ملخص
تمكنت البعثة الدولية التابعة للأمم المتحدة، من جمع شهادات من شهود وضحايا، وتقييم مواد رقمية تظهر قوات الأمن وهي تطلق ذخيرة حية على حشود لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً للحياة. وشمل ذلك إطلاق كريات معدنية عمداً باتجاه وجوه الضحايا، في تكرار للنمط الذي شهدته احتجاجات عام 2022 عندما تعرض المحتجون للتعمية بإصابات في العيون. ففي الـ10 من يناير الماضي وحده، بدا نحو 500 متظاهر مصابين بكريات معدنية في أعينهم أُدخلوا إلى أحد مستشفيات مدينة أصفهان.
تحت جنح الظلام الإلكتروني، ارتكب النظام الإيراني أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ إيران المعاصر خلال 48 ساعة. ففي أوج احتجاجات شعبية ضجت المدن الإيرانية وهزت المرشد الأعلى بهتافات “الموت للديكتاتور” في يناير (كانون الثاني) الماضي، لم تجد السلطات سبيلاً في مواجهة فضيان جارف من الشباب والشابات الغاضب سوى حجب الإنترنت مساء الثامن من يناير الماضي، حتى لا يفتضح أمره بينما يستهدف الرؤوس الشابة بالرصاص الحي.
على رغم سعي النظام لارتكاب جرائمه في سرية وصمت، بلغت رائحة دماء الضحايا أنحاء البلاد، وتسربت عشرات الصور والفيديوهات لتلك الأكياس السوداء التي توارت بداخلها جثامين الآلاف. تقول السلطات الإيرانية إن عدد أولئك القتلى لا يتجاوز الـ3 آلاف و117 شخصاً، لكن خبراء الأمم المتحدة ومراقبي حقوق الإنسان يتحدثون عن أرقام تفوق هذا الرقم كثيراً، فربما لا تقل عن 30 ألف قتيل أو تتجاوز هذا الرقم.
اندلعت الاحتجاجات داخل إيران في الـ28 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 عقب انهيار حاد في قيمة العملة، في ظل تضخم متصاعد، وسوء إدارة مزمن من جانب الدولة للخدمات الأساس، بما في ذلك الحصول على المياه، وتدهور متزايد في الأوضاع المعيشية. وبدأت الاحتجاجات في طهران ثم سرعان ما انتشرت في مختلف أنحاء البلاد، لتتحول إلى انتفاضة شعبية تطالب بإنهاء الحكم القمعي لنظام الجمهورية الإسلامية، والمطالبة بحقوق الإنسان، والكرامة والحرية والديمقراطية.
أكياس سوداء ورقم غامض
وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على الاحتجاجات، لا يزال العدد الفعلي لأولئك الضحايا الذين خرجوا بحثاً عن الحرية ووضع حد لقمع استمر طوال 47 عاماً، غير معروف. لكن وفق منظمة العفو الدولية، فإن الأدلة المستندة إلى مقاطع فيديو موثقة وشهادات شهود عيان تكشف عن أن قوات الأمن نفذت عمليات قتل جماعي غير مشروعة في مختلف أنحاء محافظة طهران. وتظهر لقطات مصورة مشرحة موقتة أقيمت داخل مبنى ملحق تابع لمنظمة الطب الشرعي الإيرانية في كهريزك قرب طهران، بعدما امتلأت المشرحة الرسمية في المبنى. وتظهر لقطات أخرى جثثاً ملفوفة بأكياس سوداء ملقاة على الأرض، مما يشير إلى أن الأرقام الفعلية للقتلى تتجاوز كثيراً بضعة آلاف.
وفي حديثه لـ”اندبندنت عربية”، قال المدعي العام السابق لجرائم الحرب في الأمم المتحدة بيام أخافان، إن المحققين لا يعرفون حتى الآن العدد الفعلي للقتلى بسبب انقطاع الإنترنت والتعتيم الإعلامي، و”لأن الجمهورية الإسلامية، المسؤولة عن القتل الجماعي للمتظاهرين، لا تريد أن يعرف العالم حجم هذه الجرائم”. ويضيف “ما نعرفه أن مسؤولين كباراً، من بينهم المدعي العام ورئيس السلطة القضائية، وصفوا المتظاهرين بأنهم أعداء لله. وهذه تهم يعاقب عليها بالإعدام بموجب قانون العقوبات في الجمهورية الإسلامية.” و”نعرف أيضاً أن أسلحة ثقيلة استخدمت ضد المتظاهرين، بدءاً من القناصة والرشاشات والأسلحة الهجومية، وصولاً إلى الأسلحة الخارقة للدروع”.
