ملخص
لا تزال العلاقة بين الأديب اللبناني جبران خليل جبران والفيلسوف الألماني فردريك نيتشه محل تحليل ومقارنة، انطلاقاً من الأثر البنيوي الواضح الذي تركه كتاب “هكذا تكلم زارادشت” في كتاب “النبي”، ومن الكتب الجديدة في هذا الحقل كتاب “جبران النبي ونيتشه الرؤيوي”، للباحثة سعاد الخراط (دار مكتبة اسطفان – 2026).
لا تكادُ تنتهي حلقة أو تُطوى ظاهرة مدروسة في أعمال الأديب والفنان اللبناني جبران خليل جبران، حتى تفتتح حلقة أخرى، وجميعها تستحق الغوص فيها، واستخلاص الدروس منها.
ومن الحلقات الدراسية عن أدب جبران وسيرته التي ما برحت تتواصل، ويتابع الكشف فيها عن جديد أو قديم غير مكتمل العناصر، ما يمكن إدراجه في باب الأدب المقارن الذي أنشئ مطلع القرن الـ 19 في الغرب، لغايات لغوية وفقهية محضة، وصارت أوائل الـ 20 تُعنى بدرس خصوصيات أديب تبعاً لتأثره بمصادر أجنبية.
ولئن كانت إبداعية الكاتب والفنان جبران خليل جبران، استدعت عشرات الدراسات من أجل الغوص في دواعيها، وأهم مظاهر الأسلوب في كتابته، أو من أجل استيضاح المؤثرات الفكرية، ومقدار التناص بينه وبين غيره من الأدباء والفلاسفة والمفكرين، العرب والعالميين، فإن كلاً من هؤلاء كان يصدر عن وجهة نظر، أو زاوية فكرية معينة، لدى مقارنتهم ما بين أدب جبران وغيره من السابقين المذكورين.
وبالعودة لكتاب “جبران النبي ونيتشه الرؤيوي”، للباحثة سعاد الخراط، فهو ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، الأول يُعنى بالكلام على ظاهرة التنبؤ لدى جبران، بحسب النهج الذي اتبعه بعض الشعراء والكتاب في الغرب، إبان القرن الـ 19، من أمثال نيتشه وشيلي ووالت ويتمان وبلايك، وغيرهم ممن يرون إلى الوجود من منظار انتقادي يشمل القيم، والمدنية الحديثة، والعواطف المتقدة، والمخيلة المجنحة، وبالتالي يصير للشاعر أو الأديب أو الفنان مكانة في نظر نفسه، فيبتدع خطاباً في كل المواضيع التي تمس حياة البشر، وهذا دأب جبران في كتابه “النبي”، إذ تقف الباحثة عند كل قضية، أو ثيمة مذكورة في الكتاب، موضحة مضمونها على نحو موجز، مثل كلامها على الدعوة إلى التحرر الاجتماعي التي يدعو إليها جبران في هذا الكتاب، عبر قيم المحبة، أعظم القيم عنده على الإطلاق، والصداقة والزواج والأطفال، ولزوم اعتبار هؤلاء أحراراً لا يجوز تملكهم من قبل والديهم.
ويليها الكلام على مظاهر إنسانية مختلفة، مثل العمل والشراء والبيع والأكل والشرب والجسم، وغيرها مما لم تعرها بعضُ الأديان أهمية، لاعتبارها أموراً دنيوية لا صلة لها بالإيمان، ومن ثم توجز الكلام على ثيمة الخير والشر في نظر جبران، ومكانة العقل والعاطفة والمتعة، والفرح والحزن والمعرفة، والعطاء والجمال والتصوف وغيرها.
ومن ثم أتبعت عرضها الموجز لمضمون كتاب “النبي” بمبحث وجيز في الفصل الرابع، تحلّل فيه الباحثة تخبّط جبران بين الشك والإيمان، بسبب الأحداث الجسام التي تناوبت عليه، بموت أخته سلطانة، ثم أخيه بطرس، ووالدته على التوالي، ولعل هذا القلق من العدم، بعد موت الأحبة ووشك موته الخاص، هو ما دفع جبران إلى التفكر في وحدة الوجود، أو ما دعي بـ “الحلولية” عند الرومنطيقيين، والأمر نفسه كذلك حثه على الاعتقاد بالتقمص، سبيلاً إلى الوجود بعد الموت، على ما يقوله المصطفى لأهل أورفليس: “ولا تنسوا أنني سآتي إليكم، مرة أخرى، فلن يمر زمنُ قليل حتى يشرعَ حنيني في جمع الطين والزبد لجسد آخر. قليلاً ولا ترونني، وقليلاً ترونني، لأن امرأة أخرى ستلدني” (ص:127)
رؤية نيتشه المتمرد
في المقابل، تخص الباحثة الجزء الثاني من الكتاب (ص:135-304) بكامله لدرس نشأة فريديريك غيوم نيتشه (1844-1900)، ومواكبة مساره الأدبي، منذ كتابته أولى قصائده (الآن وفي ما مضى)، وظهور عوارض مرضه وجنونه، ثم إلى تأليفه كتاب “العلم المرح”، و”لو سالومي”، وصولاً إلى “هكذا تكلم زرادشت” و “ما وراء الخير والشر”، ثم “أصل الأخلاق” و”قضية فاغنر” و”أفول الأصنام”، وانتهاء بكتابه الضخم “هوذا الإنسان” الذي سبق انهياره الأخير الذي دام 11 عاماً، انتهى بوفاته في الـ 25 من أغسطس ( آب) عام 1900، مطلع القرن المتسم بالعدَمية التي كان مبشراً بها، ومعارضاً لها في آن.
