كانت التظاهرة حدثًا استثنائيًا في تاريخ السينما السورية
في حدث هو الأول من نوعه بعد سقوط النظام السوري المجرم، انطلقت يوم الاثنين الماضي بدمشق أول تظاهرة سينمائية تحت عنوان: “أفلام الثورة السورية” برعاية وزارة الثقافة، وبالتعاون بين المؤسسة العامة للسينما ودار الأوبرا.
وشهدت التظاهرة التي تختتم عروضها اليوم، مشاركة 22 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا وتسجيليًا في عدد من صالات العرض بالعاصمة السورية، وثّقت ونقلت تجربة الثورة بانتصاراتها وانكساراتها ومعاناة الشعب السوري خلال 14 عامًا من العنف والقتل والجوع والقصف الوحشي بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا، وآلام الفقد في البحار والبلّم، مؤكدةً أنها صفحة جديدة في تاريخ مؤسسة السينما التي عرضت خلالها أفلامًا لمخرجين سوريين تمّ إقصاؤهم وتجريمهم من نظام الأسد السابق لأنهم قاوموا بالكاميرا وفضحوا أبشع حرب في العصر الحديث، دمرت البلاد والعباد، وكانت عيونهم شاهدًا على المجازر وقتل مئات الآلاف من السوريين والسوريات في أقبية التعذيب والزنازين المظلمة وفي المدن والبلدات الثائرة.
بدأت هذه التظاهرة السينمائية بعرض فيلم الافتتاح “نزوح”، وهو درامي روائي طويل، إنتاج سوري – فرنسي مشترك، 2022، تأليف وإخراج: سؤدد كعدان، تم تصويره في تركيا، بطولة: كندة علوش – سامر المصري – هالة زين – نزار العاني وآخرين. تجري أحداثه في مدينة دمشق، وتتمحور حول عائلة سورية من أب وأم وطفلة في سن المراهقة، يعيشون في منزلهم وسط الخراب والقصف والحرب المستعرة، ورغم ذلك يتشبث الأب بالبقاء في منزله وبلده رغم نزوح جيرانه جميعًا إلى أماكن متفرقة طلبًا للنجاة، إلى أن يُقصف منزله بقذائف وصواريخ جوية دمرت جزءًا منه وكادت أن تودي بحياة العائلة. وأمام هذا الموت الوشيك كل لحظة، تقرر الأم أن تنجو بابنتها وترحل، فيما يظل الأب متمسكًا بالبقاء في المنزل المدمر والذي أصبح بدون سقف أو نوافذ أو حماية. ومع اشتداد المعارك وأنباء عن نية جيش النظام الدخول إلى المنطقة واقتحامها، تبدأ الأم بالتخطيط للنزوح تاركة زوجها الحالم بتوقف الحرب وقدرته على حمايتهم وإصلاح كل ما دُمر، وتعيش مع ابنتها رحلة الخوف والاكتشافات الصادمة أثناء الهروب عبر الطرقات الموحشة والأنفاق المظلمة التي تنقل الناس خارج المدينة في رحلة محفوفة بالمخاطر والرعب والاحتمالات المفجعة، لينتهي هذا الفيلم بلحاق الأب بهم وإعلانه أنه لا يستطيع العيش بدونهم.
الفيلم يعكس الواقع السوري بتفاصيله الدموية ومخاوفه وتناقضاته، ولكنه أيضًا يذكرنا بالأوضاع في غزة المدينة التي تواجه النيران وحرب الإبادة والقصف المتواصل والتجويع القاتل منذ عملية “طوفان الأقصى” يوم 7/10/2023 حتى يومنا هذا. ويعمل الفيلم كمرآة عاكسة لما يجري في القطاع، فبالرغم من سقوط الآلاف هناك بين شهيد وجريح والدمار الذي طاول كل ركن من أركانه، ما زال الفلسطينيون يدافعون ببسالة وصبر خيالي، وإصرار كبير، عن أرضهم وكرامتهم وحقوقهم رافضين سيناريوهات اللجوء والتهجير التي تُطرح بين حين وآخر، وهو السيناريو نفسه الذي واجهه السوريون بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، واختار بعضهم النجاة بحياتهم وحياة أولادهم والبحث عن فرص عادلة وآمنة لهم، بينما رفض آخرون أن يكونوا نازحين أو لاجئين لأنه عار يمس وطنيتهم وكرامتهم كما يرون.
المخرجة سؤدد كعدان درست في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وتخرجت من معهد الدراسات المسرحية والسمعية المرئية والسينمائية بجامعة القديس يوسف بلبنان، ولها فيلم روائي طويل بعنوان: “أضعتُ ظلي” وفيلمان قصيران سلطت الضوء فيهما على الوضع في سورية خلال العقد الماضي وحصدت عشرات الجوائز الدولية عن نتاجها الفني.
