وقوف مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية أمام لجنة الشيوخ وإقرارها بأن بعض الوكالات الاستخباراتية تميل إلى ترجيح فرضية “التسرب المختبري” من معهد ووهان للفيروسات، شكّل صدمة أعمق مما بدا في الظاهر. ليس لأن هذه الفرضية كانت مجهولة، بل لأن المؤسسة الرسمية التي طعنت فيها طويلًا باتت تُقرّ بأنها احتمال قائم. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام كشف حقيقي عن أصل الجائحة التي قتلت ملايين البشر؟ أم أمام توظيف سياسي جديد في حرب أشمل وأخطر؟
في كانون الثاني/يناير 2020، حين أعلنت الصين عن فيروس جديد ينتشر في ووهان، كان الرأي العلمي الغالب يميل إلى فرضية الانتقال الطبيعي من الحيوان إلى الإنسان، انسجامًا مع سوابق وبائية مثل سارس وإيبولا وإنفلونزا الطيور. في شباط/فبراير 2020، نشر علماء رسالة في مجلة لانسيت وصفوا فيها فرضيات التسرب بأنها “تفتقر إلى أساس علمي”، في محاولة لإغلاق الباب أمام ما اعتبروه نظريات مؤامرة. لكن الباب لم يُغلق. ففي آذار/مارس 2021، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرها المشترك مع الصين وخلصت إلى أن فرضية التسرب “بالغة الاستبعاد”. لاحقًا، تكشّفت تفاصيل أضعفت هذه الخلاصة: فريق التحقيق لم يُمنح وصولًا مستقلاً إلى البيانات، وقيود الصين على الشفافية جعلت التقرير أقرب إلى مفاوضة سياسية منه إلى تحقيق علمي. في أيار/مايو 2021، طالب أكثر من مئة عالم بتحقيق مفتوح ونزيه. وفي 2023، أشارت تقارير إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الطاقة الأميركية رجّحا فرضية التسرب، بينما بقيت وكالات أخرى على موقف الحياد أو الميل إلى الانتقال الطبيعي.
ما أضافته الجلسات الأخيرة والوثائق المُفرج عنها ليس إثباتًا للتسرب، بل تعقيدًا إضافيًا يجعل الدفاع عن السيناريو القديم عسيرًا. محور الجدل الأشد إحراجًا هو التمويل الأميركي لأبحاث في معهد ووهان عبر منظمة إيكوهيلث أليانس، وهي منظمة غير حكومية تلقّت منحًا من المعاهد الوطنية للصحة الأميركية لبحوث مرتبطة بمفهوم “كسب الوظيفة” (Gain of Function)، أي تعديل الفيروسات لدراسة تطورها وإمكانية انتقالها للبشر. المشكلة أن الخط الفاصل بين ما يُعرّف رسميًا كـ”كسب وظيفة” وما لا يُعرّف كذلك كان ضبابيًا، ما أتاح تأويلات متباينة. وثائق داخلية أشارت إلى أن بعض الأبحاث ربما دخلت في هذا الإطار دون مراجعة إضافية. هذا لا يُثبت أن الفيروس صُنع عمدًا، لكنه يكشف هشاشة الرقابة المؤسسية ويُضعف الثقة في السرديات الرسمية.
الجائحة اندلعت في لحظة كانت فيها العلاقات الأميركية-الصينية في أدنى مستوياتها بحرب تجارية متصاعدة وتنافس تكنولوجي محتدم ونزاعات في بحر الصين الجنوبي
الأخطر هو ما لم يُكشف بعد. الصين أغلقت قاعدة بيانات تسلسلات الفيروسات في معهد ووهان في سبتمبر 2019، قبل أشهر من إعلان الجائحة، ورفضت طلبات وصول دولية. هذا الصمت لا يُثبت شيئًا، لكنه يُعيق نفي أي شيء.
أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية لعقود، كان الوجه العلمي الأبرز خلال الجائحة. لكنه أصبح لاحقًا هدفًا للاتهامات، خصوصًا بعد شهادته أمام الكونغرس حين نفى أن المعاهد الوطنية للصحة موّلت أبحاث “كسب الوظيفة” في ووهان. وثائق لاحقة أوحت بأن هذا النفي اعتمد تعريفًا ضيقًا للمصطلح لا يتفق عليه كثير من الباحثين. مجلس النواب الأميركي وجّه اتهامات باحتمال الإدلاء بشهادة غير دقيقة، فيما نفى فاوتشي ذلك جملةً وتفصيلاً.
القضية هنا ليست فاوتشي كشخص، بل الثقة المؤسسية التي يمثلها. العلم يحتاج إلى وسطاء موثوقين يترجمون التعقيد المعملي إلى قرارات سياسية وصحة عامة. حين يتحول هؤلاء الوسطاء إلى أهداف للتسييس، تتآكل البنية التحتية للثقة التي تعتمد عليها أي استجابة فعالة للأزمات. استطلاعات بعد 2021 أظهرت تراجعًا ملحوظًا في الثقة بالمؤسسات الصحية الأميركية، وهو الثمن الفعلي للتسييس.
كان يمكن لجدل أصل كوفيد أن يبقى نقاشًا علميًا يُدار في المجلات المحكّمة، لكن التوقيت التاريخي جعله مستحيلًا. الجائحة اندلعت في لحظة كانت فيها العلاقات الأميركية–الصينية في أدنى مستوياتها، وسط حرب تجارية وتنافس تكنولوجي ونزاعات جيوسياسية. في هذا السياق، غدا أصل الفيروس ذخيرة في صراع سردي. إدارة ترامب الأولى صعّدت لغة التأطير بحديثها عن “الفيروس الصيني”، ما غذّى خطابًا عنصريًا ضد الأميركيين الآسيويين. إدارة بايدن حاولت تحقيقًا جادًا دون تصعيد دبلوماسي، فيما عادت إدارة ترامب الثانية بلغة أكثر حدة. الصين رفضت فرضية التسرب باعتبارها “تسييسًا”، لكن هذا الرفض القاطع منح الفرضية مصداقية إضافية في الرأي العام الغربي.
العالم سيواجه جائحة جديدة في وقت ما والسؤال ليس إن كان ذلك سيحدث بل متى… وحين يحدث سنحتاج إلى مؤسسات تستطيع قول الحقيقة بلا تردد
منظمة الصحة العالمية وجدت نفسها في المنتصف، وتعرضت لانتقادات بسبب تأخر إعلان الطوارئ واعتمادها على الرواية الصينية الأولى. التحقيق المشترك عام 2021 واجه انتقادات علمية ودبلوماسية. الأزمة كشفت حدود المؤسسات الدولية حين تصطدم بمصالح دول كبرى.
الجدل لم يكن علميًا–سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. الجائحة أحدثت اضطرابًا غير مسبوق في سلاسل الإمداد العالمية، وأثارت شكوكًا في منطق العولمة ذاته. إذا كان فيروس قادرًا على شل الاقتصاد العالمي في أسابيع، فلماذا تستمر الاقتصادات في الاعتماد على مصادر جغرافية واحدة؟ الاتجاه نحو “تخفيف المخاطر” و”الإنتاج القريب من السوق” اكتسب زخماً بعد 2020، ليس نتيجة حسم علمي حول أصل الفيروس، بل نتيجة صدمة إدراكية بأن الترابط الاقتصادي قد يتحول إلى ثغرة في لحظات الانهيار.
أسواق الطاقة لم تكن بعيدة عن ذلك. روسيا وإيران وجدت في التقارب مع بكين المعزولة ديناميكية جديدة. العالم صار أقل استعدادًا للثقة في الشراكات العابرة للقارات، وأكثر ميلًا إلى التحصّن الاقتصادي الذاتي.
الأجيال المقبلة ستقرأ تاريخ جائحة 2020 من خلال وثائق لم تُكشف بعد وتحقيقات لم تكتمل. السؤال المنهجي سيبقى: هل سيُكتب هذا التاريخ كفشل علمي في فهم الأوبئة، أم كفضيحة مؤسسية في إدارة المعرفة؟ العالم سيواجه جائحة جديدة يومًا ما، والسؤال ليس إن كان ذلك سيحدث، بل متى. وحين يحدث، سنحتاج إلى مؤسسات تستطيع قول الحقيقة بلا تردد، حتى حين تكون محرجة لواشنطن أو بكين أو أي عاصمة أخرى.