
لم يكن منتظرًا من القمة العربية الإسلامية في الدوحة أن تُسقط مسار التطبيع، أو تُعلن عقوبات، ولا أن تُقدِم على قرارات جذرية تغيّر قواعد اللعبة. مع ذلك، فإن ما جرى في العاصمة القطرية أطلق دينامية سياسية وإعلامية أربكت إسرائيل وحليفتها الأميركية، ورسّخ صورة قطر وسيطاً دولياً أصابته شظايا العدوان. فشل عملية الاغتيال التي استهدفت قادة “حماس” لم يمنح إسرائيل أي مكسب عملي؛ بل كبّدها خسارة سياسية ومعنوية، إذ وجدت نفسها تقصف بلدًا وسيطًا موكَلًا منذ عقود بملفات إقليمية معقّدة، وحليفًا تعتبره واشنطن -كما تقول- أهم شريك استراتيجي خارج حلف الناتو.
القمة شكّلت محطة جديدة في تكوين رأي دولي أكثر صلابة تجاه إسرائيل، ولو أنّ شعوب المنطقة ترى أن هذا المسار بطيء أمام مأساة شعب يُقتَل ويُحرَق كل يوم. صدقية قطر الدولية أسهمت في استقطاب أغلب القادة إلى الدوحة، في حين لعب إعلامها دورًا مؤثرًا في خلق مناخ يعمّق عزلة إسرائيل، التي بدت مستنفَرة لشن حملة مضادة تعيد صياغة الرواية بما يخدمها.
غزة والدم المسفوك.. وفائض القوة الإسرائيلي
انعقدت القمة في لحظة إقليمية مشحونة: قصف لعاصمة دولة وسيطة لعبت أدوارًا تفاوضية من أفغانستان إلى فلسطين مرورًا بلبنان وسوريا، إبادة مستمرة في غزة منذ عامين، وقرار إسرائيلي باجتياح مدينة غزة بما هي المعقل الأخير لحركة حماس. فائض القوة جعل تل أبيب تضرب عواصم المنطقة من دون رادع، في حين تعيش داخليًا انقسامًا سياسيًا واجتماعيًا حادًا، لكن موازين القوى تميل بوضوح نحو اليمين والائتلاف الذي يقوده بنيامين نتنياهو وحلفاؤه الأكثر تشدّدًا.
السعودية والتحشيد الأممي
في موازاة ذلك، برزت المملكة العربية السعودية في مسار دولي متصاعد، مستندةً إلى مقررات قمّتَي الرياض (2023 و2024)، لتقود حملة أممية للاعتراف بدولة فلسطين. وقد خطت تلك الجهود، بالتعاون مع فرنسا، خطوة مهمة عبر التصويت في 12 أيلول/ سبتمبر على “إعلان نيويورك” المنبثق من “المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية لقضية فلسطين وحل الدولتين”.
صوّتت 142 دولة لمصلحة الإعلان، مقابل 10 معارضة و12 ممتنعًا، في قرار يشكّل دعمًا حاسمًا للحق الفلسطيني، ويوجّه ضربة دبلوماسية ومعنوية إلى إسرائيل والولايات المتحدة معًا. ومن المنتظر أن يُتوَّج هذا المسار باجتماع رفيع في 22 أيلول/ سبتمبر الحالي، ضمن أعمال الدورة الـ80 للجمعية العامة في نيويورك.
الخليج بين واشنطن وشرعية فلسطين
اللافت أنّ السعودية جمعت بين رعايتها للمؤتمر الأممي الذي تعارضه واشنطن، وانخراطها في مناقشات البيت الأبيض، وهو ما يتيح لها الحفاظ على العلاقة مع أميركا من دون خسارة ورقة الشرعية الفلسطينية. الإمارات من جهتها ترى أنّ “الاتفاقات الإبراهيمية” قد تتحوّل إلى عبء، لكنها قد تفيد بوصفها ورقة ضغط لفرملة خطط التهجير في الضفة وغزة. أما دول الخليج عمومًا فباتت مقتنعة بضرورة إعادة التفكير في منظومتها الأمنية، خصوصًا بعد أن نقل توماس باراك عن نتنياهو قوله إنه قادر على الضرب متى شاء وأينما شاء. المنظومة الخليجية تتحرك اليوم إلى جانب مصر والأردن بوصفهم كتلة سياسية تحاول أن تتمايز عن الدبلوماسية الأميركية، وتقدّم نفسها فاعلاً مستقلاً قادراً على إطلاق مسارات دولية، حتى حين تتعارض مع واشنطن.
“أكسيوس” والإعلان الحارق
في هذا المناخ، فجّر موقع “أكسيوس” قنبلة سياسية حين كشف أن نتنياهو اتصل بترامب قبل الضربة على الدوحة، وأن الأخير كان على علم مسبق ولم يعترض. ثلاثة مسؤولين إسرائيليين أكدوا أن الاتصال جرى عند الثامنة صباحًا بتوقيت واشنطن، في حين وقعت الانفجارات في الساعة 8:51. مسؤول رفيع قال صراحة: “ترامب كان يعلم، جرى نقاش سياسي ثم عسكري، لكنه لم يقل لا”.