وفي تقريرها عن الاحتجاجات، أوضحت رئيسة البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في شأن إيران سارة حسين، أن الحكومة الإيرانية تجنبت تقديم رواية شفافة عن الأزمة، بما في ذلك من خلال فرض قطع كامل لخدمات الإنترنت والاتصالات المحمولة منذ الثامن من يناير الماضي. وتشير التقارير إلى أن قوات الأمن استخدمت قوة مميتة واسعة النطاق ضد المحتجين، بما في ذلك بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة، مما أدى إلى سقوط عدد هائل من القتلى. كما أن صور أقارب مفجوعين يبحثون عن أحبائهم في مشرحة كهريزك الموقتة بمدينة طهران، بين ما بدا أنه مئات أكياس الجثامين المكدسة فوق بعضها بعضاً، كانت صادمة ومؤلمة. وفي المقابل، قالت الحكومة إن ما لا يقل عن 300 من أفراد قواتها الأمنية كانوا من بين القتلى، وإن ممتلكات عامة وخاصة تعرضت لأضرار.
وعلى رغم انقطاع الاتصالات، تمكنت البعثة الدولية التابعة للأمم المتحدة، من جمع شهادات من شهود وضحايا، وتقييم مواد رقمية تظهر قوات الأمن وهي تطلق ذخيرة حية على حشود لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً للحياة. وشمل ذلك إطلاق كريات معدنية عمداً باتجاه وجوه الضحايا، في تكرار للنمط الذي شهدته احتجاجات عام 2022 عندما تعرض المحتجون للتعمية بإصابات في العيون. ففي الـ10 من يناير الماضي وحده، بدا نحو 500 متظاهر مصابين بكريات معدنية في أعينهم قد أُدخلوا إلى أحد مستشفيات مدينة أصفهان. وتشير التقديرات إلى أن نحو 24 ألف متظاهر احتُجزوا، من بينهم أطفال وصحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان. ودعت السلطة القضائية إلى معاقبة المحتجين المحتجزين “في أسرع وقت ممكن” و”من دون أي تساهل”، وهددت بمقاضاة من وصفتهم بـ”مثيري الشغب” بتهمة المحاربة، وهي جريمة “العداء لله” التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.
كيفية حساب عدد القتلى
وأوضح أخافان الآلية التي يستند إليها المحققون لحساب سقوط أكثر من 30 ألف قتيل خلال الاحتجاجات التي شهدت ما لا يقل عن مليون شخص تظاهروا في الشوارع. ويشير إلى أنه إضافة إلى عمليات القتل التي حدثت في الشوارع، اعتُقل أكثر من 40 ألف شخص وأُودعوا السجون. وتشير سوابق النظام الإيراني إلى أن كثراً تعرضوا للتعذيب والعنف الجنسي، وأُعدم عدد منهم.
وأضاف أنه عند جمع هذه المعطيات والنظر إليها في سياقها العام، فإن الحد الأدنى لعدد القتلى يبلغ 7 آلاف شخص، وهو رقم يستند، بحسب قوله، إلى قائمة بأسماء مؤكدة أعدتها وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان. وإلى جانب هؤلاء، هناك 11 ألف اسم آخر لا تزال قيد التحقق، وأن عدد القتلى المؤكدين سيرتفع كلما جرى التثبت من هذه الأسماء.
وأشار أخافان المتخصص في مجال القانون الذي عمل لدى عدد من الهيئات القضائية الدولية بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، إلى وجود مشكلة كبيرة تتمثل في نقص الإبلاغ عن الضحايا بسبب الخوف من السلطات، لافتاً إلى ورود تقارير عن عمليات دفن سرية، وعن مشارح امتلأت بأكياس سوداء للجثامين، بل ونفاد تلك الأكياس واستخدام شاحنات تبريد لنقل الجثث تمهيداً لدفنها سراً. وتحدث عن شهادات تفيد بأن عاملين في القطاع الطبي تعرضوا للتعذيب أو القتل بسبب تقديمهم المساعدة للمصابين.
وقال إنه، استناداً إلى جميع هذه المعطيات، فإن التقدير المعقول يصل إلى نحو 18 ألف ضحية مسماة بالاسم. وأضاف أن الاستدلالات الإحصائية في البيئات الإعلامية المفتوحة تشير عادةً إلى إمكانية زيادة عدد الوفيات الفعلية بنسبة تصل إلى 30 في المئة مقارنة بالوفيات الموثقة. إلا أنه في ظل أنظمة استبدادية تتسم بالقمع والترهيب، فإن حجم الوفيات غير المبلغ عنها يكون أكبر بكثير، بحيث يقدر أن كل حالة وفاة موثقة تقابلها في الأقل حالة أخرى لم يُبلغ عنها. وبناءً على ذلك، قال إن تطبيق هذا الاستدلال الإحصائي على التقدير البالغ 18 ألف ضحية يقود إلى تقدير متحفظ يراوح ما بين 22 ألفاً و30 ألف قتيل، فيما يشير التقدير المتوسط إلى أن العدد قد يتجاوز 30 ألف قتيل.