اعتمدت في فيلم “نزوح” على المحتوى البصري والأصوات الطبيعية لا على الموسيقى التصويرية وعلى قلة الحوار وبساطته، وأعطت أبطالها الفرصة للارتجال، مما منح العمل طابعًا جمع بين الصدق وعفوية الممثلين، كما مزجت في مشاهد مختلفة بين الإضاءة الطبيعية والظلال التي تسببت بها البيوت المهدمة والجدران المهشمة، وركزّت على ملامح الوجوه وتعبيرات العيون وحركة الجسد التي تعبر عن مضمون الحدث بدون الحاجة إلى الكلام. وقد استخدمت الكوميديا السوداء في بعض المواقف، وكان نصها دراميًا إنسانيًا اجتماعيًا أكثر منه سياسيًا أو تاريخيًا يطرح الشعارات والخطابات الرنانة والمصطلحات.
الفيلم ليس عن الشأن السوري فقط، بل هو كما ذكرت بطلته كندة علوش عن فكرة نزوح الجسد والروح عن الوطن الأصلي، والاتجاه نحو المجهول بحثًا عن الأمان والفرص اللانهائية، وهو يعبر ببساطة وإنسانية عن مآسي السوريين والفلسطينيين والعراقيين وكل الشعوب التي مرت بالحروب والأزمات المشابهة. وهو لم يتحدث عن لحظة النزوح نفسها فقط، بل ركّز على تفاصيل ما قبل النزوح أيضًا. وحاول تسليط الضوء على هذا الخيار القاسي والموجع بطريقة تثير الشجن والضحك في آن معًا في بعض مشاهده، لذلك كله نستطيع القول إنه ليس مجرد أحداث وسرد درامي فقط، بل هو شهادة بصرية عن التناقضات العميقة والمؤلمة وعن التمزق الإنساني في زمن الحرب، وعن الخيارات الصعبة التي اضطُر السوريون لقبولها والذهاب إلى ما لا يتمنون وما لا يحلمون.
حصد العمل متابعات وجوائز ومشاركات مهمة دوليًا وعربيًا منها: جائزة أفضل فيلم روائي طويل بفعاليات النسخة العاشرة من مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب في أعقاب جولة في العالم العربي حطت رحالها في قطر حيث عرض هناك. وجائزة الجمهور في مهرجان البندقية السينمائي، 2022، وعُرض في مصر أيضًا ضمن فعاليات أيام القاهرة السينمائية. وشارك في أكثر من 20 مهرجانًا دوليًا من بينها: مهرجان لندن – موسترادي فالنسيا بإسبانيا – ساو باولو- طوكيو – بوسان بكوريا الجنوبية – تطوان بسينما البحر الأبيض المتوسط – مهرجان السينما المتوسطية في بروكسل – مالمو للسينما العربية في السويد.
ونال أيضًا إشادات من بعض نقاد السينما الذين عاب بعضهم على الفيلم تسلل الكوميديا إلى بعض مشاهده وقالوا: “إن الموضوع والحبكة الإنسانية فيه لا تحتمل الكوميديا أبدًا” رغم أنها كانت موجعة وقاتمة وتمتزج دائمًا بالبكاء والتعب والحنين.
*****
يشارك في تظاهرة “أفلام الثورة السورية” حوالي 22 فيلمًا، تمّ اختيارهم من بين 56 فيلمًا أجنبيًا ومحليًا بعد التركيز على البعد الأخلاقي للأفلام والقيمة الفنية وجودة الإخراج وإيقاع الفيلم كما ذكر القائمون على التظاهرة.
ومن الأفلام المشاركة على سبيل المثال لا الحصر:
- التغريبة السورية: للمخرج نزار الحصان، الذي يوثق تجربة الحرب السورية وآلامها ورحلة اللجوء القاسية من خلال عيون الأطفال وملامحهم، ويقدم لقاءات مع 12 طفلًا يروون تجاربهم الشخصية أثناء الثورة وصعوبات ومخاطر رحلتهم وذكرياتهم وأحلامهم المؤجلة.
- ومضة: للمخرج عمرو علي، وثائقي تسجيلي يسلط الضوء على تجربة “مشروع ومضة” الذي بدأته مجموعة ممثلين وموسيقيين وأكاديميين سوريين بدمشق قدموا من خلاله عدة عروض حيّة أمام الجمهور في شوارع وساحات العاصمة، 2013 – 2014، وسط ظروف أمنية صعبة.
