ملخص
بينما يزداد نفوذ الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، يحذر الكاتب من أن تبني مرشحين وسياسات أكثر يسارية قد يمنح دونالد ترمب والجمهوريين فرصة ثمينة لاستعادة الناخبين المتأرجحين، وتحويل انتخابات الكونغرس إلى معركة أيديولوجية لا وسط فيها.
قبل 10 أعوام بالضبط، اجتمع الديمقراطيون في فيلادلفيا لإعلان هيلاري كلينتون مرشحتهم للانتخابات الرئاسية لعام 2016. فقد تمكنت أخيراً وبعد مشقة من إقصاء منافسها بيرني ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت الذي يعرف عن نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي
قبل ترشحه، لم يكن الرجل معروفاً خارج ولايته. كان شخصية متمردة بعض الشيء. وكان حديثه أقرب إلى الصياح منه إلى الكلام. كما كان عبوساً. ومواقفه السياسية أكثر يسارية بكثير من الموقف التقليدي للحزب الديمقراطي. نظرياً، كان من المفترض أن يكون مرشحاً غير واقعي ولا أمل له، لكن المنافسة بينه وبين كلينتون كانت متقاربة للغاية، وولدت محاولات تشويه سمعته كثيراً من الضغينة.
ذلك الأسبوع، التقيت في فيلادلفيا مندوبين انتخابيين قالوا إنهم يفضلون التصويت لدونالد ترمب على التصويت لهيلاري كلينتون، لكن عالم السياسة غريب الأطوار وفيه الأضداد تلتقي، ففي كثير من القضايا، مثل الرسوم الجمركية وحماية الوظائف الأميركية والقومية الاقتصادية، لم يختلف ترمب كثيراً عن ساندرز.
كانت تلك الظاهرة حقيقية. فقد جاب ساندرز جميع أنحاء البلاد، واستقطبت تجمعاته الانتخابية حشوداً ضخمة جلها من الشباب، لكن ساندرز كان، في واقع الأمر، يغرد وحده. ولم تحط به أي حركة اشتراكية ديمقراطية تقدمية. بل كان ساندرز بمفرده.
وكما قاد ترمب الجمهوريين إلى الشعبوية اليمينية، قاد ساندرز الديمقراطيين إلى الشعبوية اليسارية، إلى أرض “ماغا” الزرقاء. التقيت امرأة في فيلادلفيا كانت تحمل لافتة كتب عليها أنها منحت هيلاري صوتها، لكن بيرني خطف قلبها.
أما اليوم، فيبدو أن سياسة “بيرني” التقدمية قد استمالت تدريجاً قلوب ملايين آخرين. وعلى رغم أن بيرني ساندرز لم يعد يتمتع بقوته السابقة – يبلغ الآن 84 سنة – فإن مجموعة من السياسيين المشهورين الذين يشغلون مناصب بارزة تدافع الآن عن هذه الرؤية الأكثر يسارية للعالم.
ولعل أبرزهم رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، الذي أنعش فوزه الجناح التقدمي في الحزب. وحديثاً، طالب باعتقال بنيامين نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب إذا ما وطأت قدماه نيويورك في سبتمبر (أيلول) لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة – وهو ما رفضه دونالد ترمب رفضاً قاطعاً.
وما يلفت النظر في الحزب الديمقراطي هو تراجع الدعم لإسرائيل في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) المأسوية. ويدعو البعض إلى حظر بيع الأسلحة للدولة اليهودية. إنه تحول جوهري.
قد لا تبدو بعض المقترحات السياسية الأخرى متطرفة بالنسبة إلى الجمهور الأوروبي. فالطبابة المجانية في مراكز الخدمات الصحية تشكل أساس النظام الصحي البريطاني منذ عام 1948، لكنها غالباً ما تعتبر أقرب إلى الشيوعية في الولايات المتحدة. أما تجميد الإيجارات – الذي يدعو إليه ممداني – فيعتبره اليمين تدخلاً فادحاً في سير السوق الحرة، لكنه نجح في جعل هذه الفكرة تكتسب شعبية.
لكن المشكلة هي أنه في حين أن هذا النوع من السياسات التي يدعو إليها ممداني في نيويورك قد تحظى بقبول لدى الناخبين الأكثر ليبرالية من خريجي الجامعات، كيف ستكون ردة الفعل تجاه هذه السياسات في تلك الولايات المتأرجحة التي تحسم فيها الانتخابات، مثل ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن وجورجيا وأريزونا؟
وفي الوقت نفسه شهدت الفترة الأخيرة مساعي للبحث عن مرشحين يختلفون عن الصورة النمطية لخريجي الجامعات المرموقة من ذوي الملامح القوية والتقليدية والمظهر الأنيق.