في هذا الجزء المستفيض، تعرف الباحثة القراء إلى شخص نيتشه، وعلى الدوافع التي أملت عليه نظرته إلى الحياة، ودفعت به حد الإلحاد، ومن ذلك اضطراره إلى معاينة الخلافات الحادة بين والديه، ومن ثم عيشه قسوة أفدح وهي موت أخيه الأصغر، ثم موت والده الذي كان يحبه كثيراً.
على أن عبقرية الفتى ما لبثت تتفتح براعمها بمعونة الموسيقى التي استظل مناخاتها، مع الكبار فيها، أمثال بيتهوفن وباخ وموزار، وفاغنر الذي تسنى له معرفته وتقدير أعماله.
ولئن وجد نيتشه الملاذ في الموسيقى، كما أسلفنا، فإن ذلك أعانه على الانصراف إلى الكتابة بما تمليه عليه ثقافته الفلسفية وشخصيته المأزومة، وميله إلى التعويض عن نواقص وعلل جسمانية أصابته صغيراً، وأودت به إلى الجنون وعمى البصر، وقد دفعه ذلك إلى ابتداع نموذج الإنسان المتمرد الذي يتحرر من جميع العوائق، الاجتماعية منها والتشريعية والعلائقية، مثل الحب والصداقة والمرأة والزواج والطلاق والأطفال، ولم يكن مستغرباً أن يكون نيتشه معادياً للزواج، وملحداً، ومرتاباً بجاره، ومحتقراً الضعفاء من شعبه، وميالاً إلى تعظيم القوة، بلوغاً إلى إيمانه بالإنسان المتفوق.
نقاط التشابه
أما الجزء الثالث والأخير فقد خصته الباحثة بمبحث موجز، عرضت فيه أوجه التشابه والاختلاف بين أديب شرقي لبناني (جبران) وآخر غربي ألماني (نيتشه)، فمن حيث نقاط التشابه، اتضح أن جبران ونيتشه، نشآ في إطار ديني محافظ، الأول في بيئة كاثوليكية مارونية تكاد تكون متزمتة، والثاني في بيئة بروتستانتية محافظة، ولعل هذا ما حدا بكلي الكاتبين إلى الاقتباس من الكتاب المقدس النبرة الدينية في مخاطبة القراء، واستعارة بعض العبارات المفاتيح في صوغ الخطاب، في كل من “النبي” و “هكذا تكلم زرادشت”.
ولا يتوانى نيتشه بدوره عن استخدام الرموز الدينية المسيحية (فغاب الشيخ وعاد بخبز وخمر)، نظير ما يفعله جبران، وربما في نوع من التناص مع كلام نيتشه: “اهبط من علوك، وسكنْ حدة مجاعتك بخبزنا، واخمدْ لظى عطشكَ بلذيذِ خمرتنا” (النبي، ص:141)
عدا عن استخدام كليهما أرقاما ذات قيمة رمزية، مثل 40 يوماً، أو 12 سنة، أو “السابع من سبتمبر (أيلول)”،ولا يكاد يختلف نيتشه، في هذا الشأن، عن جبران، في اقتباساته الكثيرة من الكتاب المقدس.
وإضافة إلى ذينك المظهرين المتشابهين، نجد أن رسالة كل من “المصطفى” و”زرادشت” متماثلة، سواء في الانعزال عن الناس، أو الهرب من المدينة وأجوائها الخانقة، واللجوء إلى الغاب أو الدعوة إلى الحرية، والتحرر من كل ما يعوق تكوين ذاتية الفرد وتفوقه، إضافة إلى ما يضاد كل أشكال الزيف والكذب وعلاقات الإكراه، والظلم والعبودية.
الاختلاف بين الرؤيتين
في المقابل يتبين للباحثة أن ثمة اختلافات جوهرية بين الكاتبين، لا يعود معها من الجائز التعمية عن فرادة كل منهما، وتمايز عالمهما ورؤيتيهما، تجعل الباحثة أساس فلسفة كل منهما، في المقام الأول، ففي حين كان نيتشه ملحداً ويدعو إلى تدمير كل الرموز، وكل المعتقدات، نرى جبران مؤمناً، عميق الإيمان بالله، ونابذاً كل عوائد الناس وتقاليدهم التي لا تمت إلى جوهر الدين بصلة، وفيما كان نيتشه يؤلّه ديونيسيوس، ويكره صورة الضعف في المسيحية، مفضلاً عليها نموذج القوة والتفوق، يرى جبران أن معنى الآلام لا يتوقف عند المصلوب، لأن إلهه هو إله الأحياء، وإنما يتجاوزه إلى ما بعده، نعني القيامة، وفقاً للإيمان المسيحي.
وأياً يكن، فإن الباحثة سعاد الخراط، بمعونة المترجمين بيتسا استيفان والأب سليم دكاش، أمكن لها أن تسلط الضوء، ساطعاً هذه المرة، على نقطة أعطيت كثيراً من الأبعاد، حتى ظُن معها أن جبران لا يعدو كونه ظلاً لنيتشه، في حين أنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين، وإن التقيا وتقاربا في عديد من النقاط، وتلك من أفضال الأدب المقارن والأبحاث الجادة.
