ما المخيف في الموت؟ هل العلاقة مع الموت نسبية؟ أليس البرد متلازمًا مع الموت؟ هل حقًا ثمة موت دافئ؟ لماذا تنقلب الصراصير على ظهرها حين تموت؟
تلك باقة صغيرة من الأسئلة التي تتقلب على وجوهها في رواية عزة طويل “لا شيء أسود بالكامل”. ومن الأسئلة ما كان له وجه “التقرير”، ومنها ما التبس وجهه بالسياسة، وكثيرًا ما تخفّى السؤال في المشهدية، أو في حكاية ما/سردية ما.
هكذا ينشب التعبير عن التولّه الأقصى للأم بالوليدة فتخاطبها بحرارة: “تقبريني”، وإذا بالسؤال ينشب: “ألا يمكن أن نعبر عن الحب خارج الموت؟”. وعما بين الموت والطبيعة، أولاء هم البشر وقد تخلّوا عن الطبيعة قبل نحو مائتي عام، فغدوا أكبر خوفًا من كل شيء، لا سيما الموت. وفي مدينة مثل بيروت، حيث يكلّف القبر 1500 دولار، وحيث ينتظر الميت التالي سنتين لتتحلل خلالهما جثة الميت السابق، قبل أن يُفسح القبر له. لذلك تخبر الساردة أن على المرء أن يتريّث قبل أن يتخذ قرار الموت، والقرار في القرية أسهل.
تؤمن الساردة بأن الموت لا يأتي قط من دون تحذيرات. وبعد عودتها من سنوات الغياب في لندن، تقدّم لأمها صورة مؤثرة. فالأم في المشفى غاضبة ومتعبة ومكسورة، تخوض مواجهتها الأقوى مع الموت. والأم منتفضة على الموت وعلى حياتها: “لم تؤمن بلقاء بعد الموت، ولا برداء أبيض يلبسه الميت لينتقل إلى العالم الآخر، ولا بفيض الضوء ونهاية النفق المنيرة، ولا بألف قصة وقصة عن السلام الذي تبعثه لحظة الموت”.
من الكتابة ما تقصّر عنه الأوصاف، لذلك أؤثر أن أقول: كتابة مقطّرة. وإذا كان تقطير الكتابة الشعرية أكبر يُسرًا، فلعل تقطير الكتابة الروائية أن يكون أكبر عسرًا، ولعل رواية “لا شيء أسود بالكامل” أن تكون من هذا القبيل. ولكن أحسب أن عليّ أن أضيف أن هذه الرواية ليست دائمًا سلسة، بل هي أحيانًا “صعبة”، على الرغم من أن بناءها الشذري يلوح بعكس ذلك. وهنا يبرز اختلاف هذه الرواية عن الروايات التي توسّلت “الشذرة” في بنائها ولغتها، وبعبارة أخرى وربما أدقّ: الروايات التي قامت فنيًا على استراتيجية التشذير، ابتداءً من “كوابيس بيروت” لغادة السمان، إلى “الشظايا والفسيفساء” لمؤنس الرزاز، إلى “عين الشرق” لإبراهيم الجبين، إلى “مجنون الحكم” لسالم حميش، إلى “المموّه” لمحمود الرحبي، إلى الكثير من روايات إلياس خوري ومنذر بدر حلوم. ولئن كان السرد التشذيري يوائم الموت، فقد جعلته عزة الطويل موائمًا للحرب في سورية وفي لبنان، وليس فقط بما تعنيه الحرب من الموت.
تلك هي المجازر السورية منذ عام 2011: مجزرة كرم الزيتون ومجزرة دير بعلبة ومجزرة الخالدية و… وكل ذلك في مدينة حمص وحدها، ومنها قدمت إلى بيروت عمة شادي، وإليها كان قد أسرع أبو شادي ليتزوج من آمال، فعارضت، لكن الزواج تم. وعندما بدأت الحرب “الثورة/الزلزال” في سورية عادت آمال إلى لبنان بعد مجزرة الحصوية.
كرهت آمال حمص وسورية والنظام “السابق” والمعارضة. وكان قد صدمها أثناء إقامتها في لبنان أنها ليست مسجّلة كلبنانية، فأبوها سوري، وهي مصرّة على لبنانيتها، وعلى أنها من وطى المصيطبة في بيروت. والمفارقة أن زوجها ليس متمسكًا فقط بسوريته، بل بـ”أسديته” وولائه للنظام “السابق”. وقد كتبت الراوية أنه من الصعب عليها فهم الديناميكية السياسية لأسرتها هذه، فكل فرد فيها له موقفه الخاص من الأحداث “السياسية”. وكانت الراوية قد وُلدت في نهاية مجزرة صبرا وشاتيلا، فللحرب اللبنانية صداها الروائي في “لا شيء أسود بالكامل”. ومن ذلك – بامتياز – ما جاء عن الفيلا التي تساقطت عليها قذائف المتحاربين في لبنان: القوات اللبنانية والاشتراكيين والجيش بقيادة ميشيل عون والإسرائيليين والسوريين. وقد جمعت الفيلا العاشقين من حين إلى حين على أنغام موسيقى باخ: “كانت نوتات كونية هائلة، ذاتية وجامعة. كانت كالموت، لها حضور مدوٍّ في تلك الفيلا”.