في ولاية ماين، إحدى الأهداف الرئيسة للحزب الديمقراطي في السباق على مقاعد مجلس الشيوخ، اختار الديمقراطيون مرشحاً تقدمياً كان صياد محار سابقاً، يدعى غراهام بلاتنر. لم يكن من الوجوه التقليدية في المؤسسة الحزبية. وقد دعمه كل من ممداني وساندرز، مما أطاح المرشحين المفضلين لدى التيار السائد في الحزب.
لكن تبين لاحقاً أن ماضي الرجل أكثر تعقيداً بكثير مما يبدو عليه. فقد وجهت إليه تهمة بالاعتداء الجنسي – يقول إنها “كاذبة” – وكان على جسمه وشم حصل عليه عندما خدم في مشاة البحرية الأميركية يشبه إلى حد كبير شعار “جمجمة الموت” التي كان يضعها ضباط قوات الأمن الخاصة (أس أس) في ألمانيا النازية – وقد اعتذر عنه لاحقاً ثم أزاله، قائلاً إنه لم يكن على علم بهذا التشابه في ذلك الوقت. وتوالت بعد ذلك الاتهامات المتعلقة بسلوكه.
لكنه اضطر في النهاية إلى الانسحاب، تاركاً الحزب الديمقراطي في حال ارتباك وهو يبحث على عجل عن مرشح بديل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف اعتبر منذ البداية مرشحاً مؤهلاً لخوض الانتخابات؟
وهو ليس الوحيد. فقد اختار الحزب امرأة تدعى دارياليزا أفيلا شوفالييه لخوض انتخابات الكونغرس عن ولاية نيويورك. وكانت قد وصفت جو بايدن في وقت سابق بـ”المغتصب” و”مجرم الحرب”. وقد أعربت منذ ذلك الحين عن “أسفها” لتلك التغريدات. وحضرت تجمعاً في نيويورك في اليوم التالي للمجزرة التي ارتكبتها “حماس” ضد المدنيين الإسرائيليين، احتفى بتلك الهجمات.
وتدور حالياً منافسة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان – الولاية التي تضم أكبر تجمع سكاني عربي في الولايات المتحدة – بين مرشحة التيار التقليدي للحزب الديمقراطي، هالي ستيفنز، والمرشح التقدمي المتمرد، عبدالسيد. وقد ضخ اللوبي المؤيد لإسرائيل، “أيباك” (AIPAC)، ملايين الدولارات لمنع فوز عبدالسيد. ويصف أنصار عبدالسيد هذا الوضع بأنه صراع بين القاعدة الشعبية وأموال اللوبي الضخمة.
وقد أدى كل هذا إلى احتدام الأجواء في البيت الأبيض، حيث تبذل الآن جهود حثيثة لتصوير هؤلاء الأفراد – ومعهم الحزب الديمقراطي ككل – على أنهم شيوعيون مجانين ومتطرفون. ويزعم ستيفن ميلر، كبير أبواق ترمب الإعلامية، أنهم سيلغون الدستور ويحظرون القضاة ويسفكون دماء مواليدكم البكر. حسناً، لقد اختلقت الجزء الأخير. ولكن إليكم لمحة عن شكل أميركا القادم، حسب وصفه:
“لم يتبن الحزب الديمقراطي الاشتراكية فحسب، بل تبنى الشيوعية أيضاً. شيوعية صريحة، سافرة لا لبس فيها. إنهم الآن ينتخبون مرشحين يريدون الاستيلاء على القطاع الخاص وتسليمه للحكومة، وتعليق العمل بالدستور وإلغاء مجلس الشيوخ وإلغاء السجون وإلغاء نظام هيئة المحلفين والقضاء على أسلوب حياتنا برمته”.
هل يبالغ؟ بالتأكيد، لكن كثيراً من الديمقراطيين من الجيل القديم مرتعبون من أن تكون هذه المجموعة من المرشحين شديدي التقدمية مكلفة في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) النصفية. ومن ناحية أخرى، كان الجمهوريون التقليديون من التيار السائد في الحزب يقولون قبل 10 أعوام إن حزبهم لن يفوز أبداً بوجود شخص مثل ترمب رئيساً لقائمة المرشحين. لن تكون انتخابات نوفمبر النصفية هذه منافسة على الوسطية السياسية.
© The Independent
