
من تقديم معاصر لأوبرا “يولانتا” (موقع العرض)
ملخص
أوبرا “يولانتا” لتشاسكوفسكي، كانت من أقل أوبرات هذا المبدع الروسي شهرة، لكنها ستبقى واحدة من أجمل أعماله، حتى ولو أجمع الباحثون والنقاد على أنها الأقل ابتكاراً، والأقل تجديدية في الموسيقى الروسية
كان ذلك في زمن أمعن فيه عدد لا بأس به من الموسيقيين الروس في مهاجمة زملاء لهم، متهمينهم بالتغريب وتفضيل المزاجات الأوروبية على المزاجات المحلية في الموسيقى واختيار المواضيع. ونعرف بالطبع أن “رأس الحربة” في ذلك الهجوم كان “مجموعة الخمسة”، لكنها لم تكن وحدها ولم يكن الأمر محصوراً في الموسيقى. ففي ذلك الحين كانت الصراعات السياسية والأيديولوجية تتفاقم من حول البحث عن “هوية” ما للوطن الروسي المتأرجح من قمة الهرم إلى أدنى الطبقات الشعبية بما في ذلك صفوف المثقفين والمبدعين، بين التطلع غرباً والتطلع شرقاً.
وفي الموسيقى، صحيح أن المعركة كانت تخاض ضد رهط كبير من روائيين ومسرحيين ورسامين وموسيقيين وما إلى ذلك، ولكن كان من الواضح أن الموسيقيين المدعوين “مجموعة الخمسة”، إنما كانوا يركزون هجوماتهم الصاعقة على تشايكوفسكي بأكثر مما على سواه. فبالنسبة إلى بورودين ورمسكي – كورساكوف وموسورغسكي، وكو وباكارييف، وجميعهم على خطى ملهمهم وزعيمهم غلينكا، كان صاحب “بحيرة البجع” الخصم الأشد مراساً والأكثر شعبية، ولذا يتعين التخلص منه أو ضمه إلى حظيرة الموسيقى المحلية أو الشرقية لتمهيد الطريق للسيطرة على اللعبة الموسيقية في البلاد.
ومن هنا، على ما يبدو لنا، كان اهتمام تشايكوفسكي في تلك اللحظة من حياته بتلحين أوبرا لا تبدو للوهلة الأولى، لا في موسيقاها ولا في موضوعها، وكأنها من نتاجه. وستكون تلك الأوبرا “يولانتا”، التي لئن كانت من أقل أوبرات هذا المبدع الكبير شهرة، فإنها ستبقى واحدة من أجمل أعماله، حتى ولو أجمع الباحثون والنقاد على أنها الأقل ابتكاراً في مجمل تلك الأعمال، والأقل تجديدية في الموسيقى الروسية، “حتى وإن كانت قد مثلت ثورة في مسار تشايكوفسكي” أو “ثورة مضادة” بحسب نقاد آخرين تعبر “للأسف” عن رضوخ الفنان للمنطق العام. وإنما على طريقته الخاصة في أحسن الأحوال، أو أسوئها، بحسب وجهة نظرك.
ألف ليلة وليلة
ولكن عماذا تتحدث هذه الأوبرا التي مكنت في نهاية الأمر تشايكوفسكي من أن يسجل هدفاً في مرمى خصومه، ويثبت أنه قادر وأكثر منهم على تطعيم موسيقاه بمزاجية شرقية لا تخلو من أسمى درجات الجمال؟
إنها في الأصل، حكاية من حكايات الدانمركي هانز كريستيان أندرسن، لكنها تفوق كل حكايات هذا الكاتب المبدع في حكايات الأطفال، شرقية وبحثاً عن ذلك التضافر الإنساني بين الشرق والغرب، ودائماً كما اعتاد أن يفعل، من خلال حكاية بسيطة تتيح للمبدعين الآخرين، أن يحولوا النص إلى منصة لتحقيق عمل إبداعي مسرحي موسيقي غنائي راقص، يثبت الملحن من خلاله تمكنه المطلق من أنواع الفنون، وتفوقه على منافسين.
ومن هنا لا بد من التأكيد أن الاختيار الذي قام به تشايكوفسكي هنا لم يأت بفعل صدفة ما: لقد تعمد أن يأتي بنصه من أقصى الشمال الغربي الأوروبي، إنما متحدثاً بإيجابية عن موضوع شرقي الملامح يتيح له تنويعاً في التلحين يصيب به أكثر من عصفور واحد بحجار عديدة.
