حازم صاغيّة. ناقدسياسي
.حازم صاغيّة
.
ما زرت مدينة إلاّ واجهتني فيها مشكلة السجائر. وكثيراً ما قرّرت، ثمّ تراجعت عن قراري، أن لا أزور أيّ مكان ولا أصعد أيّة طائرة، فبمثل هذا الامتناع وحده أمارس حقّي ورغبتي المطلقين في التدخين.
بالأمس في باريس، وعلى جاري عادتي، كان السؤال الأوّل الذي سألته لعامل الفندق: أين تقع أقرب مقهى من هنا؟ ذاك أنّني حين أصحو فجراً أهرول إلى المقهى من دون أن أمشّط شعري أو أغسل وجهي. أضع ثياب الأمس عليّ كيفما اتّفق وأروح أسعى وراء القهوة والسيجارة سعي الغريق إلى الهواء. فأنا يزعجني كثيراً أولئك الذين يفيقون من النوم ويتّجهون إلى المطبخ كي يأكلوا. هؤلاء، في أحسن أحوالهم، أشخاص بلا مزاج، إذ كيف تنتهي نهاراتهم وقد بدأت بالفول والمناقيش والأجبان؟
في لندن مثلاً، وبعد مغادرتي المدينة، صرت حين أزورها أقصد المقهى المجاور لفندقي في السادسة والنصف صباحاً. أدخل بعدوانيّة مَن لا يريد أن يحدّثه أحد أو يحدّث أحداً، وأطلب من النادلة اللطيفة ستّة فناجين إسبرسو في كوب واحد.
النادلة تنظر إليّ باستغراب شديد كما لو أنّني آتٍ من كوكب آخر. تتفحّصني بسرعة طولاً وعرضاً وهي تبتسم لي ابتسامة من يشكّك برجاحتي فيما ترغب، في الوقت ذاته، أن تتعاطف مع المرض الغريب الذي أتخبّط فيه.
أقول لها جازماً: نعم، نعم، ستّة فناجين إسبرسو في كوب واحد. ثمّ أحمل هذا الكوب إلى الخارج حيث البرد وشيء من العتم الذي خلّفه الليل وراءه. هناك أجعل أدخّن وأدخّن بينما أحتسي قهوتي في خلوة تامّة صافية من أيّة همسة تعكّرها.
هذه ليست المفارقات الوحيدة التي أوقعني فيها التدخين. ففي واشنطن وجدتُني أقف، عند كلّ فجر، بين العمّال والعاملات الذين يدخّنون خارج الفندق وأغلبهم من الملوّنين الذين صار يربطني بهم اشتراكنا في مصيبة التهميش والاستبعاد. وأحياناً كان يصل إلى الفندق زائر جديد فيما نحن متجمّعون على مدخله، فيختارني أنا كي يطلب منّي أن أنقل شنطته إلى الداخل، أو أن أساعده في إنزال والدته العجوز من السيّارة.
ومرّة، في نيويورك، كنت أسير في الشارع وأدخّن فاصطدم دخان سيجارتي بوجه سيّدة تمرّ في مقابلي، وإذا بها تشتمني بصوت مرتفع ولئيم وتتّهمني بأنّني أقتلها بـ”التدخين السلبيّ”. والحقيقة أنّني تمنّيت في تلك اللحظة لو يتاح لي أن أربطها بقوّة على الكرسيّ وأحرمها كلّ قدرة على الحركة، وأروح أدخّن وأنفث دخاني في وجهها مثنى وثلاثاً ورباعاً إلى أن يتمّ نقلها مغميّاً عليها إلى المستشفى.
يصدر كلامي هذا عن موقع يصفه البعض بالتطرّف. وأنا، في الواقع، لا أخفي تطرّفي في المسألة هذه. فحين كنت شابّاً، وكنت أدخّن الجيتان الفرنسيّ الذي يمقت الكثيرون رائحته، كنت أُحكم إقفال غرفتي قبل النوم وأتأكّد من أنّ الشبّاك مغلق تماماً، ثمّ أجلس وأدخّن ثلاث سجائر متلاحقة كي أضمن أنّ أنفي سيتنشّق تلك الرائحة فيما أنا نائم. والحقّ أنّني لم أعثر على تعريف للنّوم، ذاك الموت المقسّط، أكثر إقناعاً من أنّه عزوف اضطراريّ ومؤقّت عن التدخين.
وهذا ما يجعل انزعاجي من الحصار الذي يُضرَب علينا اليوم، تحت وطأة الثقافة الصحّيّة المتنامية، انزعاجاً وجوديّاً. فنحن، المدخّنين، نتعرّض للاضطهاد، ونُحاصَر في بلد بعد آخر، لأنّ الحكومات تنوي تقليص فواتير الاستشفاء المدفوعة للمستشفيات. وذلك لا يلغي أشكالاً ملطّفة من الازعاج نلقاها يوميّاً، كأنْ يعظك ناصح حكيم بضرورة وقف التدخين، مع أنّك أنت المعتدى عليه، أو كأنْ يبتسم لك الأب أو الأمّ ويقولان إنّ في بيتهما أطفالاً، ما يعني أنّ ضيافتهما لا تشمل حقّنا في التدخين. فكأنّه لا يكفي وجود الأطفال معك في سهرة واحدة، وغزل الأمّ والأب بنبوغ طفلهما أو بجماله الفتّاك. كما لا يكفي اضطرارك لأن تسايرهما وتوافق على ما يقولان بالابتسام المفتعل. فإلى هذه المعاناة المحضة كلّها يضاف منع التدخين، وهذا علماً بأنّ مجاورة الأطفال تحضّ على التهام السيجار التهاماً لا الاكتفاء بتدخين السيجارة النحيلة والقصيرة.
ويبدو أنّنا الآن عشيّة تحوّل مهمّ. ذاك أنّ المنع الذي وصل إلى بيروت سوف يسري فيها قريباً، ولسوف نطارَد هنا أيضاً مثل هنود حمر يسعى اللؤم والعنصريّة وراء فرو رؤوسهم. ذاك أنّ الذين لم يُسقطوا الطائفيّة بل عزّزوها، ولا عطّلوا سبباً واحداً من أسباب الاحتراب الأهليّ، يستعرضون جبروتهم وبأسهم في مواجهة… سيجارة.
حسناً، سوف نكتفي، نحن المدخّنين، بأن نغنّي مع غلوريا غاينر “سوف أحيا”، أو نقول مع المتنبّي “أنا كذا يا دنيا”. ولسوف نردّد، شامتين مناكفين، تلك الدعابة الروسيّة عن البطل الخرافيّ نيكولاي الذي قيل إنّه لم يدخّن سيجارة واحدة في حياته ومات بأتمّ الصحّة والعافية..
المصدر..جريدة “الحياة”