- قضية الغرباء: درامي صدر عام 2024، ويروي قصة عائلة سورية تضطر لمغادرة حلب بسبب الأحداث الدامية هناك، مما يؤدي إلى تشتت أفرادها عبر قارات العالم، ويركز على معاناة وأزمات اللاجئين السوريين من خلال وجهات نظر عديدة، إخراج الأميركي براندت أندرسون.
- فقدان: للمخرج رامي القصاب، وهو عن رحلة لمجموعة مهاجرين غير شرعيين عبر الصحراء إلى مصر داخل صندوق سيارة دفع رباعي، وهو سينمائي قصير، إنتاج المعهد العالي للسينما في القاهرة، 2023، ويناقش الحرب النفسية التي يخوضها هؤلاء للوصول إلى برّ الأمان.
- هذا البحر لي: إنتاج تلفزيون سورية، سيناريو وإخراج: محمود حسن. يتناول قصة ستة ناجين سوريين في رحلتهم بحثًا عن الاستقرار والأمان والنجاة من حرب وحشية، وفيه يحكي كل منهم عن قراره الصعب بمغادرة البلاد ومواجهة خطر الموت في البحار، ويصور الفيلم كيف استطاع البعض الوصول إلى هدفهم بينما فقد آخرون أحباءهم في هذه الرحلة الصعبة.
- العودة إلى حمص: فيلم تسجيلي طويل صُور على مدى 3 أعوام من تاريخ الثورة، ووثّق الحياة اليومية للشهيد ولاعب كرة القدم وحارس الكرامة عبد الباسط الساروت، الذي كان قائدًا حقيقيًا للثورة السورية السلمية في حمص، ثم التحق بالمعارضة المسلحة وأصبح مقاتلاً في صفوفها، ورفض رفضًا قاطعًا الخروج من مدينته والسفر إلى البلد الذي يختاره، وسلط الضوء أيضًا على حياة الناشط الإعلامي أسامة الهبالي، “أسامة الحمصي في الفيلم”. من إخراج طلال ديركي.
- قتل معلن: سيناريو وإخراج: واحة الراهب، ويتحدث عن العنف المفرط الذي يحاصر اللاجئين السوريين وأولادهم، وذلك من خلال حكاية طفلة في الحادية عشرة من عمرها، تعيش مع عائلتها في مخيم للاجئين في لبنان، وتفرض عليها الظروف العمل مع أسرتها في الحقول المجاورة، وبعد تراكم الديون على والديها يقرران تزويجها لرجل يكبرها بأكثر من 25 عامًا. الفيلم ركّز على اضطهاد المرأة والتشرد والضياع والفقر وتداعياته، وهو صرخة للتحذير من ظاهرة زواج القاصرات.
- الداخل مفقود والخارج مولود: وثائقي يرصد معاناة المعتقلين في سجون ومسالخ الأسد البشرية المرعبة، وهو عبارة عن رحلة مع سجين يستعرض خلالها تجربته في السجن والتعذيب الوحشي الذي يتعرض له المعتقلون السياسيون، وهو للفنانة السورية الشابة النحاتة مريم سلامة. عبارة عن 21 تكوينًا لوجوه “بورتريه” من الصلصال الملون، جسدّت من خلالها عذابات الضحايا في سجون لم يعرف التاريخ الحديث لها مثيلًا، معتمدة على صور “قيصر” التي كانت المرجعية لتكويناتها.
من جهته قال المدير العام للمؤسسة العامة للسينما، الفنان جهاد عبده، إنه يأمل من خلال هذه التظاهرة بأن تدمج الصور بين السينما والجمهور السوري بكل شرائحه، لأن هناك “قطيعة كبيرة حصلت في السنوات الأخيرة الماضية بينهما. وكثيرون اعتقدوا أن السينما كانت مجرد أداة لخدمة النظام السابق ليكرّس من خلالها روايته وأيديولوجيته”، مؤكدًا أن هناك رغبة حقيقية الآن لتقديم سينما البسطاء والحقيقة والمشاعر الصادقة النابعة من البيوت والقلوب والضمائر، لا سينما مكرسة للبروباغندا.
كانت التظاهرة حدثًا استثنائيًا في تاريخ السينما السورية، وثّقت الحقيقة ومحطات مفصلية في تاريخ البلاد المعاصر، وأكدت على أهمية هذا الفن في الاعتراف بمعاناة الضحايا وفضح استبداد النظام الأسدي وإجرامه، وعلى إعادة الاعتبار للشاشة الكبيرة كأرشيف حي لذاكرة السينما وكسلاح يقاوم النسيان.