مسؤول آخر أضاف: “لو أراد ترامب إيقاف العملية لفعل، لكنه عمليًا لم يفعل”. أما البيت الأبيض فأصرّ على أنّه لم يُبلّغ إلا بعد أن كانت الصواريخ في الجو، في حين قال مسؤولون إسرائيليون إنهم تواطؤوا مع الرواية الأميركية حفاظًا على العلاقة الثنائية. هكذا تحوّل الأمر إلى مسرحية مكشوفة، أظهرت أن المشروع الأميركي لم يكن سوى غطاء للضربة، وأن واشنطن، في لحظة الحقيقة، لا ترى في المنطقة سوى حليف واحد هو إسرائيل. نفيُ ترامب المتأخر لما أورده الموقع، وبيان “رويترز” بأن الإدارة لم تعلم سوى بعد إطلاق الصواريخ، لم يغيّرا كثيرًا في مزاج الرأي العام الدولي الذي مال إلى تصديق رواية “أكسيوس”.
لبنان: التوازن المستحيل
لبنان يقف في قلب هذه المعادلة. الجنوب والبقاع يشتعلان بعمليات اعتداء متواصلة، في الوقت الذي يمارس فيه الغرب ضغوطًا لانتزاع سلاح “حزب الله”. حكومة بيروت، برئاسة نواف سلام، تجد نفسها أمام معضلة: كيف تحافظ على الاستقرار الداخلي، وتتماهى مع القرارات الدولية، من دون أن تُتَّهَم بالتفريط في السيادة أو الانزلاق نحو مواجهة أهلية؟
الجيش اللبناني مطروح بوصفه مرجعية وحيدة للسلاح، لكنه مكبّل بالأزمة الاقتصادية، وضعف التسليح. وفي خلفية المشهد، تترقب العواصم مصير المبادرة الأميركية-الأوروبية حول “نزع السلاح مقابل الاستقرار”، في حين ينظر اللبنانيون بعين الريبة إلى أيّة تسوية قد تعيد إنتاج وصاية خارجية جديدة.
الخليج: تبدّل العقيدة الأمنية
دول الخليج، التي عاشت لعقود تحت المظلّة الأميركية، بدأت تعيد النظر في عقيدتها الأمنية، حتى لو لم تُعلن ذلك صراحة. الضربة الإسرائيلية لقطر، والمخاوف من توسع المواجهة بين تل أبيب وطهران، دفعت قادة الخليج إلى طرح سؤال جوهري: هل ما زالت واشنطن ضامنة للأمن؟
قطر خرجت من القمة بموقف متشدد، مصرّة على أن أيّة تسوية لا يمكن أن تتجاهل وقف العدوان الإسرائيلي. السعودية بدت أكثر حذرًا، مُوازِنةً بين علاقتها المتجددة مع إيران، ورغبتها في إبقاء باب السلام مفتوحًا بشروط أكثر صرامة. أما الإمارات والبحرين، فوجدتا نفسيهما في موقع صعب: التطبيع الذي راهنتا عليه مع إسرائيل لم يقدّم ضمانات حقيقية؛ بل عرّضهما لحرج سياسي في ظل تنامي التضامن الشعبي مع فلسطين.
تركيا وسوريا: حدود التوازن الجديد
تركيا، التي تحاول التوفيق بين علاقاتها مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وجدت نفسها هدفًا غير مباشر للاعتداء الإسرائيلي على الأرض السورية. أنقرة تدرك أنّ استقرارها الداخلي، وأمنها الحدودي، مرتبطان بمآلات الصراع في سوريا، التي تعيش مرحلة انتقالية بعد رحيل الأسد وصعود قيادة جديدة.
سوريا ما بعد الأسد باتت ساحة تنافس إسرائيلي–تركي–سعودي، يلعب فيها الأميركي دور الحكم. غير أنّ اعتداء الدوحة عزّز الانطباع بأن إسرائيل تبقى الحليف الأوحد الثابت في المنطقة، في حين أنَّ الآخرين متغيّرون وفق المصالح.
إعادة توزيع النفوذ
ما برز في قمة الدوحة يتجاوز موقفًا تضامنيًا مع غزة، أو رفضًا شكليًا للعدوان الإسرائيلي. المقررات والتفاعلات التي صدرت عنها تؤشر إلى بداية مرحلة إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط. إسرائيل، التي لطالما نجحت في فرض روايتها على العواصم الغربية، لم تعد قادرة على الاستفراد بالسردية. غزة، بدمها وصمودها، أعادت قلب الطاولة وأجبرت الجميع على إعادة النظر في قواعد اللعبة.
المبادرة السعودية–الفرنسية، وضغط الرأي العام العربي، والتحولات في الخليج وتركيا وإيران، كلها عناصر تقوّض فكرة إسرائيل بوصفها قوةً عظمى مطلقة. صحيح أنّها ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا، لكنها مضطرة اليوم إلى التكيّف مع موازين جديدة تتشكل ببطء، وتترسّخ بخطوات ثابتة.
سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كان ثمرة تضحيات داخلية وضغوط خارجية متراكمة، من المقاطعة إلى العقوبات فالعزلة. وعندما أدرك فريدريك دي كليرك استحالة الاستمرار، أطلق مانديلا وبدأ التفاوض حتى جرت أول انتخابات العام 1994. قد تكون دماء الغزيين، وما يرافقها من تحوّلات وتحالفات، مدخلًا إلى إسقاط الاحتلال ونظام الفصل العنصري الأخير في هذا العالم. .
. المصدر المدن