ومهما يكن من أمر لا بد من الإشارة أولاً إلى أن النص الذي انتهى تشايكوفسكي إلى وضعه في قوالبه الموسيقية جاء مختلفاً كثيراً عن نص أندرسن، بل جاء بأقرب ما يكون إلى عوالم “ألف ليلة وليلة”. وهو الأمر الذي أتاح له أن يزرع الأوبرا ألحاناً شرقية في منتهى القوة والجمال، مما سيسكت خصومه عنه ولو إلى حين.
الأميرة والنطاسي العربي
يدور النص كما اشتغل عليه تشايكوفسكي في نهاية الأمر، من حول الأميرة يولانتا التي سرعان ما يتبين لنا أنها إنما ولدت ضريرة لا ترى، لكنها غير متنبهة إلى ذلك. وذلك لأن أباها حاكم المنطقة آثر منذ البداية أن يبقيها بعيدة من إدراك ما أصابها، حتى يقيض له العثور على الطريقة التي تشفى بها، إذ كان واثقاً أنها ستشفى يوماً، ليكشف لها عن سرها حين يتم ذلك الشفاء.
ومع ذلك يبقى ثمة سؤال يحوم من حول حكاية يولانتا، ويؤرق أباها ليلاً نهاراً: كيف سيقيض ليولانتا أن تدرك يوماً، أي حين تشفى، أنها باتت قادرة على رؤية النور هي التي لم تتعلم أبداً منذ طفولتها أن ثمة نوراً في هذا الوجود؟
للوصول إلى جواب عن هذا السؤال الذي من الواضح أنه يستبق الأحداث التي ستشكل محتوى الأوبرا، يتكل الأب / الحاكم على النطاسي (الطبيب) العربي ابن حقية الذي يتمتع بالعلم والحكمة معاً ويعرف الحاكم أنه الوحيد القادر على حل المعضلة، الصحية والمعرفية والأخلاقية في آن معاً. ولا سيما ما يتعلق منها بإزالة الكآبة التي تعتري يولانتا منذ وعت وجودها في هذا الكون الذي لا تعرف له صورة، أو أن الآخرين يتمتعون برؤية صورته.
ولكن لئن كان الطبيب يعرف أن في يده شفاء الأميرة لتستمتع بحياتها وبجمال الكون، فإنه يعرف في الوقت نفسه أنه سيقوم فقط بنصف المهمة، وذلك لأن له في مستقبل يولانتا منافساً جدياً هو حبيبها الفارس فوديمون الذي تغرم به من دون أن تكون قد رأته.
مسار نحو النور
تلكم هي حكاية هذا العمل، التي يمكننا أن نتوقع لها منذ البداية أن تسير في خط يتقدم نحو ذلك النور الذي من المنطقي أن يولانتا ستتمكن من اكتشافه في نهاية الأمر، لتكتشف جمال الوجود وتضيفه إلى جمال الحب الذي تعيشه من خلال غرامها وآفاق وصولها إلى حكم عادل تريد تحقيقه ذات يوم، وهي تعتقد أنه ماثل في ذلك الظلام الذي يغمر كل ما يحيط بها في هذا الوجود. والحقيقة أن المشهد الإجمالي الذي يهيمن على الأمور إنما يعاني ذلك الفراغ الذي يخلقه كون العمل، معبراً عن وجهة نظر الأميرة نفسها، أي عن اللاشيء، بصرياً في الأقل.
ومن هنا، ذلك الإبداع السمعي الذي غمر به تشايكوفسكي العمل، موسيقياً، إذ جعل ألحانه تحل في معظم المشاهد مكان المشاهد البصرية ولو للتعبير عن دهشة يولانتا أمام ما يحيط بها في وجود لا تعرف حتى الآن أنها إنما تستعد للتفاعل البصري معه، بفضل ابن حقية، الطبيب الذي يلعب هنا دور الوعي الشامل الذي يقود ذلك العالم كله من الخاتمة إلى النور.
ويقيناً أن اختيار العالم الحكيم العربي لهذا الدور لم يكن صدفة، بل كان من تشايكوفسكي، في تضخيمه للدور الذي يلعبه الطبيب، ومواكبة كل ظهور له بخصوصية موسيقية لا تدانى، نوعاً من سلاح يخوض به معركته ضد زملائه الألداء. معركة نعرف سلفاً أن تشايكوفسكي يجعلها بالموسيقى معركة بين العتمة والنور أولاً وأخيراً، وهو ما يدركه دائماً المبدعون المعاصرون الذين يتنطحون بين الحين والآخر، ومنذ إعادة اكتشاف هذا العمل التشايكوفسكي البديع خلال النصف الثاني من القرن الـ20، إلى تقديم عمل ربما يفوت كثراً أنه، على أية حال، كان بالنسبة إلى صاحبه عاملاً فاعلاً في معركته ضد “الخمسة”… في نهاية المطاف.