مما للموت في هذا الشطر من الرواية مثل هذه “الحكمة”: “إذا اقتربت من الموت فاحرص على أن تكون عاشقًا”. كذلك هو القول بأن الحرب تقتل الحب. ولكن الفقر يقتله أيضًا، تضيف الراوية، والموت يقتله، فينشب السؤال: “يا إلهي، كم من أمر يقتل الحب؟”. ومن حضور الموت الأكبر تأثيرًا وعمقًا زيارةُ أبي ليال لقبر ابنته كل يوم، حيث يتمدّد على القبر ويغني أغنيتها المفضلة، ويقضي نهاره وهو يحدثها.
من الموت في سورية ولبنان، إليه لدى السومريين أو الهندوس وفي الصين، من طقوس مواجهته في لبنان إلى أساطيره إلى اجتماعه مع الربيع في نهاية الرواية. ولا ننسَ ما سبق مما تجأر به آمال: “أنا امرأة ميتة. لقد ماتت أنوثتي ودفنتها في حمص”، أو هذه التي تفرّ بابنتيها من زوجها وباريس إلى بيروت التي تحترق، وقد بدّلت ما بدّلت في قصة الأحدب وحبيبته أزميرالدا في كنيسة نوتردام الباريسية، كيلا يكون الحب مرادفًا للموت.
من وشم الأنوثة لرواية “لا شيء أسود بالكامل” تلك المشهدية الفادحة التي رسمت الإجهاض في المرحاض، أو رسمت الولادة بعد ثماني عشرة ساعة من المخاض. ولعلي لا أبالغ أو لا أخطئ إن قدّرت أن مثل هذه المشهدية الفادحة لا تكتبها إلا أنثى. ومثل ذلك ما جاء عن ذاكرة الجنين، أو عن اختبار الحمل ومحاولات الإجهاض.
أعلنت رواية “لا شيء أسود بالكامل” – 2024 عن روائية مميزة، وعن مغامرة فنية مميزة. وبدا الرهان كبيرًا على صوت متفرد وخاص في فوران “زحام/عجقة” الرواية العربية. وسرعان ما تنّت الكاتبة المغامرة في روايتها “عيون بيروت/سر اللمعة في العينين” – 2026. وسواء كانت لهذه الرواية شبهتها السيرية أم لا، فالأهم هو أن بناءها من متنَين، قل من روايتين، إحداهما “لعنة الحب” جاءت بالبنط الأسود، والأخرى هي الرواية التي تكتبها لمياء. وفي هذا “الاشتباك” تتقد “ثورة لبنان” عام 2019، وإن تكن لغة التقرير الوجيز تزاحم الوقدة والاتقاد. لكن “اللعبة” الروائية الكبرى هي لغز بيروت الأزلي: عيونها التي لا تنام، بيروت التي تحرق العيون وتدميها بعد أن تحقنها ببصمة لامعة لا مثيل لها. إنها بيروت التي تثقب عيون ساكنيها، بينما يدوّم السؤال: لماذا فُقِئت العيون تحديدًا في قمع المتظاهرين “2019”؟
يمحور المصور كنان “اللعبة الروائية” المذهلة فيما يحضّر لمعرض إلكتروني للصور التي التقطها خلال “الثورة”. وقد عنون مجموعته بـ”عين التغيير”، وفيها يعنون كل صورة بـ”العين مدخل إلى الروح، إذا لم تُفقأ”. أما رامي الكاتب الكهل المغرم المتسلسل “على وزن: قاتل متسلسل” صاحب الرواية التي كتبها عن الراوية، فحُقّت فيه الأغنية الفيروزية “وسمّى الجيرة، وسمّى الحيّ، ولولا شوي سمّاني”، أما رامي فقد جاد بصور العيون: دامعة ومجروحة ومصدومة ومرعوبة. والراوية تقرأ في عينيّ رامي مسيرته، فالعينان الصلبتان صارتا متعبتين وخائفتين وفيهما الكثير من الخزي.
لرواية “عيون بيروت” عنوانها الرئيسي هذا، وعنوانها الفرعي “سر اللمعة في العينين” الذي يبلور روح الرواية، كيلا أقول: رسالتها أو أطروحتها. وقد بدأت الرواية بأربع فقرات تحدد السنة، ثم تتوالى فقرات الرواية مرقمة. والرواية، بهذا التوضيب للزمن وللأحداث، تدير ظهرًا للتعاقب والخطية كما فعلت “لا شيء أسود بالكامل”. إن رهان عزة طويل، كما ظهر في روايتيها، هو على الخروج من الإهاب التقليدي، وعلى السائد في الخروج على هذا الإهاب أيضًا، إلى أفق يروم أن يكون جديدًا ومميزًا، وأحسب أن ذلك قد تحقّق.