علي حسين.. جريدة المدي
تخيل جنابك أن بلاداً يمتد تاريخها إلى أكثر من ستة آلاف عام، وأنجبت كوكبة من الكبار في مجالات المعرفة والفنون، هذه البلاد تعجز عن اختيار شخصية ثقافية لها حضور فاعل لتجلسه على كرسي وزارة الثقافة.
سيقول البعض: أيها الكاتب البطران، الناس تريد أن تطمئن على مستقبلها وسط تقلبات الدولار وضياع أموال العراق بين حيتان الفساد، ماذا تنفع الثقافة في بلد يسمح لمحلل سياسي من “وزن” عماد المسافر يهدد أهالي مدينة الحلة التي كان يتجول في شوارعها “محمد مهدي البصير، وطه باقر، وأحمد سوسة، وعبد الكريم الماشطة، وموفق محمد” بأن يضع لهم شخصاً أسمه وسام عزيز على كرسي المحافظ، ولا تسألني من هو وسام عزيز الذي يريد أن يغزو مدينة صفي الدين الحلي؟، فقد خرج علينا قبل أيام يكتب على صفحته الشخصية بعد خسارة المنتخب العراقي: “هاردلك منتخب العراق الشقيق”، وهذا العراق الشقيق يدفع راتباً شهرياً لوسام عزيز، ويمنحه امتيازات يتحسر عليها ملايين العراقيين.
وستقول يا عزيزي وما علاقة المسافر وعزيز بموضوع وزارة الثقافة، وسأقول لك يا سيدي إن قوى سياسية تكرم من يسخرون من العراق، ستكون بالتأكيد غير مهتمة باختيار شخصية لوزارة الثقافة تحظى بإجماع المثقفين العراقيين، وإن هذه القوى السياسية اصرت ان تسخر من جميع مثقفي البلاد عندما منحت وزارة الثقافة للسيد أحمد الجبوري “أبو مازن” بطل جولات بيع المناصب في البرلمان في دورته السابقة.
جميع مسؤولينا ينظرون إلى الثقافة باعتبارها كماليات زائدة. أنت مواطن ما دمت تذهب إلى صناديق الاقتراع تنتخب جماعتك، وتمنحهم صوتك وأنت مغمض العينين؛ فقد تعودنا في هذه البلاد أن تتحول الثروات إلى أدوات سياسية لقهر الناس وليس إسعادهم، عشنا في هذه البلاد لسنوات طويلة تحت حصار شعاره “النفط مقابل الغذاء” وتوهمنا أن العهد الجديد سيجعل النفط مقابل الرفاهية والعدالة الاجتماعية والتنمية والثقافة، فإذا بهم يرفعون شعار “النفط مقابل الولاء”.
للأسف معظم وزارات الثقافة التي مرت علينا خلال السنوات الماضية ظلت تنظر إلى المثقفين كمجموعة من عبيد إحساناتهم. فالمثقف كائن غريب، لا يحق له الاعتراض. والمثقفون في نظر القوى السياسية مجرد مجموعات من التابعين، مطيعين ومستجيبين ومنفّذين لكلّ ما يُطلب منهم. خلال السنوات الماضية عشنا مع سياسيين يضعون أصابعهم في آذانهم حين تعلو أصوات المثقفين مطالبةً بالاهتمام بالثقافة، لأنّ وحوش المحسوبية والبيروقراطية والمحاصصة الطائفية دائماً ما تجهض أحلام العراقيين.
يدرك المواطن العراقي جيداً أن الساسة العراقيين أسرى لمفاهيم لا تريد أن تدرك أن تغييراً حصل في العراق، ولهذا نراهم يسعون إلى بناء دولة الطائفية ، بديلاً عن دولة التنمية والمعرفة والمواطنة.