وقال إن هذا هو الحجم الحقيقي لعمليات القتل، مضيفاً أنها تمثل، بحسب تقديره، أكبر عملية قتل جماعي في التاريخ الإيراني المعاصر، وأن تقدير السلطات الإيرانية البالغ 3 آلاف قتيل “غير معقول” ولا ينسجم مع المعطيات المتوافرة. وأشار إلى أن قطع الإنترنت، في سياق التستر على عمليات القتل الجماعي التي وصفتها بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق وغيرها، قد ترقى إلى “جرائم ضد الإنسانية”.
عنف جنسي وترهيب الطواقم الطبية
جمعت صحيفة “نيويورك تايمز” شهادات 40 من الأطباء والممرضين في إيران، تحدثوا عن مجزرة ارتكبتها قوات الأمن داخل المستشفيات، شملت استهداف أطفال، كان أحدهم حديث الولادة. وتشير تقارير أخرى إلى تعرض ممرضات للعنف الجنسي. وكشفت بعثة تقصي الحقائق في شأن إيران التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، عن عنف جنسي وتعذيب وعمليات قتل واعتقالات واحتجازات تعسفية واعترافات قسرية، ارتكبتها قوات الأمن الإيرانية في حق المتظاهرين خلال الاحتجاجات الماضية.
وفي مركز رجائي لأمراض القلب والأوعية الدموية والطب والبحوث داخل طهران، كان يتدفق سيل من المصابين بالرصاص الحي إلى المستشفى في يناير الماضي، عندما اقتحمت عناصر الأمن الإيرانية المستشفى ليوجهوا أوامر للفريق الطبي والعاملين بعدم تقديم العلاج. وقال أحد الذين تحدثوا من مدينة رشت الشمالية، إن مركزه الطبي كان مكتظاً بمئات من المتظاهرين المصابين بطلقات نارية استهدفت رؤوسهم وأعناقهم وصدورهم وعظام أفخاذهم وبطونهم. وقد سعت السلطات إلى إسكات العاملين في الخطوط الأمامية للقطاع الطبي، الذين بدأ عدد منهم توثيق ما شاهدوه سراً أثناء محاولتهم تقديم المساعدة للمتظاهرين.
ووفق تفاصيل أوردها موقع “إيران إنترناشيونال” في مارس (آذار) الماضي، فإن من بين 27 من العاملين والممرضين الموجودين في الجناح تلك الليلة، رفض 14 منهم الأمر وحاولوا علاج الجرحى، وتمكنت سبع ممرضات فقط من مواصلة تقديم الرعاية الطارئة لساعات عدة، ثم اقتحمت قوات الأمن المستشفى وأطلقت النار على بعض الجرحى. وعندما احتج الممرضون وموظفو المستشفى على إطلاق النار، تعرضوا للضرب ونقلوا إلى الطابق السفلي من المستشفى ثم إلى منطقة تخزين.
وأفاد شهود عيان بأن اثنتين من الممرضات السبع قُتلتا رمياً بالرصاص أمام أعين البقية، واعتُقلت خمس ممرضات أخريات ونقلن إلى الحجز، ولم تتلق عائلاتهن أية معلومات عن مصيرهن لأسابيع، ليتكشف لاحقاً أن اثنتين من تلك الممرضات تعرضتا للتعذيب والاغتصاب الجماعي المتكرر على أيدي عناصر الأمن أثناء احتجازهما.
فشل المجتمع الدولي
على رغم مرور أكثر من ستة أشهر على عمليات القتل هذه، لا يبدو أن ثمة عدالة قريبة للضحايا. وتنتقد نائبة المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية ديانا الطحاوي، إخفاق المجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات فعالة لتحقيق العدالة الدولية، قائلة إنه “أمر لا يمكن تبريره. فهذا الإخفاق يسهم في ترسيخ دوامة القمع الدموي، إذ يُحرم الناجون وأسر الضحايا من العدالة، وتصبح الفظائع المستقبلية شبه حتمية”.
وتشير إلى أن فشل المجتمع الدولي في السعي لتحقيق العدالة الدولية في شأن هذه الجرائم الخطرة شجع السلطات الإيرانية على التهديد بارتكاب مزيد من عمليات القتل الجماعي عبر قوات أمن “جاهزة لإطلاق النار” تستهدف المحتجين والمعارضين الذين تصفهم بـ”الأعداء”.
وجددت منظمة العفو الدولية الأسبوع الجاري، دعوتها إلى المجتمع الدولي والدول الأعضاء في الأمم المتحدة لوضع أزمة حقوق الإنسان والإفلات من العقاب في إيران على رأس أولوياتها، ودعم إنشاء آلية دولية مستقلة لتحقيق العدالة في شأن إيران، وحث مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إحالة الوضع في إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية.