
كاتب وباحث.. جريدة الثورة السورية .دمشق
يعد سؤال “فشل النخب السورية” من أكثر الأسئلة إلحاحاً في قراءة المشهد السوري خلال العقود الماضية، فالنخب -سواء السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية- هي عادة القوة التي تقود المجتمعات نحو التغيير، تصوغ الأفكار، وتقدّم البدائل، لكن في الحالة السورية، بدا أن النخب لم تستطع القيام بدورها، إذ كان جزء كبير من تلك النخب مؤيداً للنظام المخلوع ولآلة قتله، خصوصاً من المؤثرين والفنانين الذين تحولوا إلى أدوات دعاية تروج للنظام، وكان لهم حضور في الإعلام العربي خاصة في السنوات الأخيرة، مع ما بدا حينها من “انتصار” مزعوم للنظام السوري المخلوع.
لم يكن يمر أسبوع إلا ويخرج أحد المشاهير المحسوبين على النخب ليمجد جيش النظام المخلوع عبر وسائل إعلام عربية مؤثرة لا يستطيع مسؤولو النظام الوصول إليها، وهكذا أصبحت تلك الوجوه تمثّل “النخب”، وبعضهم -رغم أهميتهم وتأثيرهم السابق- اختار الرمادية، ولم تحرك رماديتهم كل تلك المجازر. على سبيل المثال، الفنان الكبير ياسر العظمة، صاحب سلسلة مرايا التي لامست واقع السوريين، بقي في منطقة رمادية لم ترتقِ إلى مستوى الكارثة.
أما النخب التي كانت معارضة للنظام المخلوع ومحسوبة على الثورة، فقد كانت سطحية في الطرح، بعيدة عن الواقع، ولم تستطع ملامسة واقع السوري المهجر، أو المقاتل، أو المغترب، ولم تتمكن من فهم الواقع الثوري الذي يفترض بها أن تكون عارفة به، مشخصة لحاله، متعايشة مع تفاصيله، مدركة لتعقيداته، بل تحوّل كثير منهم إلى أشباه مهرجين يروجون لنظريات المؤامرة، ويحملون الفصائل الثورية -خصوصاً الإسلامية منها- اتهامات بتنفيذ أجندات إيرانية أو تابعة للنظام، من دون فهم حقيقي لبنية تلك الفصائل أو أسباب سيطرتها على المشهد.
عجزت تلك النخب عن النزول من أبراجها العالية، وظل خطابها جامداً فارغاً، يعيش أزمة فهم الواقع وعجزاً عن طرح حلول له. لم تتمكن من بناء صلة مع المجتمع الثوري الحقيقي وكان خطابها يثير ضحك السوري القاطن في خيمته، ويثير استغراب الجندي الذي يقاتل في خندقه.
فشلت فشلاً ذريعاً في إقامة علاقة مع الواقع، فلو سألت السوريين في شمال سوريا -إبان انتصارات النظام وحصاره وقصفه لحواضن الثورة- عن أحد تلك الأسماء، لما عرفوها، وإن عرفوها فبسبب إحدى “هبداتها” التحليلية المريعة التي لم تفهم الفصائل ولا بنيتها ولا أسباب تصدرها للمشهد.
لفهم هذا الفشل النخبوي عموماً في سوريا، لا بد من العودة إلى طبيعة النظام السياسي الذي حكم سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد عمل النظام على تفريغ المجال العام من أي قوة مستقلة، عبر القمع، والاحتواء، وتفكيك البنى الاجتماعية والسياسية.
الأحزاب السياسية تحولت إلى واجهات شكلية، والنقابات إلى أدوات ضبط، والجامعات إلى مؤسسات تلقينية بلا دور فكري حقيقي في هذا السياق، لم يكن ممكناً لنخبة سياسية حقيقية أن تتشكل، لأن شروط وجودها (الحرية، التعددية، التنافس) كانت غائبة، بل تعتبر مخاطر تصل لحد فقدان الحياة.
فالنخب الثقافية في زمن الأسدين قد وجدت نفسها أمام خيارين إما الصمت، أو الاندماج في خطاب السلطة والتقرب والتزلف لها. البعض من المثقفين اختاروا السلامة وابتعد عن الشأن العام، بينما الكثير اختار لعب دور “المثقف الرسمي” الذي يبرر السياسات ويعيد إنتاج خطاب السلطة.
هذا الانفصال بين المثقف والمجتمع خلق فراغاً كبيراً سمح للخطابات الشعبوية بأن تتصدر المشهد، حتى صار علي الديك مثلاً أكثر تأثيراً من أستاذ جامعي في حقبة الأسدين.
وبالعودة لنخب المعارضة لنظام الأسد المخلوع فإنها رغم شجاعة وتضحيات بعضها، لم تتمكن من تقديم مشروع جامع يلامس الثورة السورية التي لم تكن ثورة نخبوية بل ثورة شارع وأيضاً كانت تعاني من الانقسامات الأيديولوجية. غياب الرؤية، ضعف الخبرة السياسية، والتدخلات الخارجية، كلها عوامل جعلت النخب المعارضة عاجزة عن لعب دور كان من المفترض أن يكون محورياً.
اقتصادياً، لم تكن ثمة نخبة اقتصادية مستقلة قادرة على لعب دور إصلاحي، فقد اعتمد النظام على شبكة من رجال الأعمال المرتبطين به، ما جعل الاقتصاد قائماً على الولاء لا على الكفاءة. هذه البنية خلقت طبقة مستفيدة من الفساد، لكنها غير قادرة على قيادة اقتصاد حديث أو دعم إصلاحات حقيقية. كان هناك تزاوج بين المال وسلطة البعث.
السؤال الأهم اليوم هو: هل يمكن إعادة إنتاج نخبة سورية جديدة؟ الجواب ليس بسيطاً لكنه ممكن، فالنخب لا تصنع بقرار سياسي، بل عبر بيئة سياسية، وتغيير في الأسلوب النخبوي في تناول الشأن العام، الذي لا يزال متحجراً وكأنه يعيش في ستينيات القرن الماضي. لا بد من مؤسسات مستقلة، وتعليم نقدي، ومساحات للنقاش العام.
سوريا المستقبل تحتاج إلى نخبة قادرة على تجاوز إرث الماضي، نخبة لا تقوم على الولاء أو الأيديولوجيا الضيقة أو السطحية، ولا تتجاهل محركات الواقع السوري، فلا تزال النخب اليوم غير قادرة على فهم الواقع وسياقاته، وتتناوله بنظرة كيدية تعود في جوهرها إلى عوامل كثيرة، أهمها محاولة تبرير فشلها في الثورة، إضافة إلى الحقد الأيديولوجي على كل ما هو مختلف معها.
إن فشل النخب السورية ليس قدراً، بل نتيجة ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية يمكن تغييرها، والمجتمع السوري رغم كل ما مرّ به لا يزال قادراً على إنتاج طاقات جديدة، شرط أن تتوفر البيئة التي تسمح لهذه الطاقات بالظهور، وهي اليوم تبشر ذلك، فالمستقبل لا يبنى بالصدفة، بل بصناعة نخبة جديدة تحمل رؤية وشجاعة ومسؤولية، ولا تكون أسيرة ثنائية “التطبيل أو العداوة” التي لا تزال تعيشها النخب السورية بعد سقوط النظام وانتصار الثورة السورية، ثنائية نابعة من ثارات قديمة وإحساس بالعجز، يخلف حسداً تجاه كل من نجح في ملامسة وجع السوريين وكان له حضور بينهم، مؤثراً ومتأثراً.