الشعب” والحرب المطولة المرتكزة على التعبئة الجماهيرية والقوات البرية الضخمة تحت قيادة الحزب، فيما جاءت مرحلة دينغ شياو بينغ (أواخر السبعينيات- أواخر الثمانينيات) لتدشن التحول نحو “الدفاع النشط” في إطار الاستعداد لحروب محلية محدودة، مع تقليص حجم القوات والتركيز على النوعية والتحديث بعد درس حرب 1979 مع فيتنام.
وخلال عهدي جيانغ زيمين وهو جين تاو (1993-2012)، انتقلت العقيدة إلى شعار “كسب الحروب المحلية في ظروف تقنية متقدمة ثم معلوماتية”، مدعومة ببرامج واسعة لتطوير الصواريخ والقوات البحرية والجوية، مقرونة بطرح “المهمات التاريخية الجديدة” التي وسّعت دور الجيش ليشمل حماية المصالح المتنامية للصين خارج حدودها.
أما خلال عهد شي جينبينغ (2013- إلى اليوم)، فأُعيد تنظيم جيش التحرير الشعبي في مسارح عمليات مشتركة ضمن رؤية جديدة للدفاع النشط، أوسع جغرافياً وأكثر اعتماداً على الحرب المعلوماتية والذكية، مع جعل هدف بناء “جيش عالمي المستوى” بحلول عام 2049 (مئوية تأسيس جمهورية الصين الشعبية) محوراً لسياسات التحديث والاندماج المدني العسكري، بحسب ما يقول فرافيل.
أبرز قدرات بكين النووية
كثيراً ما دأبت الصين على إخفاء قدراتها العسكرية وحتى النووية وأبقت عدداً كبيراً من المعلومات حولها طي الكتمان، إلا أنه وخلال العرض العسكري الذي وصف بـ”الأضخم عالمياً” الذي أقامته بكين في الثالث من سبتمبر (أيلول) عام 2025، لـ”إحياء مرور 80 عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان”، كان بمثابة استعراض علني للقوة العسكرية الصينية الأحدث عالمياً ورسالة تحدٍّ غير مسبوقة للهيمنة الأميركية، بعدما كشفت النقاب للمرة الأولى عن أسلحة نووية استراتيجية وطائرات شبحية يمكن لبكين استخدامها لتحدي النفوذ الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مما وصفه أحد قادة الجيش حينها بأنه “إظهار قدرة جيشنا الاستراتيجية الهائلة على الردع”.
واستعراض الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم والتي خصصت نحو 186 مليار جنيه استرليني (نحو 250 مليار دولار) لموازنتها الدفاعية لعام 2025، شمل بصورة غير مسبوقة صواريخ فرط صوتية وجيلاً جديداً من الثالوث النووي الاستراتيجي وصواريخ بعيدة المدى وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة وقاذفات استراتيجية وطائرات مسيّرة شبحية، ومعظم هذه الأسلحة يعرض للمرة الأولى. كذلك، شملت أبرز المعدات العسكرية صواريخ فرط صوتية مصممة لتدمير السفن في البحر وصاروخاً استراتيجياً عابراً للقارات يعمل بالوقود السائل “يضع العالم برمته تحت مرمى ضرباته” وأنظمة دفاع فضائي قادرة على تدمير الأقمار الاصطناعية الأجنبية، فضلاً عن إظهار للمرة الأولى قوات الدعم الجوي والفضاء الإلكتروني والمعلوماتي للجيش، بحسب صحيفة “غلوبال تايمز” الرسمية.
ومن بين أبرز الأسلحة التي استعرضتها الصين، ثلاثة أنواع من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية هي دونغ فنغ-61، ودونغ فنغ-31BJ، ودونغ فنغ- 5C، كما كشف الجيش الصيني عن أول صاروخ نووي يطلق من الجو، وهو JL-1الذي عرض على متن شاحنة عسكرية. ويمثل الصاروخان JL-1 وJL-3، فضلاً عن الصاروخين DF-61 وDF-31، “أول عرض مكثف” للقوات النووية الاستراتيجية البرية والبحرية والجوية للجيش الصيني، بحسب قناة “سي سي تي في” الصينية الرسمية.
ووفقاً لصحيفة “غلوبال تايمز”، فإن مدى صاروخ دونغ فنغ- 5C يقدر بأكثر من 20000 كيلومتر، مع تحسينات في القدرة على اختراق الدفاعات والدقة. وبحسب وسائل إعلام صينية فإن الصاروخ النووي الاستراتيجي العابر للقارات من طراز DF-5C يضع الكرة الأرضية بأكملها تحت مرمى ضرباته. ويقول الخبراء إن النسخة الجديدة من هذا الصاروخ قادرة على حمل ما يصل إلى 12 رأساً حربياً على صاروخ واحد.
وظهرت في العرض صواريخ أخرى سبق توثيقها، من بينها صواريخ كروز، تشانغجيان-20A وينغجي-18C وتشانغجيان-1000، إضافة إلى صواريخ فرط صوتية مثل دونغ فنغ-17 ودونغ فنغ-26D التي ذكرت وسائل الإعلام الرسمية أنها تتمتع “بقدرات قتالية في جميع الأحوال الجوية”.
كذلك تمتلك بكين نظام الدفاع الفضائي HQ-29، القادر على إسقاط الأقمار الاصطناعية الأجنبية، للمرة الأولى في استعراض بارز للقوة الجوية. وعلى رغم قلة المعلومات حول قدراته الدقيقة، فإن حجمه الكبير يوحي بأنه يتمتع بمدى هائل يشبه مدى صاروخ SM-3 Block IIA التابع للبحرية الأميركية الذي من الممكن إطلاقه من البر أو البحر.
وعلى صعيد الغواصات النووية، تمتلك بكين غواصات نووية يمكنها حمل الصواريخ الباليستية Type 094 – Jin-class مع صواريخ JL-2، فضلاً عن غواصات Type-096 أو غواصات SSBN/SSN النووية الأحدث، كذلك لدى الصين عدد من القاذفات والصواريخ المحمولة جواً أبرزها القاذفة H-6Nوهي نسخة مطورة من قاذفة H-6 بعيدة المدى والقادرة على حمل صواريخ جوّ-أرض بعيدة المدى بما قد يشمل صواريخ ذات قدرة نووية، إضافة إلى القاذفة الشبحية H-20 الأحدث لدى سلاح الجو الصيني وذات القدرات النووية، فضلاً عن صواريخ محمولة جوّاً ALBM وصواريخ “كروز” جو ذات المدى الطويل.
وتثير هذه الأسلحة شعوراً خاصاً بالقلق لدى البحرية الأميركية التي تسيّر دوريات في غرب المحيط الهادئ انطلاقاً من مقر قيادة أسطولها السابع في اليابان، وبحسب تقرير لـ”معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية” (سي أس آي أس”، فإن أهم ما استخلصته الصين من استعراض يوم النصر الأخير أنها خرجت من الظل أخيراً وأصبحت توسّع ترسانتها الاستراتيجية كمّاً ونوعاً.
