علي حسين…جريدة المدى
منذ أن أُعلن عن ما يسمى بـ”صولة الفجر”، والمواطن العراقي يواجه أطناناً من الكلام والخطب استهلكت معظم وقت الفضائيات، وخرج علينا من يعلن القضاء على الفساد وأنه قُبر وإلى الأبد، واستغرقنا في مناقشات ومشادات كلامية عن بطولة الذين كشفوا عن أسرار السرقة، وشاهدنا الأموال التي خُبئت في قناني المياه، وتحت سيراميك الحمامات، وجلس المواطن المسكين مثل جنابي “يبحلق” بغابة ساعات الرولكس التي كانت في شقة أحد النواب، وعرفنا أن أموال النفط تحولت إلى تاهوات وشقق لراحة الفاشينستات، استمعنا إلى تحليلات عن براءة عالية نصيف ونزاهة مثنى السامرائي وزهد أحمد الأسدي واستقامة محمد الصيهود، وخرج علينا من يهتف باسم الوزير السابق الذي كان يعيش حالة من الكفاف، وبسرعة البرق تم تغييب ملفات فساد كبيرة وانشغلنا بتغريدات تحيي جهود الحكومة بالحفاظ على المال العام.
لكن اللافت أن موضوع “صولة الفجر” تم توظيفه في تثبيت تلك الصورة المصطنعة عن أن الحكومات السابقة حافظت على المال العام، وحاربت الفساد، ولكن ماذا نفعل للإمبريالية الأمريكية التي فرضت علينا علي الزيدي؟، ولأن النواب والسياسيين يعتقدون أن هذا الشعب ينسى بسرعة وأنه يملك ذاكرة سمكة وأن العراقيين لا يتذكرون أن أكثر من 100 مليار دولار نُهبت من أموال الكهرباء وأن ميزانيات كاملة وبعشرات المليارات تم نهبها في وضح النهار، وأن أموال الحصة التموينية حوّلها فلاح السوداني لحسابه الخاص، وأن أموال طبع الكتب المدرسية أوصلت مثنى السامرائي إلى قبة البرلمان، ولهذا كان لابد من اعتبار سرقات الجميلي هي الأخطر، بينما ما سُرق من أموال منذ عام 2005 وحتى عام 2026 حق مشروع لمسؤولين ناضلوا في سبيل رفاهية هذا الشعب.
لقد جرت عمليات تشويه للحقائق بطريقة ممنهجة من الأكاذيب، حتى تصوّر الناس أننا كنا نعيش في دولة تحتل القائمة الأولى في سلم النزاهة والتنمية والتطور .
لعل السؤال هو: كم مسؤول متهم بتبديد المال العام وسرقته؟ ثم ــ وهذا هو الأهم ــ من الذي يتحمل مسؤولية ضياع مئات المليارات من الدولارات في مشاريع وهمية؟ بلغة الحساب لدينا أكثر من أكثرُ من تريليوني دولار من عائدات النفط دخلت إلى الموازنة منذ حكومة إياد علاوي وحتى حكومة محمد شياع السوداني، ونريد أن نعرف أين ذهبت ولماذا ظل الحال على ما هو عليه.
انسوا أن نور زهير الذي سرق ثلاثة مليارات من الدولارات خرج منتصراً ويعيش الآن مرفهاً في إحدى عواصم العالم، وتعالوا نقرّ بأن قوة “الفجر” ارتكبت مخالفات كما يدعي البعض لكونها استخدمت الدبابات لإلقاء القبض على “مدللة” العملية السياسية عالية نصيف، ولكن دعونا نسأل: أليست هناك ملفات فساد كثيرة لا يزال البعض يضع تحتها عبارة “ممنوع الاقتراب”، وأن العراق يعيش في ظل أكبر سرقة في التاريخ؟! .